التسول يشيد الفلل في الأردن

عمان - من سهير جرادات
إحدى فلل المتسولين في عمان

تظهر الصورة المرفقة في هذا التقرير "فيلا" شيدت في احدى ضواحي عمان من اموال التسول بحسب قول مدير برنامج مكافحة التسول في وزارة التنمية الاجتماعية خالد الرواشدة، بعد ان استجدى اربعة اشخاص عطف المواطنين وشفقتهم على ما ابتلى الله بعضهم به من اعاقة جسدية.
واستغل والدهم (ابو شحادة) وفقا لما ذكره مدير البرنامج الاموال التي كان اولاده يجمعونها في بناء منزلين لزوجتيه وشراء السيارات الفارهة والعقارات.
بلغ مجموع ما يجمعه شحادة (19 عاما) واخوته الثلاثة يوميا اكثر من مائة دينار بعد دفع اجرة الاحداث الذين يستأجرهم الاب لتولي مسؤولية نقل شحادة المصاب بشلل في اطرافه السفلية من مكان الى اخر بواسطة التاكسي.
وقال الرواشدة "في ظل تزايد ظاهرة التسول واتساع دائرة تاثيرها وانعكاسها على المجتمع بصورة سيئة نظم برنامج مكافحة التسول بوزارة التنمية الاجتماعية بالتعاون مع الحكام الاداريين والامن العام وبتمويل من امانة عمان الكبرى حملة للقضاء على التسول بدات في شهر تموز (يوليو) الماضي وتستمر حتى نهاية شهر تشرين الاول (نوفمبر) المقبل".
وقال ايضا "منذ بداية الحملة القي القبض على 515 متسولا، بلغ عدد الخطرين منهم مائة من المكررين حيث تم ادخال 11 حالة في دور المسنين بصورة دائمة و13 حالة في مراكز الاعاقات بصورة دائمة ووضع 35 حالة في مراكز رعاية المتسولين بشكل دائم وايقاف 31 حدثا في مراكز الحماية والرعاية لحين بلوغهم سن الرشد او تحسن ظروفهم الاجتماعية اضافة الى فرض الاقامة الجبرية على 10 حالات بالتنسيق مع الحكام الاداريين".

التسول مهنة غير مشروعة

اوضح الدكتور احمد العوايشة مدير المركز الثقافي الاسلامي بالجامعة الاردنية ان التسول مهنة غير مشروعة ومحرمة كونها تقوم على سلب وكسب للمال بطريقة غير موافقة للشريعة الاسلامية مشيرا الى ان غالبية المتسولين اغنياء ويستجدون الاموال بالكذب والاحتيال والنصب وادعاء الفقر والمرض، وقد يكون بعضهم مستأجرا للجهات التي تحتضن التسول مقابل نسبة معينة من المال وقد يستغل هؤلاء في الجرائم الامنية والاخلاقية خاصة الاطفال والنساء.
واكد ان كل من يعطي المتسول مالا يكون ممن يعين على الاثم والعدوان مخالفا لقول سبحانه وتعالى "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان".
وحول ما يعتقده البعض بانه لا يجوز صد السائل اوضح ان قوله تعالى "واما السائل فلا تنهر" لا ينطبق على المتكسبين من المتسولين انما ينطبق على الذي يسأل للحاجة وليس للتكسب.

قصص أبطالها متسولون

العازب حسن(45 عاما) يذكره من مر باشارة شارع الجامعة الاردنية حيث كان يتسول بطريقة تخدش الحياء، إذ يبصق على المارة ويشتمهم في حال رفضهم اعطاءه المال ووصل الامر به في احدى المرات ان كسر زجاج احدى السيارات.
والدته المسنة استغلت المبالغ التي كان يجمعها حسن من التسول والتي تصل الى 150 دينارا يوميا في شراء المصاغ الذهبي الذي قدرت قيمته بعشرة الاف دينار.
وتتقاضى اسرة حسن معونة شهرية مقدارها 95 دينارا شهريا عنه وعن شقيقه لاعاقتيهما العقلية اضافة الى معونة شهرية يتقاضاها والدا حسن تبلغ 45 دينارا.
واوضح الرواشدة انه ولحل مشكلة حسن وشقيقه تم ايداعهما بصورة دائمة في احد مراكز رعاية المعوقين التابعة للوزارة.

متسولون يحصلون على معونة حكومية

وقال الرواشدة "بلغ عدد المتسولين الذين يتقاضون معونة وطنية 125 متسولا من مجموع 515 متسولا ممن القي القبض عليهم خلال حملة برنامج مكافحة التسول".

وتصرف الحكومة 33 دينارا معونة شهرية للفرد الواحد وتصل المعونة الشهرية التي تصرف للعائلة الواحدة الى 165 دينارا بحسب مدير صندوق المعونة الوطنية الدكتور محمود الكفاوين.

التسول طريق للانحراف راضي (60 عاما) غير متزوج ومتسول مكرر للتسول ضبط عدة مرات وصنف من بين اخطر عشرة متسولين. مصاب بشلل في اطرافه العلوية. وصرف ما جمعه من التسول خلال خمسة وعشرين عاما على متعته وملذاته، وكان متوسط ما يجمعه يوميا حوالي 60 دينارا وتتضاعف في الاعياد والمناسبات.
" ولحل مشكلته نهائيا تم ايداعه بصورة دائمة في احد مراكز الاعاقة التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية" في احدى المحافظات بحسب قول الرواشدة.

متسولون يستأجرون "بودي غارد" يستأجر ابو صلاح اربعة من الاحداث من اصحاب السوابق كحراس شخصيين ليقدموا الحماية اللازمة لابنه (15 عاما) وابنتيه (12 و14 عاما) ولتهريبهم عند حضور دوريات الامن العام او حملات التنمية الاجتماعية للقضاء على التسول، ويبدد ابو صلاح ما يجمعه أبناؤه من اموال والتي تتجاوز المائة دينار يوميا بعد خصم اجور "البدي غارد" في شراء الكحول.
من جانبه، قال الرواشدة "تم ايداع الاطفال الثلاثة في احد مراكز رعاية الاحداث لمدة عام قابلة للتجديد في حال عدم اصلاحهم ".
وبراء (17 عاما) كانت تتسول واشقاؤها الثلاثة عند اشارة ضوئية غرب عمان بدخل يومي يتجاوز الخمسين دينارا، وكانت تبدل ملابسها امام "البدي جارد" الذين يتولون حمايتها من دوريات الوزارة والشرطة.
وقال الرواشدة "تم ايداع براء واشقائها الثلاثة في احد مراكز اصلاح الاحداث الى ان تصلح حال الاسرة الى جانب فرض عقوبة على الاب".

متسول دخله الشهري الف دينار ضبطت الحملة الارمل ابو خالد وبحوزته 90 دينارا وايصالات ايداع في البنوك تجاوزت الالف دينار خلال شهر واحد.
وفي هذا السياق قال الرواشدة "وبالتعاون مع الحكام الاداريين تم لاول مرة فرض غرامات مالية كبيرة على المتسولين والبالغ عددهم 415 متسولا تراوحت بين خمسمائة و الف دينار رسوم كفالات عدلية حيث تصل قيمة الكفالة العدلية الى 50 الف دينار واخذ تعهدات وكفالات مالية وعدلية عليهم وعلى اولياء امورهم".

الامن العام يرافق حملات مكافحة التسول اكد الناطق الاعلامي لمديرية الامن العام الرائد بشير الدعجة ان مرافقة قوات الامن العام لحملات مكافحة التسول هي لغايات توفير الحماية الامنية لهم فقط.

