السويدي يعثر على 'يوميات دير العاقول'

كتب ـ المحرر الثقافي
وأخاف إن عاتبته أغريته

"'يوميات دير العاقول' هي مخطوطة عثر عليها أحدهم في مكتبة مهجورة في زاوية من مسجد قديم في المنطقة التي تحمل الاسمَ نفسه، والتي لقي فيها الشاعر أبو الطيب المتنبي مصرعه.
بدت المخطوطة قديمة بالية ومجهولة النسب، ولعل من عثر عليها تبين له بعد جهد أنها نسخة دقيقة نُقلت قبل قرن من الزمان عن أصل دونه الشاعر."
هكذا يعرَّف الشاعر والمثقف محمد أحمد السويدي بنصه الجديد الذي يُنتظر أن يرى النور قريبا في نسختين الأولى إلكترونية على الإنترنت، والأخرى ورقية.
والعمل الذي تنشر "ميدل إيست أونلاين" مختارات منه، يعد نموذجاً مهماً للنصوص التفاعلية الحديثة التي تستفيد من الخصائص التي توفرها الإنترنت لتوسيع مجال الرؤية والطرح من ناحية، وللتواصل مع القارئ واستقبال وجهة نظره من ناحية أخرى، وذلك من خلال موقع مخصص على الإنترنت سوف يتم تدشينه قريبا.
وقد قام مؤلف العمل بتدشين نسخة تجريبية من اليوميات على موقع الوراق (www.alwaraq.com) تتضمن غرفة مفتوحة للنقاش بهدف إثراء العمل من خلال التواصل مع القارئ واستقبال وجهة نظره.
كما يتضمن الموقع تسجيلات صوتية لليوميات بصوت الشاعر والمفكر محمد أحمد السويدي الذي يسعى إلى أن يكون العمل موسوعة شاملة عن القرن الرابع الهجري، زاوية انطلاقها ومرتكزها سيرة حياة الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي، ليعيد من خلالها تركيب العصر حيث لا يعود الزمان مفككاً كما ورد في الكتب، السياسة في جانب، والأدب والاقتصاد والمجتمع والشارع كلٌّ في جانب، إنما يرصد ذلك الخيط الرفيع الذي يسري بين كل هذه الأمور ونسميه الحياة ليعيد صياغته في نص واحد.
هنا مقتطفات من "يوميات دير العاقول" : حديث عرَّافة هو ذا بضعة من عطارد
على الجبين وضع قبلته
وفي القدمين الصغيرتين غرس جناحين،
فإن رمت اللحاق به لربّما
أفلتَ كالهواء في الهواء.
لن يعرف السكون
وستلّوحه الأسفار،
سيبّدل المنازل والرفاق
استبداله الفصول.
النجوم تومئ إليه واعدة
بجنة لم تقع عليها عين
وبحر لم يرتده زورق.
وراء ظهره سيخلّف من أحبّ
لأجل عدوّ ما من صداقته بدّ.
سيقدح رأسه الصغير شرراً
الكلام ينساب جداول ويحلق عقباناً
سيدبج رسالتين بكلتا يديه في آن،
وإن لجّ في جدل
لن يرضى الخروجَ منه إلاّ
مظفّراً بإكليل غار.
ولبلوغ غايته سيتملّق ويداهن
لينتهي به المطاف وحيداً
محطّما
كموجة على الصخور. النبوءة تاريخ النص: 937 ب.م
المكان: (الكوفة)
بلغني عن أبي الحسن الناشئ، عندما بلغته قصيدتي التي نظمتها في علي بن إبراهيم التنوخي، أنّه قال: كنت بالكوفة في سنة خمسٍ وعشرين وثلاثمائةٍ وأنا أملي شعري في المسجد الجامع بها والناس يكتبونه عني، وكان أحمد بن الحسين إذ ذاك يحضر معهم، وهو بعد لم يُعرف ولم يلّقب بالمتنبي، فأمليت القصيدة التي أولها:
بآل محمد عرف الصواب ** وفي أبياتهم نزل الكتاب
إلى أن بلغت:
كأن سنان ذابله ضمير ** فليس عن القلوب له ذهاب
وصارمه كبيعته بخم ** مقاصدها من الخلق الرقاب
فلمحته يكتب هذين البيتين، ومنها أخذ ما أنشدتموني الآن من قوله:
كأن الهام في الهيجا عيون ** وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنة من هموم ** فما يخطرن إلاّ في فؤاد
وقد صدق أبو الحسن، فلم أُحبس لدعوى النبّوة المزعومة، إذ كان حبسي بين عامَيْ اثنين وعشرين وثلاثة وعشرين وثلاثمائة للهجرة لتهمة لفِّقت لي، ولو أننّي لم أدفع هذا الزعم، فقد كنت مستخفّا في صباي بالأنبياء ودعواهم، وأنا أستغفر الله اليوم من هذا الأمر.
