الأزمة السياسية تشل الإعلام الفلسطيني

بينما تشكو إسرائيل من أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد "خطفته" الدول العربية وحلفاؤها لأن "كل" القرارات التي أصدرها المجلس في العام الماضي قد أدانت الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان، وبينما أصدرت محكمة فرنسية خلال الأسبوع الماضي حكما يؤكد ارتكاب دولة الاحتلال لجريمة قتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة في غزة قبل سبع سنوات، يجد الإعلام الفلسطيني نفسه في تقاطع نيران الأزمة السياسية بين حركتي حماس وفتح، منشغلا معهما في التركيز على تقاريرهما المتبادلة حول انتهاك كل منهما لحرية التعبير والصحافة، مما يسلط أضواء الإعلام بعيدا عن انتهاكات قوات الاحتلال لحقوق الإنسان الفلسطيني التي كان آخرها إعلان قطاع غزة "كيانا معاديا" يوم الأربعاء الماضي، وهو الإعلان الذي حذر أمين عام الأمم المتحدة بان كي-مون بأنه يتعارض مع قوانين حقوق الإنسان الدولية بينما أدانه الرئيس الفلسطيني محمود عباس باعتباره "عقوبة جماعية.
ومن يطلع على التقارير التي ينشرها كل من طرفي الأزمة الفلسطينية الداخلية المستحكمة عن تفاصيل انتهاكات كل منهما للحريات الصحفية وحقوق الصحفيين ثم يرجع إلى تقارير المنظمات الوطنية والعالمية المعنية بهذه الحريات والحقوق التي يستشهد بها ويقتبس منها كل من الطرفين يدرك بسرعة مدى الانعكاس السلبي للأزمة على الإعلام الفلسطيني وكيف غطى التركيز على الانتهاكات الفلسطينية المتبادلة على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي.
فعلى سبيل المثال من يتذكر الآن، في خضم الانتهاكات الخطيرة لحرية الإعلام والتعبير، شريط رويترز الذي سجل جريمة الاحتلال وجنوده يطلقون النار مرتين على الجسد الجريح للمصور الصحفي عماد غانم في قطاع غزة، باعتباره "هدفا مشروعا"، وعلى سيارة الإسعاف حتى لا تنقذ حياته في الخامس من تموز/يوليو الماضي، وهو الذي كان يقود المظاهرات المطالبة بالإفراج عن الصحفي البريطاني ألان جونستون، هذه الجريمة التي أدانها إتحاد الصحفيين العالمي باعتبارها "مثالا آثما ووحشيا لاستهداف مقصود لأحد الصحفيين"؟! أو من يتذكر الاختراق الذي حققه الإعلام الفلسطيني في أوساط الرأي العام العالمي قبل سبع سنين عندما تمكن المصور الصحفي الفلسطيني طلال أبو رحمة، الذي يعمل مع قناة فرانس 2 الفرنسية، من تصوير فيلم مدته 27 دقيقة بثته كل قنوات التلفاز في العالم عن استشهاد الطفل محمد الدرة برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي دون أن يتمكن حضن أبيه من حمايته؟
وقد لخص المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الصحفية "مدى" وضع الإعلام في شهر آب/أغسطس الماضي كما يلي: "لقد شهد الشهر الماضي المزيد من انتهاك الحريات الإعلامية في الأراضي الفلسطينية من قبل القوة التنفيذية (التابعة لحماس في قطاع غزة) بشكل خاص , وأجهزة الأمن الفلسطينية (التابعة لسلطة الحكم الذاتي بقيادة فتح في الضفة الغربية)، بالإضافة إلى قوات الاحتلال الإسرائيلي، كما لم يطرأ أي تغير على وضع وسائل الإعلام التي أغلقت من قبل الطرفين، أو منعت من التوزيع، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة". وكان المركز في 14 تموز/يوليو الماضي قد وصف الانتهاكات التي وقعت في شهر حزيران/يونيو السابق بأنه "مجزرة بحق الإعلام الفلسطيني على أيدي فلسطينية... وأيدي مجموعات فلسطينية مسلحة، تمثلت في اقتحام وإحراق مؤسسات إعلامية ونهب وتدمير معداتها، ومنع من البث وطباعة وتوزيع صحف، واعتقال صحفيين وتهديدهم وإطلاق النار عليهم".
