'المملكة' يجسد السير نحو العدم

كتب ـ عبدالحق ميفراني
سفر إلى الماوراء

يتابع الكاتب والمترجم المغربي محمد الحارثي ومعه العديد من الأسماء المغربية رهانهم الجماعي في ترجمة نصوص من الجسد الشعري الإسباني، وإذا كان المعرض الأخير للكتاب الذي نظم بمدينة الدارالبيضاء هذه السنة قد توج الثقافة الإسبانية من خلال حمل شعار المعرض ومحور العديد من الندوات، فقد كان مناسبة أيضا لتقديم العديد من الترجمات لنصوص إبداعية إسبانية.
وديوان "المملكة" للشاعر الإسباني خوسي رمون تروخيو، خطوة في إطار صيرورة التعريف بهذا المشهد الغني.
صدر الديوان عن منشورات اتحاد كتاب المغرب، وبدعم من معهد سرفانتيس، قام بترجمة قصائده المبدع والمترجم العربي الحارثي والقاصة والمترجمة رجاء الطالبي، وصدر عن مطبعة الكرامة في 72 صفحة.
الشاعر المدريدي تروخيو (1966 ـ ....) بالإضافة إلى كتابة الشعر يقوم بالتدريس في الجامعة والترجمة، نشرت له من الأعمال:
• خمس قصائد أخلاقية ـ مدريد 1995.
• فن النسيان ـ 1997.
• المملكة ـ 2001.
في تقديمهما لديوان "المملكة" للشاعر الإسباني تروخيو يؤكد المترجمان العربي الحارثي (مسؤولا عن السلسلة)، ورجاء الطالبي، أن قصائد تروخيو تجسد "تأملا ما ورائيا يدور حول مفهوم الزمان، لأنها تتضمن فكرة الوجود والعدم، الثبات والحركة، الحضور والغياب، الروح والجسد، تحتفي قصائده بقيمة السفر والترحال.
إن الشاعر تروخيو مولع بالسفر فحتى في الإقامة فهنالك ممارسة للسفر، قلب الذات والأعماق وركوب مغامرة البحث عن المعنى المنفلت والمحجوب وراء قشرة الوجود المموهة."
إن الحس الفجائعي التي تعبر عنه القصائد يعبر عن عبور آخر أكثر رمزية، عبور نحو اللغة، في كشوفاتها التي تتجاوز الصدفة.
مدينة القلب، الطريق، السراب، الصعود. هي أربعة مفاصل شعرية احتوت على أربعة عشر مقطعا شعريا قصيرا منها الساعات هنا كالأمواج، خلال العشاء، أحيانا، بدون أن يفوه بكلمة، كآثار الذئب الحمراء فوق الثلج، كانت هناك نائمة، في الأشياء الصغيرة / مر اليوم كله في التأمل، بينما الظل لا يزال، وراء الجدران.
في قصيدة "الساعات هنا كالأمواج" نقرأ: تنخر خفية الصخر
تفسد السقف الخشبي، وتلعق
رخامها، تفك أصابعها
الظلامية الحرير، والتخاريم (ص8)
يقدم الشاعر تروخيو تجربة شعرية تحاور الأشياء من خلال التقاط دقيق لتفاصيل اللامرئي، وهو هنا يقدم توليفا سحريا لقدرة اللغة الشعرية على السفر في وشائج المعنى، بسيلان تركيبي يتوزع فسيفساء القصائد بعناية فائقة، لا تخلق مفارقاتها إلا من خلال استعارة الرؤية: وسط شساعة البحر، فهمت آنذاك
أن الشفافية وليس الوضوح هي التي تقرب
إلى قلوبنا وجيب الأشياء (ص18)
ولأن للقصيدة عوالمها الشاسعة، ولأن للكتابة خرق مموه دائم تخلق عبره عالمها، فالشاعر تروخيو يمأسس لحظته الشعرية الشفافة عبر عبوره الدائم التأملي في الماوراء.
هذا الأخير يعتبره نص تروخيو سكنه الروحي والمجازي، وهو سكن مسكون بقلق اعتباري مزدوج: (والقلق غافيا) بالرغم من أن عطشه لا يرى (ص22) قلق يحمل رؤاه اتجاه امتلاك لحظة القول الشعري أمام أشياء لا تتشبه إلا باللامعقول خصوصا أن امتلاك الشاعر للحظته هو امتلاك لشفافية تتلكأ عن الوضوح. وهو قلق المعنى التي تجوبه القصائد طولا وعرضا، حيث عالم اللامعنى، واللامعقول، أمام الشاعر "كريات صغيرة " تمتد بين: بين نونبر وفصل الشتاء
يمتد فصل
يسمى الخيبة (ص30)
فصل الخيبة هي الزمن والصدأ الذي تحلق كريتهما الصغيرة وتسقط مطرا (حين يشعر بالعطش ـ ص32)، وحين يشعر "المطر بالعطش" يذهلنا الشاعر بهذه الثنائية التي يخلق تفاصيلها، ويزيد من سبر أغوار القصيدة بحثا في لامعقوله.
إذ حينما يشعر الشاعر بالعطش تسقط القصيدة، وفي حالات السقوط هاته، مرآوية لحالة العطش حيث اللغة تمارس طقس الاستنبات والتحول، ولعلها لحظة رمزية يؤكد من خلالها الشاعر تروخيو ما سبق أن أشار له المترجمان في تقديمها، فحالة السفر تتحول هنا إلى ما نسميه باستغوار دلالي، يعبر من خلاله الشاعر لهذا (الوضوح الغامض ـ ص36) الذي يعتم كل شيء لكن في النهاية: يجلس الشاعر على حافة الطريق
وقد هجره سفره
يصدح صوته البرونزي الجميل مرنا
كطنين جرس فارغ (ص34)
ديوان "المملكة" للشاعر الإسباني خوسي رمون تروخيو تجسيد للسير اتجاه العدم، في سفر لا نهائي لهذا الماوراء حيث لا تبات حيث الغياب حضور الغياب، وقد أتحفتنا الترجمة في الوصول لهذه الوسائط مما يعيد التأكيد على خصوصية الاشتغال المعرفي في عبورنا نحن اتجاه هذه القارات الشعرية، وكم نحتاج لعبورنا وعبور الآخر فينا. عبدالحق ميفراني ـ المغرب