لقد دوّنت بيتيه هذين لأعيد سبكهما في قصيدة اختلف عليها الناس، مدحتُ بها علي بن إبراهيم التنوخي المذكور في الشام العام التالي، مطلعها :
أحاد أم سداس في أحاد
وللناشئ شعر لا تعوزه الحكمة، فهل ألمّ بكم بديعه إذ يقول:
إني ليهجرني الصديق تجنّياً ** فأريه أن لهجره أسبابا
وأخاف إن عاتبته أغريته ** فأرى له ترك العتاب عتابا
وإذا بليت بجاهلٍ متغافلٍ ** يدعو المحال من الأمور صوابا
أوليته مني السكوت وربما ** كان السكوت عن الجواب جوابا نكبة أم المقتدر تاريخ النص: 933 ب.م
المكان : (بغداد ـ طرابلس)
بلغني وأنا مقيم في طرابلس هذا العام مقتل شغب أم المقتدر، كانت مريضة فزادها قتله مرضاً إلى مرضها، ولما استقر أمر القاهر في الخلافة وهو ابن زوجها المعتضد، وأخو ابنها المقتدر، وقد كانت حضنته حين توفيت أمه، وخلصته من ابنها لما أخذت البيعة بالخلافة له، ثم رجع ابنها إلى الخلافة، فشفعت في القاهر وأخذته إلى عندها، فكانت تكرمه وتشتري له الجواري.
فلما قتل ابنها وتولى القاهر مكانه، طلبها وهي مريضة فعاقبها عقوبة عظيمة جداً، حتى كان يعلقها برجليها ورأسها منكوس، فربما بالت فيسيل البول على وجهها، ليقررها على الأموال فلم يجد لها شيئاً سوى ثيابها ومصاغها وحليها في صناديقها. قيمة ذلك مائة ألف دينار، وثلاثون ألف دينار، وكان لها غير ذلك أملاك أمر ببيعها، وأتى بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها، فامتنع الشهود من الشهادة حتى ينظروا إليها ويحلّوها، فرفع الستر بإذن الخليفة.
فقالوا لها: أنت شغب جارية المعتضد أم جعفر المقتدر؟ فبكت بكاء طويلاً ثم قالت: نعم، فكتبوا حليتها عجوز سمراء اللون، دقيقة الجبين. وبكى الشهود وتفكروا كيف يتقلب الزمان بأهله، فقلت محدّثا نفسي:
تملّكها الآتي تملّك سالب ** وفارقها الماضي فراق سليب رجال في صناديق تاريخ النص: 940 ب.م
المكان: (طبريّة)
وفي هذه السنة قُتِل بَجْكَم، وكان قد أرسل جيشاً إِلى قتال أبي عبد الله البريدي. ثم سار من واسط في أثرهم، فأتاه الخبر بنصرة عسكره، وهرب البريدي. فقصد بجكم الرجوع إِلى واسط، وبقي يتصيد في طريقه حتى بلغ نهر جور، فسمع أن هناك أكراداً لهم مال وثروة، فشرهت عينه، وقصدهم في جماعة قليلة، وأوقع بهم، فهربوا من بين يديه، وجاء صبي من الأكراد من خلفه، وطعنه برمح فيِ خاصرته ولا يعرفه، فمات بجكم من تلك الطعنة.
ولما بلغ قتله المتقي، استولى على دار بجكم وأخذ منها أموالاً عظيمة، و أكثرها كانت مدفونة، وأتى البريدي الفرج بقتله من حيث لا يحتسب. وكانت مدة إِمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وأياماً. وكانت أمواله كثيرة، فكان يدفنها في داره وفي الصحاري، وكان يأخذ رجالاً في صناديق فيها مال إلى الصحراء، ثم يفتح عليهم فيعاونونه على دفن المال ثم يعيدهم في الصناديق ولا يدرون إلى أي موضع حملهم، فضاعت أمواله بموته.
وهو أمير الأمراء ببغداد، قبل بني بويه. كان يفهم العربية ولا يتكلم بها.
يقول: أخاف أن أخطئ والخطأ من الرئيس قبيح.
وكان ندماء الراضي قد التفوا على بجكم وهو بواسط، وكان قد ضمنها بثمانمائة ألف دينار من الخليفة، وكانوا يسامرونه كالخليفة، وكان لا يفهم أكثر ما يقولون. عاد ماء وردك بولاً تاريخ النص: 947 ب.م
المكان: (دمشق)
بلغني موت أبو بكر الصوليّ هذا العام في البصرة مستتراً لأنه روى خبراً في حق علي بن أبي طالب فطلبه الخاصة والعامة فلم يقدروا عليه. وللصوليّ مصنّفات أحفظها عن ظهر قلب كأخبار أبي تمام، وكتاب الوزراء، وكتاب الورقة، وكتاب أخبار القرامطة، وكتاب الغرر، وكتاب أخبار أبي عمرو بن العلاء. وكان فلتة من فلتات زمنه في لعب الشطرنج.
وأسوق إليكم حادثة لا تخلو من ظرف عن خبره مع الماوردي في حضرة الخليفة المكتفي:
وكان قد ذكر لي أن الصولي في بدء دخوله على المكتفي، وقد كان ذكر له تخريجه في اللعب بالشطرنج، وكان الماوردي اللاعب متقيداً عنده، متمكناً من قلبه، معجباً به للعبه، فلما لعبا جميعاً بحضرة المكتفي، حسن رأيه في الماوردي، وتقدم على نصرته، وتشجيعه، وتنبيهه، حتى أدهش ذلك الصولي في أول وهلة.
فلما اتّصل اللعب بينهما، وجمع له الصوليّ متانته وقصد قصده، غلبه غلباً لا يكاد يرد عليه شيء، وتبين حسن لعب الصولي للمكتفي فعدل عن موالاة الماوردي فقال مخاطبا إيّاه: عاد ماء وردك بولاً.