رجال الدين الجُدد: خطر حقيقي على الإسلام

يتكلمون عن الحوار الوطني والديني ليل نهار، وأسسّوا باسم الحوار دوائر ومؤسسات وصحف وفضائيات، ولكنهم لم يمأسسوا الحوار بشكله الحقيقي (الديني والعلمي والأكاديمي) فبقي مجرد لقاءات وسفرات، وموائد في فنادق فايف ستار، والتقاط صور على طريقة الفنانين الجُدد.
ويتكلمون عن الإيمان، وهم متذبذبون بإيمانهم، ويطالبون الأديان الأخرى بالحوار، وهم لم يتحاوروا فيما بينهم كمذاهب إسلامية، وأقوام عربية،بل فتحوا ويفتحون المراكز تحت شعار الثقافة، وأسّسوا الصحف والمواقع والمنتديات الإلكترونية لتتحول إلى ساحات للتنابذ وللمعارك الصحفية والإلكترونية بين المذاهب الإسلامية.
بل أسسوا ودعموا غرف للدردشة والمناقشات من أجل توسيع المعارك الطائفية، والمعارك بين أنصار هذا الشيخ وأنصار ذاك الشيخ، وأنصار الداعية فلان ضد أنصار الداعية علان، أي تحول رجال الدين والدعاة الكبار إلى رموز سياسية حالمة بمقاطعات ومشيخات ووميزانيات وسفارات وأعلام، بحيث أصبحت أسمائهم في سجلات السفارات الأميركية والغربية كضيوف في المناسبات الوطنية والدينية والسرية.
والنتيجة هي زيادة الفرقة بين المذاهب الإسلامية، وهذا يعني زيادة الفرقة بين المسلمين، والذين يُفترض بهم الوحدة لأن ربهم واحد، وقبلتهم واحدة ورسولهم واحد، وأن صلاتهم واحدة وباتجاه واحد، ولكن الوحدة لم تتوفر نتيجة غياب القادة والذين هم علماء الدين، ليحل محلهم رجال الدين الجدد أو المتقمصون ووعاظ السلاطين.
وبحقيقة الأمر إن هذه الفرقة بين المسلمين ومذاهبهم جاءت خدمة مجانية بدرجة "السوبر" يقدمها هؤلاء المسلمون مجانا إلى أعداء الإسلام، وأعداء الأمتين العربية والإسلامية. فبدلا من أن يؤسس العدو وصاحب المشروع ضد الدين الإسلامي، وضد الثقافة والحضارة العربية والإسلامية مشروعا ضخما، وبدلا من أن يصرف الأموال ويهدر الوقت من أجل تأسيس مشروعه بين المجتمعات العربية والإسلامية وجد كل شيء جاهزا وبجهود المسلمين والعرب أنفسهم، أي بمعاول المسلمين أنفسهم دُمرت معالم الحوار والتلاقي وعُبدت الطرق إلى أعداء الإسلام والعروبة، ومن خلال التناحر الطائفي والمناطقي والقطري أنفرد الأعداء بدولنا ومجتمعاتنا، والسبب كله يكمن في غياب الوعي، وانتشار التخلف والأمية، وتقصير الدولة، وانحراف المسجد والحسينية عن طريق الله والحق.
فلو تكلمنا عن الدولة، فأننا نعني الأنظمة الحاكمة فهي تتحمل مسؤولية كاملة بشرخ ذهنية الفرد العربي والمسلم، وعندما سطت هذه الأنظمة على عذرية الإسلام في ذهنية المواطن، وتحديدا عندما وضعت المرشحات - الفلاتر في طريق الإسلام الذاهب نحو قلب وضمير وفكر المواطن العربي والمسلم، وأصبحت هذه الفلاتر تعطل المعلومة والتفسير الصحيح الذي لا يلاءم سياسات الأنظمة وأمزجة الحكام.
ثم تطور الأمر من خلال زرع العسس والمخبرين في المساجد والحسينيات والتجمعات، وبهذه الطريقة دُنست عذرية المسجد ودور العبادة، والتي يُفترض هي دارا للحوار والتلاقي، وطرح الهموم، وهي طريقة مثلى ومنذ مجيء الإسلام.