وانعكس كل ذلك وغيره على الأداء الإعلامي، حيث قاد إلى "مساس خطير بحرية الرأي والتعبير" و"أصبح الصحفيون الفلسطينيون يخشون من تغطية الأحداث وتداول المعلومات ونشرها وفقا للمعايير المهنية" مما قاد أيضا إلى "تعزز الرقابة الذاتية لدى الصحفيين ووسائل الإعلام المستقلة" و"غياب الموضوعية" لتظل "قليلة هي وسائل الإعلام المحلية التي حافظت على الحياد"، كما أضاف مركز "مدى".
في العاشر من الشهر الجاري سلط الأضواء عالميا على الوضع المتردي للإعلام الفلسطيني تقرير نشرته النيويورك تايمز الأميركية جاء فيه أن "فتح في الضفة الغربية أغلقت المنافذ الإعلامية التابعة لحماس ومنعت الصحف المؤيدة لحماس من التوزيع أو تلفزيون حماس من البث وصودرت المعدات أو حطمت واعتقل ست صحفيين من حماس وضرب أكثر من 12 آخرين. وفي غزة فعلت حماس الأمر نفسه مع وسائل الإعلام التي تديرها فتح والسلطة الفلسطينية فأغلق ما لا يقل عن ثمانية منابر إعلامية منها ثلاث صحف".
إن الجو المحموم الذي خلقته الأزمة السياسية انعكس توترا عصبيا في أوساط الإعلاميين قد يكون خير معبر عنه الانفعال الذي ردٌ به إعلامي مخضرم مثل ياسر عبد ربه على سؤال وجهه إليه في مقابلة إذاعية الشهر المنصرم المذيع في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي." محمود مراد عمن تعتبره السلطة عدوا لها إسرائيل أم حماس بوصفه المذيع بأنه "واحد قليل الأدب ووقح ورخيص" ليعلن المذيع أنه يدرس مقاضاة مسؤول الإعلام السابق في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ووزير الإعلام والثقافة السابق في السلطة الذي يتولى حاليا الأمانة العامة للجنة التنفيذية.
وتلفت النظر في الحرب الإعلامية الدائرة بين حماس وبين فتح اللغة المستخدمة في هذه الحرب التي أقل ما يقال فيها أنها تكاد تتحول إلى "قتل للشخصية" يسوغ للفاقدين أعصابهم أو للمغرضين من الجانبين القتل الفعلي لخصومهم السياسيين لأنهم حسب الأوصاف المتبادلة "متعاونون مع الاحتلال" ارتكبوا "جرائم حرب" و"إنقلابيون" خارجون على الشرعية ناهيك عن السقوط في فخ الإدانة الدينية بالتكفير أو بالتصنيف المذهبي.
ولم يربأ طرفا الحرب الإعلامية بأنفسهم عن تسييس الدين وما الضجة الإعلامية التي نجمت عن استخدام بيوت الله في التحريض حول "شرعية" صلاة الجماعة داخل المساجد وفي الساحات العامة إلا آخر مثال على أن هذه الحرب لم تعد تحترم حتى المقدسات. ولا بد هنا من ملاحظة المفارقة المتمثلة في لجوء قوى سياسية "علمانية" إلى قيادة صلاة جماعة والدعوة إليها خارج المساجد وتحول ناطقين إعلاميين معروفين لهذه القوى إلى خبراء في الإفتاء الديني للدفاع عن دعوتهم.
