كوشنير وازدواجية مفهوم الوطن العراقي

تمتاز أغلب الشعوب والدول و بجميع أشكالها القديمة الاصيلة، والحديثة المصطنعة بخواص عدة ومختلفة، قد تختلف في نواح وتلتقي في أخرى، ولكل منها خصوصيات فرضتها عمق وقدم العوامل التاريخية التي بناءها الانسان في هذه المجتمعات ومدى ترسخ فكرة التشابه في المبدأ والهدف التي هي نقطة تلاقي الماضي بالمستقبل والمصير. والعراق الوطن عندما يأخذ اسمه من مسماه، وهو الذي لم ينحصر في بلد او مدينة او قرية، و لم يأخذ لهجة أهل المدينة أو القرية الفلانية وسماتها وأعرافها الاجتماعية، وهذا أهم ما يفرق الوطن الاصيل عن الوطن المصطنع.
ان حقيقة احداث العراق وأصالتها الحضارية الذي يعود في جذوره الى قرون طويلة قبل الإسلام، من بابل واشور حتى بغداد قد أعطت المعنى المتكامل والصحيح في مفهوم الصورة التي تُمثلها كلمه الوطن، في حين ان الوطن الحديث أن صح تسميته بهذا الشكل كان قد أخذ طريقه الى الوجود في القرون الأخيرة عندما بدأ الانسان من التنقل بسهولة في أرجاء المعمورة بعد أن شهدت المجتمعات اختلاط الأقوام وتلاقح الثقافات والتزاوج بين الموروث الشعبي لكل أمة ومن ثم بروز أمم جديدة شاءت الاقدار من أن تكون هي المسيطرة والمهيمنة على باقي الأمم.
من هذا المفهوم أصبح من الطبيعي من أن يكون العراقي وهو الذي بنى هذا المجتمع وتواصل مع ارث الماضي من أن يتساءل عن سبب هذا التعمد والالحاح في تجزئتنا كشعب وتاريخ من قبل الذين بنوا ووحدوا مجتمعاتهم الموزائيكية المشكلة بفضل التجربة العراقية التي بناءها الانسان في ارض بلاد الرافدين اذا ما اعتبرنا بان بروز المجتمع المتحضر وظهور الدولة بل حتى كلمة المجتمع هي من تحصيل خاص بمجتمعنا القديم. كيف يتجرؤون بالكلام عن اختلاف العراقيين الذين ذكر التاريخ وحدتهم وهم الخليط والتكوين الجديد لعالمنا الحالي؟ لماذا تُفسر الحاله العراقية من جانب احادي طائفي او ديني ولا يؤخذ الشعب العراقي كشعب قديم وعريق وتاريخ واحد؟ كيف ولماذا يتكلم الغرب عن مظلومية جزئية لشعب ويتناسى الحروب والمجازر التي عملها الاستعمار في فيتنام والجزائر؟ أين كانت السيدة اولبرايت من حصار الثلاثة عشر سنة في العراق وقبولها في أن يموت العراقيين بسببه وهو الثمن الذي أرادته أن يدفع من أجل ما نراه ألان؟ أين كان السيد كوشنير عندما دقت طبول الحرب من أجل احتلال العراق وقتل وتشريد الملايين من شعبه، ولماذا هذا التباكي على كرد العراق وهم ليسوا الا جزءا من الضحية الكبرى التي تُسمى شعب العراق من شماله الى جنوبه في الوقت الذي يتناسى أهات ومشاكل كرد إيران وتركيا.