ولم يكتف الحكّام بذلك، بل تطور الأمر من خلال تأسيس قاعدة وعاظ السلاطين، أي أسست تلك الأنظمة مؤسسات ومعاهد لتخريج الدعاة ورجال الدين الرسميين، والذين يدورون في فلك مؤسسات الأنظمة، وبهذه الحالة دُنس المنبر في المسجد والحسينية، ودور العبادة الأخرى، وأصبح بلا قدسية، أي أصبح بمقام الكراسي في المقاهي والمطاعم، خصوصا وأن الذي يقف عليه وهو يمثل عالم الدين ما هو إلا رجل دين أي بلباس ديني ولكنه لا يختلف عن أي موظف في مؤسسة خاصة وتابعة للنظام، وبالتالي تحول هذا الإمام أو الداعية إلى مذياع رسمي برتوش دينية. فالذي نراه ونشاهده ونلمسه الآن في المسجد والحسينية والشارع والمحلة، وفي أماكن العمل والحياة فهو ليس إسلاما حقيقيا، وبنسبة كبيرة جدا، بل هو إسفاف أي إسفاف يرتدي برقعا إسلاميا، لهذا فأن السكوت والانبطاح أمام هذا الإسفاف هو اعتداء على الإسلام، وعلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم، واعتداء على الإنسان العربي والمسلم، لأنه إصرار على تشويه وإبدال الإسلام الحقيقي بإسلام ببغاوي، أي إسلام القشور مع الإصرار على إتلاف اللب.
وكذلك فالذين نراهم الآن، وبنسبة 90% منهم ليسوا بعلماء دين، بل هم رجال دين، وهناك فرق شاسع بين عالم الدين، وهو الذي يأتيك من بيئات العلم والمعرفة والتدريب الديني، أي يأتيك بعد أن أفنى شبابه في البحث والتمحيص من أجل إيجاد المعلومة الصحيحة ليقدمها إلى الناس، وأن هؤلاء محاصرون من الأنظمة، ومن الفقر، ومن الإعلام، ومن أصحاب المخططات الدولية، وكذلك هم محاصرون من قبل رجال الدين والذين حلّوا محل علماء الدين في الوقت الحاضر.
فرجال الدين هم هواة وسطحيون، يعني ركبوا الموجة الإسلامية من خلال الأزياء، وتقليد العلماء في التحدث للناس، وفي السير في الطرقات، أي هم شرائح المتقمصين والممثلين لدور علماء الدين، وبالحقيقة هم فارغون ونستطيع أن نشبههم بإناء الماء الفخاري الكبير (الحِب ـ زير الماء البدائي) أي عندما ينتهي الماء فيه لن يعطيك شيئا بل يعطيك صوت الريح، والسبب لأنه استوعب تلك الكمية من الماء ويستحيل أن يستوعب أكثر منها، لهذا فيستحيل أن يعطيك زيادة عليها، وهذا حال رجال الدين الذين ملئوا أدمغتهم بأشياء سطحية عن الدين والفقه والتفسير، وحالما ينتهي هذا الحشو فيصاب الفرد من هؤلاء بالحيرة أمام علماء الدين، وأمام المثقفين والمفكرين، ولهذا يلجأ هؤلاء وفي أغلب الأحيان إلى تسقيط وتهميش علماء الدين، وتسقيط وتهميش من ينتقدهم أو يحرجهم في الحوار والأسئلة، خصوصا وأنهم يمتلكون تهم جاهزة، وحناجر جاهزة هي الأخرى لنشرها، وهي حناجر تكمن خلفها عقول عمياء البصيرة، لهذا فتارة يتهمون علماء الدين والمثقفين والمفكرين والمنتبهين بالانتماء للماسونية، وتارة يتهمونهم بأنهم أبناء زنا، وتارة أخرى يتهمونهم بالعمالة للمخابرات سين وصاد، أو يتهمونهم بأنهم خرجوا عن الجمع وعن المذهب والمِلّة، وهذا يعني أن من يفكّر ويُحلّل أصبح خطرا على نفسه وعائلته، لأنه خصما لهؤلاء (رجال الدين) الذين أصبحوا أكثر خطرا من أجهزة الأنظمة نفسها، ولهذا يحاصر من يناقش وينتقد ويفكر وبتهمة التفكير والتمحيص.