سؤل الحكيم الصيني كونفوشيوس مرة: "ما هو أول شيء تفعله لو انتخبت قائدا للبلاد؟" فأجاب: "أقوٌم استخدام اللغة، طبعا. علينا استخدام الكلمات استخداما سليما، وإلا لن يكون الخطاب سليما، وإذا لم يكن الخطاب سليما عندئذ لا يمكن إنجاز أي شيء، وإذا تعذر الانجاز تنحط الأخلاق والفنون، وإذا انحطت الأخلاق والفنون يفقد العدل اتجاهه، وإذا فقد العدل اتجاهه يظل الناس مضطربين لا حول لهم ولا قوة. لذا عليكم أن تكونوا حذرين جدا فيما تقولون".
وربما لا يعكس الحال المتردي الذي أسقط الاصطراع على السلطة الإعلام الفلسطيني فيه أفضل من اضطرار حكومة سلام فياض في رام الله إلى الاعتذار لوكالة أنباء رويترز واضطرار حكومة إسماعيل هنية في غزة للاعتذار إلى الإعلاميين في القطاع عن انتهاكات لحرية الصحافة قامت بها الأجهزة الأمنية ضد وسائل الإعلام في المنطقة التي تسيطر عليها كل من الحكومتين، حيث حلت الدعاية السياسية محل الإعلام المحترف لتغيب الحقائق عن الشعب في وقت عصيب قد يقرر مصير قضيته وفي وقت لم تعد فيه وسائل الإعلام الغربية مصادر بديلة لمعرفة الحقيقة بسبب انحياز حكوماتها إلى أحد طرفي الاصطراع الفلسطيني.
وبالرغم من الدعوات التي لم تتوقف إلى وقف التحريض الإعلامي للساسة الفلسطينيين فإن هذا التحريض يتفاقم حدٌ أن تتحرك جهات أجنبية مثل هيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي)، كما جاء في إعلان لها، إلى البحث عن مدير لمشروع بتمويل هولندي مشترك مع "المبادرة الأوروبية للديموقراطية وحقوق الإنسان"، التي أسسها البرلمان الأوروبي عام 1994، من أجل "دعم قطاع الإعلام الفلسطيني لبناء آليات مستديمة لتطوير الصحفيين ومحترفي الإعلام مهنيا" بهدف "رفع مستوى العلاقات والحوار بين الإعلاميين في الضفة الغربية وقطاع غزة"!
وبغض النظر عن المآخذ السياسية على التمويل الأجنبي المشروط وأهدافه وعبثه المشبوه في الشأن الداخلي، فإن "المبادرة الأوروبية" جديرة بالتوقف عندها لأنها وضعت إصبعا على جرح فلسطيني حان الوقت لكي تظهر مبادرة وطنية تتصدى لعلاجه، مع القناعة بأن الولاء للوطن والشعب سوف يتغلب إن عاجلا أو آجلا على الفتنة الراهنة بحيث لا يبقى منها سوى مرارة في الحلق وذكريات عن أيام فلسطينية سوداء تكمن في الذاكرة كرماد بانتظار من ينفخ فيه لتأجيج فتنة جديدة.
إن شطط الساسة في التحريض الإعلامي والسياسي وشطط الإعلاميين في الخروج على الأسس والمبادئ المهنية للسلطة الرابعة قد حوٌل هذه السلطة إلى تابع للساسة، ينزلق بسرعة نحو "البروباغاندا" بعيدا عن النقل المهني المحايد للحقيقة ويفقد حياديته يوميا في حمأة الاصطراع الحالي الدائر على سلطة ما زالت بلا سلطة وبلا سيادة وما زالت إما تحت الاحتلال المباشر في الضفة أو محاصرة في القطاع، وحوٌل تركيز الإعلام الفلسطيني بعامة من التناقض الرئيسي مع الاحتلال إلى تناقضات ثانوية داخلية بين فصائل النضال الوطني من أجل الحرية وتقرير المصير.
