الحاسة السادسة

قصة: زياد العيساوي
أعجزت أنْ أشعر بما شعرت به الخيول؟

صهلت الخيول المحتجزة بداخل الإسطبل، فهرع إليها مالك المزرعة بصُحبة أبنائه والعاملين فيها.. ما الخطب؟ (تكررت بعدد ألسنتهم).
أجاب عارفهم: لعلها قد سمعت عواء ذئب قريب، ينتهز غفلةً منّا كي ينقضَّ عليها.
فقسّموا أنفسهم إلى عدة فرق ومشطوا هكتارات المزرعة وكل المزارع المحاذية لها، شبراً شبراً، بل أنهم توغلوا حتى في أدغال الغابة المرتفعة على سطح الجبل، وهم يحملون على أكتافهم البنادق ذات السبطانة بفوهتين، ولكنْ ما من عيارٍ ناريّ صائب، ولا طائش أُطلق منها.
فعادوا وكلهم أمل في أن يجدوها وقد هدّأت من روعها، ولكن كل ما وجدوه هو دوياً متبقياً لنباح الكلب المُنهزِم، الذي أوكلوا إليه بمهمة الحراسة في غيابهم مقابل عظمتين شهيتين، والخيول مازالت على حالها.
صاح عارفهم: لا تهولوا الأمر، فعسى أنْ تكون جائعة، ليس إلا، فقد بذلت اليوم جُهداً لا بأس به، بين عدوٍ وركض.
ألقوا إليها بالطعام، وكلما ألقوا بالمزيد منه، ازداد صهيلها.
أمرهم بعد ذلك بجلدها بالسياط والعصي المرنة، فما عساه أنْ يفعل غير ذلك مع هذه الخيول المارقة؟
فلم يُكذبْ أتباعه خبراً، وشرعوا في التنفيذ، والخيول ترفس من وطأة السياط، غير أنّ قيودها المُحكَمة منعتها من اللوذ بالفرار، بعكس الحمائم التي فرّت بريشها.
قال مالك المزرعة، وهوّ العارف: دعوها لحال سبيلها الآن.
ـ ماذا ؟ هل نفكُّ أسرها؟
ـ لا .. أيها الحمقى، فسوف تهرب. هيا عودوا إلى مخادعكم، أما أنتما، فأبقيا حيث أنتما للحراسة، فأنني اشتم رائحة ذئب مختبئ في رُكن ما من المزرعة، فاحذرا غدره، وأطلقا النيران وبكثافة على كل عينين تبدوان لكما تلمعان من وراء الأشجار، وعلى كل من تسول له نفسه المساس بممتلكاتي، والويل كل الويل لكما، إن تقاعستما، فسوف أُلحقُ بكما ضرراً شديداً.
سكن الليل، وهدأ الجو هدوءً قصيراً، سبق إعصاراً ضرب المزرعة، فجعل عاليها سافلها، وغمرت مياهه طينها ويابسها، وإذا بالسيل يجرف كل من فيها، وعلى رأسهم مالكها وهو يطلب الغوث قائلاً: ويح نفسي أعجزت أنْ أشعر بما شعرت به الخيول؟ زياد العيساوي ـ ليبيا Ziad_z_73@yahoo.com