الجزء والكل في قراءه برنارد كوشنير لمفهوم وطن العراق

لماذا هذا التفضيل للجزء وترك الكُل. أليس من باب العقل والمنطق من أن يكون الانسان عادلا في مقاييسه ليصدقه الناس؟ كيف يريد من أن يساهم ويُُمثل الصوت الفرنسي المستقل وهو ذلك الاطلسي الذي صفق وما يزال يصفق لـ أمريكا وامبراطوريتها المتهورة؟ كيف نفهم تصريحاته الاخيرة التي أطلق من خلالها كلمات الحرب ضد ايران متناسيا بأن الشعب الايراني سيكون الضحية وليس النظام الايراني المتسلط على رقاب الايرانيين. وأخيرا لماذا لم يتكلم السيد كوشنير عن مظلومية العرب الاحوازيين والاكراد الايرانيين في الوقت الذي لم يترك الفرص لإعلان وأظهار الوضع المأساوي لجزء من شعب العراق.
لقد تناسى الوزير كوشنير كل ما دونه التاريخ وشهدته ألإحداث: حيث ان خلافا للاكراد العراقيين الذين منحوا وتمتعوا بالحكم الذاتي، كانت ايران ومنذ عهد الشاه ولحد الآن قد رفضت من إعطاء حقوق الاكراد في إيران. وبالرغم من قيام النظام الاسلامي ومشاركة الكرد في الانقلاب ضد الشاه طلبا لبعض الامتيازات وعلى غرار الحكم الذاتي في العراق وهو ما رفضته السلطات الإيرانية بالمطلق، ومنعتهم من المشاركة في كتابة دستور الجمهورية الناشئة، واعتبرت أن الطابع الديني للجمهورية الإسلامية الإيرانية كفيل بتحقيق ما تصبو إليه القوميات الأخرى. وقد تعرض كرد إيران لاضطهاد منظم من السلطات الإيرانية، وأنه حُظر عليهم تعلم اللغة الكردية في المدارس، وواجهوا تقييدات في نشر الأدب الكردي وأن ما يصدر من منشورات كردية يصدر بإشراف المخابرات، كما يقول الكرد أن هناك تمييزا ضدهم في فرص العمل والقبول في الجامعات، وأن من يشغل المناصب العليا في المناطق الكردية هم من غير الكرد، وأن مناطقهم هي الأقل من حيث التنمية والتأهيل والأعلى من حيث البطالة، وأن الكردي مهمش بشكل كبير ولا يسمح له بالتعبير السياسي الحر عن نفسه، حيث تقوم السلطات بإعاقة تشكيل الأحزاب الكردية. هذا من الجانب السياسي أما الجانب الديني فقد همش دستور الدولة الذي يتخذ من المذهب الشيعي مذهبا رسميا له، مما يعني حرمان بقية الأديان والطوائف ومن بينهم الكرد الذين معظمهم هم من الطائفة السنية حقوقهم السياسية، بوصفهم المذهبي إضافة إلى وصفهم العرقي.

سياسة فرنسا الديغولية ضد أطلسية كوشنير

ان المتتبع لمواقف وتصريحات السيد كوشنير لا يجد أي صعوبة في فهم الخط السياسي الاطلسي القريب من الولايات المتحدة الاميركية وبالرغم من رفضه للاتهام الذي يقول بأنه قد أيد الحرب على العراق في عام 2003 وهذا بذاته ليس باتهام لأن مواقف السيد كوشنير الاطلسية وتقاربها من الولايات المتحدة في قضية العراق واضحة ولو حاول إخفاءها في الوقت الحاضر كونها مطلب مهم لمنصبة الجديد وما جاء منه من ارتباطات سياسية للدور الفرنسي في المنطقة. وبالرغم من هذا النية للظهور الموضوعي لا يستطيع الوزير الفرنسي من اخفاء ما في خلده من تقارب وقبول للسياسة الاميركية في الشرق الأوسط والعراق. أن تصريحات كوشنير امام آر تي ال ولوفيغارو وسي آي ان كانت مطابقة لتصريحات الرئيس الأميركي حين دعا بعدم المطالبة برحيل القوات الاميركية بل حتى أنه طلب ببقائهم لتأهيل الجيش والشرطة الموالية لحكومة عراق ما بعد الاحتلال، في الوقت الذي شدد الرئيس الفرنسي الجديد على ضرورة جدولة الانسحاب الاميركي من العراق وذلك من خلال المقابلة التي جرت مع الهيئات الدبلوماسية المعتمدة في باريس.
الخلاصة من كل هذا هو أن بكاء ونحيب الدكتور الانساني السيد برنارد كوشنير صاحب نظرية التدخل في الدول (بحجج انسانية) على جزء من العراقيين هو ليس من باب الانسانية بل ضرورة قصوى تتلاقى في الاهداف النهائية مع واشنطن خصوصا وأن الادارة الاميركية قد صممت باحتلال العراق والبدء بتقسيمه ولكن لسوء حظ الطبيب كوشنير فقد انكشفت الكذبة الاميركية الأولى بعدم وجود اسلحة الدمار الشامل وبطلان الكذبة الثانية والمتعلقة "بدمقرطة العراق وشعبه". ان التهديدات الاخيرة والتصريحات النارية ضد إيران قد خلت من عنصر التدخل الانساني الذي أشتهر به في العراق وبالرغم من اضطهاد النظام الاسلامي للأقليات بكردها وعربها. لقد تكلم الوزير الفرنسي عن ايران كدولة ونظام ولم يكن لطابع كلامه اي فكرة ازدواجية لمفهوم الوطن الايراني مما يُُثير الشكوك من المفهوم الثاني لمفهوم الوطن للعراق الذي يحمله في أفكاره. ان من يريد ان يساعد العراق للخروج من محنته وجب عليه مساعدته كوطن وشعب وتاريخ واحد وليس كأوطان كرد وعرب واطياف، وسيكون هذا بالتأكيد عنصر فشله المحتمل في ما يصبو اليه من فهمه لمستقبل المنطقه بصوره عامة والعراق بصورة خاصة ناهيك عن أهمية مفهوم الوطن العراقي الواحد العزيز على شعبه ونخبته الوطنية وهو بمثابة الخط الاحمر الغير قابل للتجاوز عليه والتفريط به. أمير المفرجي