كيف يرى العربُ الألوان؟

كتب ـ أحمد فضل شبلول
ضبط اللون

يحتوي "قاموس الألوان عند العرب" لمصنفه د. عبدالحميد إبراهيم، على أربعمائة وتسع وثمانين مادة مضبوطة ومشروحة تدور حول اللون، كلها مستقاة من لغتنا العربية، ومن تراثنا العربي، ومن معارف الجزيرة العربية.
إذن فهو قاموس مادته ليست منقولة عن لغة أو لغات أخرى، ولا هو يرصد الألوان الحديثة ثم يترجمها إلى اللغة العربية ويذكر مقابلها الأجنبي كما تفعل بعض القواميس، ولكن اعتمد مصنفه على عدد كبير من المراجع اللغوية المتخصصة والعامة في سبيل ضبط اللون وشرح معناه وتمييزه عن غيره، وذكر الفروق الدقيقة في الألوان، ومتى يستعمل هذا اللون، وفي أي سياق لغوي ورد ذكره، وما إلى ذلك.
إنه اعتمد بالدرجة الأولى على "لسان العرب" ثم على "الأمالي" لأبي علي القالي، و"الإيضاح لمختصر تلخيص المفتاح" للقزويني، و"بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" للألوسي، و"فقه اللغة وسر العربية" للثعالبي، وكتاب سيبويه، و"الكنز اللغوي في اللسن العربي" لأغوست هنز، و"المخصص" لابن سيده، و"المصطلحات العلمية والفنية" ليوسف خياط والمرعشلي، و"المعجم العربي" لحسين نصار، و"اللمع" للنمري، و"الوسيط"، وغيرها.
يقول الدكتور عبدالحميد إبراهيم، على سبيل المثال، عن اللون دعج: الدعج والدعجة: السواد، وقيل شدة السواد، وقيل الدعج: شدة سواد سواد العين وشدة بياض بياضها.
وعن اللون دكن: الدكن والدكن والدكنة: لون يضرب إلى الغبرة بين الحمرة والسواد، وفي "الصحاح" يضرب إلى السواد.
وفي مقدمته للقاموس يقول "إن هذا القاموس يتعدى فائدته اللغوية المعروفة، ويحدثنا عن تصور العرب للألوان، وهو تصور يختلف عن التصور الشائع في أذهان المعاصرين، فالزرقة عند العرب تعني البياض، والصفرة تعني السواد، والخضرة تعني السواد."
وهو يستعين في إثبات ذلك ببعض الآيات القرآنية الكريمة، وبأبيات من الشعر العربي القديم، فضلا عن المراجع والقواميس التي سبق ذكر بعضها.
لقد قيل إن الألوان عند العرب قليلة، وإن العرب لا يعرفون الألوان، ولا يعرفون تعدد درجاتها، واستشهد على ذلك بألوان السجاد العربي التي لم تتجاوز خمسة ألوان، وهو قول شائع لم يقم على دليل فعلي، ولم يعتمد على إحصاء، لذا فقد بذل المصنف جهده للوقوف على حقيقة مثل هذه الأقوال، وقدم الدليل الفعلي والإحصائي على تعدد وثراء الألوان عند العرب.
ومن يراجع مواد (بيض وحمر وخضر) في هذا القاموس على سبيل المثال، يدرك مدى التنبه لتعدد درجات اللون الواحد، فهناك أبيض يقق ولهق وصرح ولياح ووابص وحضي وقهب وقهد. وهناك أسود حائك وحالك وسحكوك وحلبوب. وهناك أحمر قانٍ وذريحي وبحراني وقاتم وناصع ويانع وناكع وسلغد وأسلغ وأقشر .. الخ. وهناك أخضر أحم وأحوى وأدغم وأطحل وأورق.
إن من يراجع مواد هذا القاموس سيدرك بطريقة عملية إحصائية ثراء اللون وتعدد درجاته ودقة الملاحظة عند العربي الذي لا يوغل في التجريدات ولا في الخيال، بل يعتمد بالدرجة الأولى على عنصر التشبيه.
و"قاموس الألوان عند العرب" يشير إلى أن الطريق لا يزال مفتوحا أمامنا، ويغري الأفراد والهيئات والمؤسسات الجامعية ومراكز البحوث، بعمل قواميس نوعية حديثة حول النبات أو الحيوان أو أعضاء الإنسان أو أعضاء الحيوان وغيرها، فهي قواميس تضع تراث العرب أمام أعيننا في صيغة يسهل هضمها والاستنتاج منها، وتسمح للجديد بأن يتأسس على القديم، ويوسع معناه، بدلا من أن يأتي ترديدا لاستعمالات الآخرين.
إنه قاموس يطبق معده، أو واضعه، أو مصنفه، الأسلوب المنهجي والفكري الذي نادى به في أكثر من مؤلف من مؤلفاته، وأكثر من كتاب من كتبه، وهو (الوسطية العربية).
يذكر أن القاموس صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة عام 1989 ووقع في 304 صفحات من القطع الصغير، واحتوى على المقدمة و489 مادة مضبوطة ومشروحة، وثبت يضم كل المواد، وأمام كل مادة رقمها المسلسل ورقم الصفحة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية