سينماتون: الفيلم الارخص والاطول للمخرج الاكسل

بقلم: صلاح سرميني
ثلاثة دقائق من حياة كل واحدٍ منهم

منذ فبراير من عام 1978، وبالتوازيّ مع أعماله السينمائيّة الأخرى، يُنجز السينمائيّ الفرنسيّ الطليعيّ جيرار كوران مشروعاً غريباً، هو بورتريهاتٍ مُؤفلمّة، أسماها "سينماتون" لشخصياتٍ فنيةٍ، وثقافيةٍ معروفة، أو غير معروفة من سينمائيين، نقاد، منتجين، صحفيين، كُتّاب، فلاسفة، وفنانين تشكيليين.
جان لوك غودار، فيم فيندر، جوزيف لوزي، ساندرين بونير، جولييت بيرتو، فيليب سوللرز، فرناندو أرابال، جاك مونوري، فريدريك ميتيران، سافو، صمويل فوللر، تيري غيليام، غابرييل لازور، جان فرانسوا ليوتار،........ وآلافٍ غيرهم منحوا أنفسهم لهذه "اللعبة" السينمائيّة الطريفة.
وهنا، فإننا نتذكر على الفور الـ"13 امرأة الأكثر جمالاً، الـ13 رجلاً الأكثر جمالاً، الـ 50 فانتازيا، الـ 50 شخصيّة" لأندي وارهول الذي انجزها خلال الفترة 1964-1966، وأيضاً ساشا غيتري وأفلمته لبعض أصدقاء أبيه من الأغنياء والمشاهير.
اختار جيرار كوران التصوير بشرائط مقاس 8 مللي سوبر ألوان، بدون صوتٍ (ماعدا المجموعة الأولى، والمكوّنة من 10 شخصياتٍ، فقد تمّ إنجازها بمقاس 16 مللي أبيض، وأسود)، ويمكن الإشارة هنا، بأنّ "السينما التجريبيّة"، قد تطوّرت بدءاً من الستينيات، مع الانتشار التجاريّ لأشرطة 8 مللي سوبّر، هي الأقلّ كلفةً، والتي يمكن تحويلها معملياً إلى مقاسات 16 ، و35 مللي.
اعتمد بناء العمل على تصوير شخصٍ ما في لقطةٍ ثابتةٍ، ولفترة ثلاثة دقائق، وبعض الثواني (هو الزمن الفعليّ لعلبة شريط فيلمٍ من مقاس 8 مللي سوبر)، ويضع كل واحدٍ من هؤلاء نفسه أمام الكاميرا في الحالة التي يرغبها، يجلس كما الحال أمام كاميرا تصويرٍ فوتوغرافيّ لتسجيل لحظةٍ للذكرى، أو للحصول على صورٍ لبطاقة هويّة، وأخيراً، نفس الطقوس الفرديّة المُشابهة لدخولنا إلى "مقصورة تصويرٍ ذاتيّ/فوتوماتون"، والتحديّق في نقطةٍ معينةٍ بانتظار الومضات الضوئيّة للجهاز.
هذا يعني، بأن كلّ شخصيةٍ تواجه الكاميرا بدون تدخلٍ من طرف جيرار، وبشكلٍ عام، يُقبل هؤلاء على ممارسة هذه "اللعبة" بتلذذٍ، أو بدافعٍ من الفضول لإشباع رغبة صاحب العمل، أو الإحساس بالأهميّة من قِبَلْ الشخص المُصوّر.
يذكر جيرار: بأنّ أحد الأهداف الرئيسيّة لإنجاز عمله، هو تكوين أرشيفٍ عن الفن، وبشكلٍ خاص، عن الوسط الفنيّ، حيث الموضوع المُؤفلم يقترح لحظاتٍ حقيقيةٍ عظيمةٍ لنفسه، على الرغم من محاولة البعض إخفائها.
وقد طرأت خلال السنواتٍ الماضية، بعض التغييرات، والإضافات على هذا المشروع، كما منحته قيمةً خاصةً لم تتضح في بدايته، فأثناء إنجاز البورتريهات الأولى، كان جيرار يقول للشخص الذي يصوره:
ـ لا تفعل أيّ شيء.. أُنظر فقط باتجاه الكاميرا.
وشيئاً فشيئاً، تغير محتوى ذلك التوجيه، وأصبح:
ـ افعل ما ترغب، حرّك نفسك كما شئت، وبالطريقة التي تُناسبك.
واتسمت النتيجة بنوعٍ من "العرض المشهديّ"، وأصبحت حيويّةً، ومتجددة، أكثر حذقاً، ومهارة، وأقل ضجراً للمتفرج.
منهجيّاً، يسبق كلّ بورتريه بطاقةً تعريفيّة، تتضمن الرقم التسلسليّ للتصوير، اسم الشخص المُؤفلم، جنسيته، نشاطه الإحترافيّ، اليوم، الساعة، ومكان التصوير.
وقد اختار جيرار أن يجمع كلّ عشر بورتريهاتٍ، من أقصى بداية، إلى أقصى نهاية كل واحدٍ منها، أي أنه ترك بدايات، ونهايات شريط كل علبة، تلك التي لم تتعرّض للضوء، وبهذا تشكّلت لديه حلقاتٍ، أو فصولٍ منحها ترقيماً رومانياً.
وقد تمكّن بهذا الاختيار من تقديم مجموعةٍ واحدة (10 بورتريهات) بطول ثلاثين دقيقة، وهي الحالة الأكثر شيوعاً لعرض هذا العمل، ولكنه تخيّر أيضاً تقديم أكثر من سلسلةٍ، أو فصلٍ في عرضٍ واحدٍ، كما حدث، على سبيل المثال، بمناسبة تقديم الـ 100 بورتريه الأولى في "السينماتيك الفرنسية" خلال نهارٍ كامل ليوم 15 أكتوبر 1980، أو بمناسبة التقديم الشامل لـ 150 بورتريه في مركز جورج بومبيدو بباريس في نوفمبر 1981.
تمتلك هذه التجربة أهميةً خاصة، وليس كما يدّعي أحد النقاد، بأنّ هدف مؤلف "سينماتون" إفراغ صالة العرض من المتفرجين.
وأكثر ما يُثير الاهتمام، هو تلك الحريّة التي يمنحها جيرار للموضوع المؤفلم (الشخص الذي يصوره)، ورغبته بإشغال مساحة الصورة مكانيّا، وزمانيّاً، حيث يكتفي البعض بفعل تقطيباتٍ في الوجه، أو ردود أفعالٍ جسديّة إراديّة، أو لاإراديّة، بينما يُنجز البعض الآخر مآسٍ إيمائيةٍ حقيقيّةٍ تلخّص حالةً نفسيًة مؤقتة.
وتُظهر هذه الفكرة، العلاقة ما بين الموضوع المُؤفلم في المكان الحقيقي مع إطار، ومساحة الصورة السينمائيّة، ومن ثمّ الزمان الحقيقيّ المُؤفلم مع مثيله الفيلميّ، كنوعٍ من البحث السينمائيّ يُذكّرنا ـ بالإضافة لإنجازات أندي وارهول والأخوين لوميير ـ بتجارب مماثلة:
- جورج راي في "البقرة المُجترّة، وينابيع اللوار"/1970، و"الحب، المحتال الأكبر لكلّ العصور" /1977
- مارك بيري في "الغراب"/1974
- جان بيير بيرتران في "صور"/1974
- جان بيير ستون، وإيرين فورنيير في Dis/Cours1976إلخ.
ويمكن اعتبار "سينماتون" سيرةً ذاتيّة/يوميات، وبورتريهاتٍ لأصدقاء، بالاستناد على الأدب كمرجعٍ كما عند ستاندال، تورو، جيد، وليريس، واخرين، وذلك كحال جوزيف موردر في "صيفٍ مدريديّ" /1979، يان بوفيه في "فيلم نادر جداً لتخليد ذكرايّ"/1979، أنكلي في "بورتريه ذاتيّ بالأبيض، والأسود"/1971، وجان بيير سيتون "نارسيسو- ميتال"/1979.
وعلى الرغم من إعلان جيرار كوران عن حياده، باستخدامه لوجهة نظرٍ موضوعيّةٍ، تتحدّد بالعلاقة ما بين الكاميرا، والموضوع المُؤفلم، إلاّ أن النتيجة تتعدّى ذلك، ليصبح العمل ذاتيّاً بحتاً، وعلى مستويين، الأول: ذاتيّة جيرار نفسه، والثاني: تلك الخاصّة بكل شخصيّةٍ مُؤفلمة، ومن ثمّ التداخل الإبداعيّ ما بين المستويين.
ويمكن اعتبار "سينماتون" الفيلم الأقلّ كلفةً (تُكلف علبة شريط 8 مللي سوبر حوالي 15 يورو)، والأطول في تاريخ السينما (إذّ لن يكتمل إلاّ مع موت مؤلفه، وربما يأخذ أحدٌ آخر على عاتقه إتمامه).
والأكثر من ذلك، يمكن تندراً، اعتبار مؤلفه أكثر المخرجين كسلاً في العالم ،إذّ يختار شخصاً بالصدفة البحتة، ويكتفي بوضع الكاميرا في مواجهته على بعد مترٍ ونصف، ومن ثمّ يسترخي قليلاً، حتى ينتهي الشريط الخام في العلبة، وبعد تحميضه، يُلصقه مع ما سبقه من أشرطة.
ليس هناك من صوتٍ، ولا إضاءةٍ اصطناعيّة، إنها فقط الإضاءة الطبيعية، هذا يعني، بأن تجربةً كهذه، وعلى الرغم من أهميتها، لا تتطلب جهداً جسديّاً خارقاً، كحال ما يُبذل لإنجاز أفلامٍ أخرى.
ولعلّ ذلك يُثير سخرية البعض، ولكنّها حتماً تشدّ انتباه آخرين، فيجدون فيها قيمةً إبداعيّةً ما، إنها مهمةٌ، بسيطةٌ، وفعّالة الأثر في آن، على الرغم من إثارتها لمللٍ قاتلٍ أحياناً، ولكنها بالمقابل، تُثير مقارنةً عجيبةً فيما بينها، يمنح بعضها إحساساً بأنها طويلة زمنيّاً، وأخرى قصيرة، مع أنها تمتلك نفس الطول الزمنيّ، وهذا يعني، بأن بعض الوجوه، وما قدمته من انفعالاتٍ، وأحاسيسٍ مرئيّة، قد نفذت إلى أعماق المتفرج، فأحسّها، وتفاعل معها وجدانيّاً، بينما أثار البعض الآخر القلق، والإحساس بعدم فائدتها.
لقد تحولت الكاميرا من خلال هذا العمل/التجربة إلى آلةٍ تحدّق، تتربّص، تترصّد، تقتنص... إنفعالاتٍ، أحاسيس، فرحاً، قلقاً، أو لامبالاة.
وفي جميع الحالات، فإن إحساساً غريباً ينطبع في ذهن المتفرج، بأن "الموت" يتسكّع فوق صور هذا العمل، كحال ما كُتب يوماً عن "فن المقابر"، "فنّ أمواتيّ" مختص بتراجم الموتى.
في العام الأول، اصطدم جيرار كوران بعدم فهم الكثيرين لتجربته، وأغراضها، وبعدها تغيّرت آراء هؤلاء، وتحولوا إلى مناصرين.
يمكن إذاً، اعتبار جيرار كوران واحداً من سينمائييّ "الموجة الأخيرة"، بالاعتماد على ما أسماه هنري لانغلوا بـ "الموجة الانطباعيّة في السينما"، مع سينمائيّين مثل ديلوك، وأبستاين وأفلامهم المُنجزة بناءً على صفحتيّ سيناريو، أساس ما عُرف يوماً بـ "الكاميرا/قلم".
وأيضاً، التأكيد بأنّ "سينماتون" خطوة مختلفة جذريّاً عمّا سبقها، ووثيقة استثنائيّة عن أهل الفكر، والفن.
يقول جيرار كوران:
ـ يعتبر هذا العمل بمثابة يومياتٍ مؤفلمة، لأناسٍ يحيطون بي، أصدقاء، أو غير ذلك، بغرض الاحتفاظ بصورةٍ ، أو بالأحرى ثلاثة آلاف صورة، ولمدة ثلاثة دقائق من حياة كل واحدٍ منهم، ولنقل من حياة وجهٍ ما.
كان ُيمكن لـ(سينماتون) أن يكون أفضل من ذلك، فيما لو تمّ تصويره بأشرطةٍ من مقاس 35 مللي، حيث تعتمد المادة الفيلميّة أساساً على لقطاتٍ لوجوه، وتبعاً لذلك، كان بالإمكان الحصول على صورٍ أكثر تحديداً، ووضوحاً.
إن تقادم "سينماتون" زمنياً يخدمني، وسوف يكتسب أهميةً أكثر خلال عشر سنوات، أو عشرين، عندما يصبح العمل معروفاً عند الجميع، فتتأكّد متانة التجربة، وأهميتها، ومع مرور الوقت، سوف يتقدم العمل، ويتطوّر حتماً، ولا أفكر حاليّاً بالتوقف عن إنجاز بورتريهاتٍ أخرى، وآمل الاستمرار في تكوين هذا الأرشيف السينمائيّ، طالما بقيت على قيد الحياة...

* من السينمائيين، والفنانين العرب الذين ظهروا في "سينماتون":
عبدو عشوبة، محمد بو عماري، مرزاق علواش، يوسف شاهين، مولود ميمون، صلاح أبو سيف، مصطفى جاجة، فيتوري بلهيبة، ميّ مصري، جان شمعون، ياسمين خلاّط، محمود زيموري، ميشيل خليفي، عكاشة تويتا، كريم علاّوي، يوسف فرنسيس، أسامة محمد، محمد شويخ، محمد هوندو، علي عقيقة، صلاح سرميني.

*عُرض "سينماتون" جزئيّا، أو بكامله في:
فرنسا، سويسرا، ألمانيا، اليونان، كندا، الولايات المتحدة، بلجيكا، فنزويلا، إيطاليا، النمسا، اليابان، إسبانيا، البرتغال، إنكلترة، هولنده، الدانمارك، يوغوسلافيا، تايلاند، لوكسمبورغ، أوكرانيا، البوسنة.

* سينماتونيات
ُولد جيرار كوران في مدينة ليّون بفرنسا.
في الرابع من شهر ديسمبر، نفس يوم ولادة ماريا كالاس، وجيرار فيليب، يومٌ واحدٌ فقط بعد ولادة جان لوك غودار، من عام 1951، عام "أوروبا 51" لروبرتو روسّوليني، "البيت في الظل" لنك راي، "ماكاو" لجوزيف فون ستيرنبرغ.
يعيش في باريس منذ عام 1967، المدينة التي يعتبرها أكثر استوديوهات السينما جمالاً في العالم.
مؤلف كتابٍ عن السينمائّي - الشاعر فيرنير شروتر/1982، وآخر عن فيليب غاريل/1983
ممثل/إكسسوار (ممثل هامشيّ) في أفلامٍ لمخرجين مثل: موكي، أوسانغ، هانون، موردر، رومير، جانا بوكوفا، واخرين.
أُنتخب في عام 1980 كرئيسٍ ثانٍ (ولمدى الحياة) لأكاديمية "مورلوك".
مؤلف، ومخرج أفلامٍ تُعتبر الأرخص، والأكثر طولاً في تاريخ السينما، بالاستعانة بعناصر بشريّة تمثيليّة، تُعتبر الأكثر أهميةً في تاريخ الفن، والسينما بشكلٍ خاص، ونقصد بهذا فيلم "سينماتون".
خصوصية أخرى: يُصور منذ عام 1980، التظاهرة الاحتفاليّة السنويّة الخاصة بإعادة تجسيد آلام المسيح في قرية بورزيه في الأرديش/جنوب فرنسا
يحاول أن يحقّق ثلاث طموحات في حياته:
- أن يكون سينمائيّاً محترفاً (أكثر من هوليوودي).
- أن لا يفعل شيئاً على الإطلاق، إذا لم يتمكن من وصول هدفه هذا.
- أن يظلّ باقٍ على قيد الحياة، حتى يحقق هدفه، ثم يموت. صلاح سرميني – باريس