إن الوضع الإعلامي الفلسطيني الراهن يصب في خدمة الاحتلال الإسرائيلي، فالمنظمات الوطنية والعالمية المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة والتعبير وحقوق الإنسان منشغلة الآن برصد الانتهاكات الفلسطينية. فعلى سبيل المثال، أدان الإتحاد العالمي للصحف (وان) من مقره في باريس يوم 28 الشهر الماضي المضايقات التي يتعرض لها الصحفيون الفلسطينيون وتدهور ظروفهم المعيشية، علما بأن هذا الإتحاد يمثل 18 ألف صحيفة ويضم في عضويته 76 هيئة صحفية في 102 بلدا وله 12 وكالة أنباء و10 مجموعات صحفية وطنية وعالمية. ومثال آخر أقرب إلى فلسطين وأكثر إطلاعا على إعلامها ومؤسساته وكوادره: فقد أدانت جمعية الصحفيين الأجانب التي تضم الصحفيين العاملين في دولة الاحتلال وفلسطين "النوع الخطير" من التعديات التي يتعرض لها الصحفيون الفلسطينيون المحترفون. ووطنيا دعا مركز الميزان لحقوق الإنسان من غزة السلطة الفلسطينية و"القوى السياسية" في الأراضي المحتلة عام 1967 إلى "اتخاذ كل الإجراءات اللازمة" التي تضمن إبقاء الصحفيين "خارج الصراع السياسي".
لقد وصف مثقفون وأكاديميون فلسطينيون يوم الثلاثاء قبل الماضي الإعلام الفلسطيني بأنه مسحوق "بين مطرقة رام الله وسندان غزة". فلماذا يضطر صحفيون إلى الهرب أو إلى الاختفاء عن عيون السلطة كما حصل مع مراسل فضائية "العربية في غزة سيف الدين شاهين ورئيس مكتب فضائية الأقصى في الضفة محمد اشتيوي؟ ولماذا يستمر ملثمون بتهديد الإعلاميين في القطاع وفي تخريب مؤسسات إعلامية في الضفة دون أن تعبأ القوى السياسية والأجهزة الأمنية بكشف هوياتهم ووقف تعدياتهم؟ ولماذا يستمر أكثر من 700 عامل في مجال الإعلام يتقاضون رواتبهم وهم في بيوتهم دون عمل لأن الحكومة التي تدفع لهم هذه الرواتب تهددهم بقطعها إن التحقوا بأعمالهم بإمرة الحكومة "الأخرى"؟... إلخ.
وإذا كانت الحكومة في غزة قد اعترفت بالبيانات واللقاءات بوقوع انتهاكات واعتذرت عنها فإنها عندما حاولت تلافيها كانت كمن يستجير من الرمضاء بالنار عندما لجأت إلى إنشاء لجنة إعلامية لضبط الوضع وإلى تفعيل قانون المطبوعات لعام 1995 كمرجعية قانونية وحيدة متوفرة، وهو قانون كانت حكومات ما قبل حماس تتغاضى عن تفعيله لأنها كانت ضامنة لتطبيقه بسيطرتها على شبكة الإعلام الرسمية وبالرقابة الذاتية لرجالها في الإعلام الخاص.
كما لجأت حماس إلى فرض رقابة على المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت لأول مرة في تاريخ أي حكومة فلسطينية. وكانت منظمة "أوبن نت إينشياتف" (أو.أن.آي.) قد ذكرت في دراسة لها خلال العام الحالي أن مناطق السلطة الفلسطينية كانت ضمن ثلاث بلدان إضافة إلى إسرائيل وروسيا لا توجد فيها أي رقابة على الإنترنت من بين أربعين بلدا شملتها الدراسة. وفي إطار القطيعة الفعلية بين القطاع وبين الضفة منذ حزيران/يونيو الماضي ومنع توزيع مطبوعات كل طرف لدى الطرف الآخر كانت الإنترنت تلعب دورا حاسما في التواصل بين الشعب في المنطقتين وهو دور هام أيضا داخل الضفة الغربية نفسها بسبب الحواجز العسكرية للاحتلال الإسرائيلي التي تمنع التواصل بين الناس هناك.