ونتيجة انتشار هؤلاء في الساحة العربية والإسلامية، وحتى في الساحات الأوربية والأميركية (بين الجاليات العربية والإسلامية المهاجرة) تدهور الإسلام، وتفرّق جمع المسلمين، لأن عملية جمع المفكّر مع الجامد ذهنيا والمعطّل فكريا مستحيلة، وأن عملية جمع الوسطي مع المتشدد هي الأخرى مستحيلة، وهكذا فأن من يعبد الأشخاص ويعتبرهم من المقدسات لا يمكن أن يجتمع مع الذي يعبد الله وحده، وينبذ التبجيل والتأليه للأفراد.
فالذي يضع الهالات لرجال الدين ويقدسهم، ويكون خطيرا من أجلهم هو أعمى البصيرة، لأنه عطّل فكره ورأسه وعقله، ووكّل رجال الدين المتقمصين والممثلين بأن يفكروا نيابة عنه، فأصبح تابعا ذليلا لهؤلاء المتقمصين، لهذا فلا يستوي الأعمى والبصير بالقطع، لأن المبدأ ببساطة سنة من السنن الكونية.
فالأعمى من عميت عينه، ولا يستطيع الإبصار بالنهار، فما بالك بالليل وهو كالجهال الذين في فلك الجهل يسبحون، أما البصير فهو من أنعم الله عليه بنعمة الإبصار والبصر، فيستطيع من خلال عينه رؤية الأشياء بالليل والنهار.. وهناك نوع ثالث من العمى هو عمى البصيرة، فالبصير من خلال العين، قد يكون أعمى من حيث البصيرة، وهناك من أنعم الله عليه بنعمة البصر، ولكنه فقد البصيرة ويصر على العمي المستديم والمزمن العقيم، ولقد قال الله تعالى في كتابه العزيز قولا فصلا {وما يستوي الأعمى والبصير* ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما انت بمسمع من في القبور} سورة فاطر الآيات 19-22 وكذلك ذكر الله تعالى في محكم كتابه المجيد {قل لايستوي الخبيث والطيب} الآية 100 من سورة المائدة.
ولهذا فهناك ملايين العميان بيننا، أي العميان بفقدان البصيرة، ونتيجة إصابتهم بعمى البصيرة أصبحوا أسرى لرجال الدين المتقمصين والممثلين الباحثين عن الشهرة والمجد وكمطربي الهشك بشك، ونتيجة ذلك أصبح عميان البصيرة مجرد عمال في شركات رجال الدين، عمالا مهمتهم الصلاة خلف رجل الدين المتقمصين، والهتاف باسمهم كلما طلبوا ذلك، والتمترس الدائم من أجل نظرياتهم حتى التطرف وأحيانا حتى الموت، بحيث وصل الأمر عند البعض أن يتشّفى من أمراضه بالمسح على ملابس هؤلاء الشيوخ، أو من خلال مضغ بصاقهم في كثير من المجتمعات العربية الريفية من أجل الشفاء من الأمراض.
ونتيجة ذلك أصبحت هذه الملايين من عميان البصيرة بورصة تجارية ودعائية لرجال الدين، والذين كونوا من وراء ذلك إمبراطوريات عقارية ومالية وتجارية، بل هناك من دخل المعترك السياسي، وأصبح يقود الدول والشعوب بأصوات هؤلاء العميان، فنتيجة ذلك أصبح علماء الدين ومريديهم ومعهم الذين يفكرون وينتقدون أقليّة، ومحاصرون من جميع الجهات.
