الحشيش: نفط البقاع وهيبة الدولة الضائعة

بيروت ـ من توماس بيري
نعمة الله على مزارع فقير

بالنسبة لمزارع لبناني فقير فإن نبتة الحشيش التي تنمو في أرض وادي البقاع الخصبة هي نعمة من الله وبالنسبة لبلده هي رمز لهيبة الدولة التي ضعفت بسبب الصراع السياسي بين الفرقاء المتناحرين.

ويشرح المزارع وهو ينظر الى حقل من نبتات الحشيش كيف اعتادت الحكومة اللبنانية على ارسال الجرارات الزراعية لاتلاف حصاده غالي الثمن وغير القانوني.
ولكن الجرَّارات هذه السنة لم تأت مما سمح له بحصاد أول محصول للحشيش منذ سنوات.
وقال المزارع الذي لم يكشف عن اسمه "الله سبحانه وتعالى يريد ان يعوض علينا".
وأضاف "مر 12 عاماً والمزارع وضعه يتدهور والديون تتراكم".

ولأن حكومة لبنان مشلولة بسبب الصراع السياسي وجيش لبنان كان منشغلاً بحرب مع مسلحين استغل المزارعون الفراغ الامني ليستفيدوا ويجنوا ما وصفه سكان المنطقة بأحد أفضل مواسم الحشيش منذ الحرب الاهلية في لبنان بين عامي 1975 و1990.

وخلال فوضى الحرب في الثمانينات كان لبنان هو مصدر منطقة الشرق الأوسط الرئيسي للمخدرات وكان ينتج ألف طن من الحشيش سنوياً وما بين 30 الى 50 طناً من الافيون وهو المكون الأساسي للهيروين حسب مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة.

وقال علي حمية وهو مختار قرية طاريا انه بالنسبة لمزارعي وادي البقاع كانت تلك الأيام ذهبية.
وأضاف "في ظل وجود زراعة الحشيش بطريقة عادية كانت الظروف المادية جيدة جدا والناس كانت تستطيع ان تفعل كل شيء ولم يكن هناك ضائقة اقتصادية...الآن الأشياء اختلفت".

ووضعت نهاية الحرب الأهلية واعادة هيكلة الدولة حداً لزراعة المخدرات على نطاق واسع بعد ان كان انتاج لبنان من المخدرات يصل خلال سنوات الحرب براً وبحراً للاسواق الاوروبية.
ويقول المزارعون ان الكمِّيات الصغيرة التي انتجت بعد الحرب كانت تستهلك محلياً.

ويقول مكتب الامم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة ان قوات الامن السورية واللبنانية قامت باتلاف زراعة المخدرات بين عام 1991 و1993.
ولأن المزارعين لا يجنون ثمناً يوفر لهم حياة جيدة من زراعة القمح او الشعير لجأوا لزراعة حقول صغيرة بالحشيش على أمل ألا تلفت انتباه السُّلطات.

وقال المختار "يزرعون القليل هنا وهذه السنة زرعوا بكثرة".

وشعر المزارعون بضعف الحكومة التي شلَّت قدرتها بسبب الصراع بين القوى المعارضة لسوريا والحليفة لها في وقت كان فيه الجيش منشغلاً بمحاربة مسلحين إسلاميين في شمال لبنان في معركة دموية بدأت في مايو/أيار وانتهت في سبتمبر/أيلول.

وانتهت السيطرة التي كانت تمارسها دمشق على الأمن في البلاد عام 2005 بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عقب الضغوط التي اعقبت اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الاسبق في ذلك العام.

وقال حمية "خفت هيبة الدولة في كل لبنان مع الظروف السياسية والانقسامات. كل شيء يحصل".

ويباع محصول الحشيش مباشرة لمنتجي الحشيش المحليين ويدخن مع السجائر.

وأضاف "يأتون (منتجو الحشيش) هم يقصونه ويدفعون ثمنه ويذهبون" وأشار الى أن حقلا مساحته ألف متر مربع يدر على صاحبه ألف دولار مقارنة بخمسين دولاراًُ لنفس المساحة المزروعة قمحاً.

وهذا العام زرع المزارع مساحة قليلة من الحشيش مقارنة بما كان يزرعه خلال الحرب الاهلية وقال انه قد يزرع أكثر في الموسم القادم واستطرد "سوف نراقب الوضع ونرى".
وأضاف "الحشيش لا يحتاج الى شيء هذه هي اللذة التي به. كيلوان اثنان من القنبز (البذور) يكلفان عشرة آلاف ليرة ونبتة الحشيش لا تحتاج الى الكثير من المياه وتستطيع ان تنمو بدون اسمدة وادوية اللتين تضيفان لتكلفة الزراعات الاخرى".

ويقول المزارع انه مضطر لزراعة الحشيش حتى "لا ندخل في الديون ونعود نبيع الارض لدفعها. الدولة اعطت ظهرها للمزارعين".

وتعترف وزارة الزراعة بانها لا تملك الموارد الكافية للمساعدة في الزراعات البديلة.

وقال سامر الشامي المسؤول بوزارة الزراعة "موازنة الوزارة محدودة جدا جداً، معنى ذلك ان الوزارة لا تستطيع ان تقدم لهولاء الناس اي شيء".

وأشار الى ان المشاريع التي اطلقت في أول التسعينيات التي استهدفت ايجاد بدائل لزراعة الحشيش فشلت.

وأضاف ان القوى الامنية تقوم باتلاف الحشيش هذا الموسم مثل السنين الماضية ولكن سيستمر المزارعون في زراعة النبتة طالما يجنون منها ارباحا وفيرة وطالما ليس هناك الكثير من البدائل.

واستطرد "سيظل عند الناس نظرة..عندما تتاح لي الفرصة استطيع ان التف على الدولة او ألتف على الامن سأزرع هذه الزرعة لأعوض على نفسي".