مطالبة بتعديل التشريعات طالب الرواشدة بتعديل المادة 389 من قانون العقوبات الاردني لعام 1969 لتتناسب وخطورة واقع ظاهرة التسول وما ينجم عنها من تاثيرات في المجتمع. كما طالب بفرض عقوبة على اسر المتسولين من الاحداث التي اجازت المادة 31 من قانون الاحداث رقم 24 لعام 1968 وتعديلاته ايداع المتسولين من الاحداث في مراكز الحماية والرعاية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية.
وبين ان التسول اصبح مهنة مرتبطة بالجريمة والعنف والكسب السريع مطالبا بتنفيذ عقوبة الحبس في السجون وليس في مؤسسات التنمية الاجتماعية وعدم استبدال الحبس بالغرامة حيث ان الحكم يصدر من اسبوع الى أسبوعين ويستبدل بغرامة مالية تتراوح قيمتها بين 14 و 28 دينارا بواقع دينارين عن كل يوم. ولا يجد المتسول مشكلة في دفع الغرامات.

التسول والجريمة
وقال الرواشدة ايضا "ان المتسول اخطر من السارق، حيث ان السارق يسرق وهو خائف بينما المتسول يسرق كل يوم بكل جرأة ودون خوف وهو يضحك.. واخذ التسول اشكالا خطيرة كونه يدر دخلا كبيرا على المتسول".
واضاف "وتبدو خطورة المتسول واضحة عند منعه من التسول من قبل اي جهة حكومية لانه يتحول الى مجرم حيث انه يريد ان يحصل على المال باي وسيلة غير مكترث بايذاء الجهة التي حاربته او ان يتحول الى الاتجار بالحبوب المخدرة والقمار والدعارة".
وأكد الرواشدة انه تم العثور على خلايا توظف المتسولين وتنقلهم بالباصات لتوزيعهم على الاشارات والتجمعات التجارية بحجة بيع المداليات او الورود او ادوات التجميل وملطفات الهواء.. مشيرا الى ان بعض الشباب وبحكم "الخاوة" (الإتاوة) يقومون بتوزيع المتسولين من الاطفال والنساء على الاماكن ليستولوا على الجزء الاكبر من الاموال التي يجمعونها بحجة توفير الحماية لهم.
واوضح الرواشدة "ان من اكثر نقاط الخلاف مع وزارة الصحة والتي تواجه الحملة هي كيفية التعامل مع المعاقين عقليا ومتقمصي الشخصيات حيث نجد انه اصبح من الصعب السيطرة عليهم بعد ان فقدوا الاهتمام بانفسهم ونظافة اجسادهم واصبحوا يعيشون على القمامة والحاويات وينامون في الشوارع، حيث ترى وزارة الصحة ان وضعهم في اماكن مغلقة يعيق علاجهم ويزيد حالتهم سوءا" وطالب بتطبيق مفهوم التشرد عليهم ليتسنى وضعهم في مراكز الرعاية والحماية.
وقال ان "90 بالمائة من المتسولين موجودون في العاصمة لما تشهده من حركة نشطة ووجود اماكن سياحية والتعرف على المتسول ليس بالامر السهل بعكس المحافظات التي تمتاز بالمجتمع الضيق والتكافل الاجتماعي".

رأي علم الاجتماع

بينت الدراسات التي اجريت على المتسولين بحسب ما ذكره استاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور حسين الخزاعي ان الكثير منهم ليسوا بحاجة الى التسول وانما هي مهنة يعتاشون منها وهي مهنة الاستجداء وبخاصة في بعض المواسم " مثل الصيف والحج وشهر رمضان وموسم افتتاح المدارس والاعياد الدينية".
وقال ان "الدراسات اشارت الى ان كثيرا من المتسولين يتقاضون مساعدة من صندوق المعونة الوطنية ويستجدون من الدولة والمواطن والغريب ويعطون صورة غير سليمة عن البلد".
واضاف "ان المتسولين يستسهلون مهنة التسول كونها غير متعبة وكسبها سريع وتحتاج فقط الى دهاء في كيفية استغفال المواطن واستمالة عواطفه" منبها الى خطورة تنامي ظاهرة التسول بين الاناث اللواتي يثرن الشفقة اكثر من الذكور اضافة الى ما قد يندرج وراءها من قضايا اخلاقية. (بترا)