ولكن الحالة الغريبة التي تولدت نتيجة هذه الدورة من الإنسلاخات والإستحالات والتقمص، هي تقمص رجل الدين لدور الرجل السياسي والقائد، وعندما وصل للمعترك السياسي مارس الدور ألإقصائي نفسه، والذي مارسه ضد علماء الدين وضد المثقفين والمنتقدين والمتحاورين معهم بالعلم والدين، فلهذا تمترسوا بآلاف عميان البصيرة، فحجّموا السياسيين الحقيقيين،وأبعدوهم عن المسرح السياسي أو حاصروهم جدا، وأخذوا مكانهم ظنا منهم بأن السياسة مجرد كلام للناس وللإعلام، وأن القيادة لا تحتاج إلا كلاما وظهورا في وسائل الإعلام.
فللأسف يعتقدها هؤلاء وعدد من الناس بأنها مهنة الفاشلين، ولكن هذه النظرية خاطئة، فالسياسي لا يختلف عن الطبيب والمهندس والضابط، لهذا هو مبدع في اختصاصه ومكانه،والسياسة هي قيادة فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية وإستراتيجية، لذا فأن الذي دماغه وفكره محدود ومحشو بشيء قليل عن السياسة سيكون كارثة على المجتمع والدولة والوطن، لأنه لن يعطي شيئا،بل سيكون معطلا لجميع الطموحات والخطط والمشاريع.
ولكن الكارثة... فعندما يرى نفسه معطلا (بفتح الطاء) ومعطلا (بكسر الطاء) فلن يلجأ إلى الخروج من اللعبة السياسية بكرامة، أو من الفريق الحكومي طوعيا، بل يرفع شعار عليّ وعلى أعدائي، والسبب لأنه لم يعرف الشفافية، ولم يمارسها بحياته كونه يأمر وعميان البصيرة ينفذون ويطيعون،وبالتالي هو ديكتاتور بلباس الدين والمجتمع والسياسة، لهذا يلجأ إلى أسلوب الإقصاء، والى أسلوب الاغتيال السياسي والاجتماعي، وحتى الاغتيال الجسدي أحيانا بحق الخصوم، لأنه لا يريد من ينافسه، بل يريد أن يكون هو القيصر، وإن كان سببا بتقسيم المجتمع والوطن، وتفتيت اللحمة الدينية والاجتماعية، وهذا ما نشاهده من رجال الدين في العراق للأسف الشديد.
ونتيجة هذا القصر بالنظر والبصيرة أصبح رجال الدين (المتقمصون والممثلون) طابورا خامسا لأصحاب المشاريع الدولية بعلمهم وبغير علمهم، وأصبحوا معولا ضد الإسلام والعروبة، وضد المجتمع والحضارة والثقافة والموروث الديني والعربي، ونتيجة هذه الخدمات أصبح هؤلاء من المدللين لدى أصحاب المشاريع الدولية الجديدة في منطقتنا لأنهم معاول جاهزة للهدم والفرقة، ولأنهم مخدر جاهز لتخدير البسطاء والمغفلين والأميين والذين أغلبهم من عميان البصيرة.
وبما أن الحرب الدائرة في العراق وأفغانستان والصومال والسودان وفلسطين ولبنان وغيرها هي حرب ضد الإسلام وضد العروبة ومهما وضعوا لها من شعارات أخرى مثل الديمقراطية والحرية والإصلاح، وضد التوحد الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي والقومي، لهذا أصبح هؤلاء صيدا ثمينا من قبل أصحاب مشاريع الحرب على الإسلام والعروبة، فدُعموا في البلدان العربية والإسلامية من خلال الدعم المادي واللوجستي والإعلامي، وهكذا دعمتهم الأنظمة في أوربا وأميركا ليقوموا في نشر الفرقة بين المذاهب الإسلامية، وبين الجاليات العربية والإسلامية بعلمهم وبغير علمهم.
ولهذا توسعت خارطة المساجد والحسينيات والمراكز الثقافية الإسلامية بشكل أفقي، وكبير في البلدان الأوربية وفي أميركا وكندا، وبدعم من دوائر وأجهزة الدول نفسها، والهدف هو إشغال المسلمين بحروبهم الداخلية، والتي يحركها الحسد والغيرة فيما بينهم،وبالتالي كثرت الشركات (المساجد والحسينيات) والتي نتج عنها زيادة في المقاولين المتأسلمين والمتقمصين وهو رجال الدين.
ولقد رآها البعض ظاهرة صحيّة، ومؤشر عن انتشار الإسلام في أوربا وأميركا وكندا، وحمد الله كثيرا، ولكن للأسف فالقضية عكس ذلك، فهو انتشار وتوسع للإسلام الذي يريدونه هم، أي الإسلام المُهجّن، والإسلام الذي فُرّغ من مقوماته الحقيقية والعظيمة،والتي هي للبشرية جمعاء أي هم يريدون الإسلام الأجوف، والهدف هو كسره متى ما قرّروا من جهة،ومن الجهة الأخرى ليكون بديلا عن الإسلام الحقيقي، وفي حالة استحالة تحقيق ذلك ستتولد المعارك بين الإسلام الأجوف والإسلام الحقيقي، وبين المتقمصون والحقيقيون، والرابح هم أصحاب المشاريع الدولية، وهم من السياسيين ورجال الدين المتشددين من ديانات أخرى، ومعهم شركات السلاح والدواء والإعلام العملاقة.
ونتيجة ما تقدم برزت على السطح "الشوفينية الدينية" في دولنا العربية والإسلامية، وهكذا بين الجاليات العربية والإسلامية في أوربا وكندا وأميركا، وهي شوفينية الملبس والطرح والفكرة والبرنامج والتوجه، ونتيجة ذلك أصبح المسجد والحسينية وبنسبة كبيرة جدا خطرا حقيقيا على النشء الجديد، وعلى المسلم والعربي.
ولكن لو قمنا بطرح لمحة إستراتيجية على السياسيين الأوربيين والأميركان والتي هي:
إنكم ترتكبون الأخطاء الإستراتيجية بسياساتكم، وفي أغلب الأحيان، أي أنتم وفي أغلب الأحيان تكونوا سببا بتأسيس مأساة شعوبكم وأوطانكم، فأنكم الآن تحاربون الإسلام والمسلمين والعرب في دولهم، وبين جالياتهم التي عندكم، والهدف هو محاصرة الإسلام حسب أدبياتكم السياسية، والتي أتحدت معها أخيرا أدبيات الفاتيكان والأدبيات الأخرى (المسيحية واليهودية المتشددتين)، والتي أفرزت طبقات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وأخيرا في أوروبا.
ومن الجانب الآخر أنكم تحاصرون جميع الحركات والأحزاب القومية في أوربا وكندا وأميركا، لأنكم تخافون من ظهور هتلر جديد، وموسوليني جديد، والسبب لأن البيئة الأوربية ملائمة جدا لظهور وبروز هتلر جديد، وأنتم تعرفون ذلك جيدا، لهذا حذرون، وترصدون الملايين إلى المنظمات الاجتماعية وغير الحكومية التي تهتم بالإنسان الأوربي، كي لا يتطرف لأن تطرفه حاضنة لظهور الهتلريون.
ولكن هل سألتم أنفسكم سؤالا واحدا:
هل أن سياساتكم القمعية والحربية والتجسسية والعنصرية على العرب والمسلمين لن يكون لها صدى ضد مجتمعاتكم الداخلية من حيث ردات الفعل والسلوك والتعامل......؟
وهل سألتم أنفسكم سؤلا وهو :
لماذا هذه الزيادة في كراهية الولايات المتحدة والغرب في العالم، والكراهية الكبيرة ضد الولايات المتحدة في أوربا؟
وهل سألتم أنفسكم لماذا أصبح المواطن الأوربي ناقما على كثير من السياسات الأوربية؟
والسبب لأنها تخدم المخططات الأميركية، وتخدم المشاريع الإسرائيلية، ولهذا انقسم الشارع الأوربي بين متعاطف مع الجاليات العربية والإسلامية، وبين ناقم ضدها.؟.
وهل درستم ظاهرة خروج الأحزاب القومية الأوربية إلى جانب العرب والمسلمين، وهكذا إلى جنب اليساريين من أقوام وأديان أخرى في التظاهرات والمناسبات القومية والدينية؟

فالسبب أنهم وجدوا أن هذه الجاليات العربية والإسلامية موجودة في أوربا، وسوف تبقى وتتوالد وتتكاثر، وسيكون لها شأنا كبيرا في السياسة الأوربية، وفي مستقبل أوربا بعد حين...... فهل سألتم أنفسكم سؤالا إستراتيجيا مفاده:
ما لفائدة التي سوف نجنيها من دعمنا إلى مشروع الإسلام الأجوف،ومحاربتنا ومحاصرتنا للإسلام الحقيقي؟
وما لفائدة من ملاحقتنا للعرب والمسلمين المثقفين والمفكرين والذين يعتزون بقومياتهم ودينهم مقابل دعمنا وتشجينا للمتقمصين والممثلين من رجال الدين وأدعياء الثقافة من المسلمين والعرب....؟
فأن دعمكم للمتقمصين من رجال الدين ولأدعياء الثقافة من العرب والمسلمين كارثة عليكم، وعلى مستقبل أجيالكم لأن هؤلاء عبارة عن برادة الحديد التي تنجذب نحو المغناطيس، فهم ينجذبون نحو الطرف القوي والقوة التي تدفع أكثر، ونحو الجهة التي توفر لهم خدمات ومكتسبات أكثر.
لذا هم "شرائح من المرتزقة" ونتيجة ذلك فأن إتحادهم سيكون سريعا وواردا مع الحركات والأحزاب القومية في أوربا، والتي تخافون من بروزها وظهورها ثانية!
لهذا.. فنحن نتوقع أنكم أسستم قاعدة لظهور أجيال من هتلر وموسوليني في أوربا، وسوف يتحدون مع رجال الدين المسلمين (المتقمصين والممثلين) ومع أدعياء الثقافة العرب والمسلمين ( الشتامون لدينهم ولعرقهم) وحينها ستكون أوطانكم وأجيالكم هي الضحية، وهكذا سيحدث في الولايات المتحدة وكندا!

فلنخاطب الأوربيين قبل الأميركان إن وصفة الإنقاذ الحقيقية هي من خلال دعم الإسلام الحقيقي، والذي هو رسالة حضارية وقيّمية لا تخيف إطلاقا،بل تجسّر الفجوات بين الأديان والشعوب والمدارس الفكرية، وننصح بأن لا تدعوا مجالا إلى السياسيين وأصحاب شركات السلاح من الانتصار عليكم من خلال زرع الخوف والرعب من الإسلام في نفوسكم، فهم يهدفون إلى تأسيس حرب باردة ضد الإسلام والمسلمين والعرب، فلا تقعوا في هذا المأزق الخطير.
فباشروا بدعم وحوار علماء الدين بدلا من رجال الدين، ومن خلال إنهاء شهر العسل مع رجال الدين (المتقمصين) ومع أدعياء الثقافة (الشتامين).
ومن خلال الحوار مع المثقفين والمفكرين العرب والمسلمين ليكونوا جسرا حقيقيا بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب.
اخرجوا من هيمنة التلفزيون ووسائل الإعلام عليكم، وتعالوا نحو جامعاتنا، ونحو مجتمعاتنا، وانظروا الحقيقة ستجدونها مجتمعات سلام وكرم ومحبة، وليست في نيتها إيذاء أحد.
وأخيرا نسأل الأوربيين سؤلا:
هل العرب والمسلمون غزوا الدنمارك وإستراليا وكندا والمانيا وبريطانيا وأميركا، وأرسلوا من أجل ذلك مئات الآلاف من الجنود، وعشرات الآلاف من المرتزقة، وأطنان القنابل والمتفجرات والطائرات والبارجات والدبابات.... أم أن هؤلاء هم الذين غزوا منطقتنا وشعوبنا، ولا زالوا فيها، ويرفضون الانسحاب؟
نرجو الإجابة.

سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي
مركز الشرق للبحوث والدراسات