أما حكومة الطوارئ في رام الله، التي اضطرت للاعتذار لرويترز مؤخرا، فتبدو غير معنية لا بوضع الإعلام الحالي ولا بانعكاساته السلبية عالميا على القضية الوطنية، لا بل أن وزير إعلامها رياض المالكي يرى بأن "80% من المعركة (مع حماس) تتركز على معلومات وسائل الإعلام" كما قال لمجموعة من الصحفيين الإسرائيليين والفلسطينيين في رام الله في 14 الشهر المنصرم ويرى كذلك إمكانية لكي يساعد الصحفيون الإسرائيليون وزارته لأنه "في نهاية المطاف هذه الحكومة تريد الوصول إلى سلام مع إسرائيل"، بينما رافق رئيس مجلس إدارة هيئة الإذاعة الفلسطينية باسم أبو سمية الزوار الإسرائيليين في جولة على مقر الهيئة التي قصفها جنودهم في سنة 2002 ! ولم يتحدث أحد للزوار طبعا عن الحظر الإسرائيلي على دخول الورق إلى غزة حيث بالكاد تستطيع الصحف تدبر أمورها مع نقص الورق والوقود والكهرباء.
غير أن الصحفيين أنفسهم يتحملون نصيبهم من المسؤولية أيضا عن الوضع الراهن لمهنتهم فنقابتهم المحنطة منذ حوالي عشرين عاما تفتقد حتى وحدة الصف على أساس مهني في الأقل، بينما يمزقهم الولاء السياسي والعصبية التنظيمية على حساب مبادئ المهنة، ومما يزيد في تعقيد هذا الوضع -- الذي يتداخل فيه "المهني" مع السياسي و"السياسي" مع "الأمني" والذي يغلب "لغة القوة" على "لغة الحقيقة" ويستبدل الحياد المهني بالدعاية السياسية -- سيطرة تنظيم واحد كان يحتكر السلطة على معظم وسائل الإعلام الرئيسية بينما يتجه الشريك الجديد في السلطة، المرفوضة شراكته، نحو احتكار مماثل حيث له سلطة. فكل المؤشرات تدل على أن حماس بدورها تتجه نحو تكرار تجربة فتح في شبكتها الإعلامية المتسعة التي أقامتها.
إن حوالي أربعين عاما من احتكار فتح لقيادة النضال الوطني ثم قيادتها لمنظمة التحرير فسلطة الحكم الذاتي المنبثقة عنها منحتها سيطرة فعلية ورقابة واقعية على شبكة إعلامية واسعة أتخمتها بعمالة فائضة هي أقرب إلى البطالة المقنعة من العاملين على أساس الانتماء التنظيمي أو المحسوبية الشخصية والعائلية لقيادات إعلامية معينة على أساس الولاء السياسي. ولم تقتصر هذه الظاهرة على قطاع الإعلام بل شملت كل مؤسسات المنظمة والسلطة في القطاع العام وفي القطاع الذي يوصف ب"الخاص" لكن أصحابه وقياداته لهم الولاء السياسي نفسه وإن عملوا لحسابهم الخاص، وصحيفتا "الأيام" و"الحياة الجديدة" اليوميتان خير مثالين على ذلك، بحيث لم يبق للإعلام المستقل أو لإعلام الرأي الآخر سوى مساحة ضيقة هامشية، تقف فيها جريدة "القدس" حالة شاذة ربما لأنها خارج الولاية القانونية لسلطة الحكم الذاتي بالرغم من اضطرارها إلى مجاراة هذه السلطة لأنها توزع في مناطقها وتنشر إعلاناتها... إلى أن فرضت حماس وجودها.
إن تسييس الإعلام ينبغي له أن يتوقف وتقويم لغة الإعلام أصبح ضرورة، وإذا كانت الحاجة ماسة الآن لميثاق شرف بين الإعلاميين يلزمهم بلغة الحقيقة ومبادئ المهنة فإن الحاجة أمسٌ إلى ميثاق شرف بين السياسيين الفلسطينيين يعتمد الأسس المهنية للإعلام لأنهم كما يبدو أحوج من الإعلاميين إلى مبادئ العمل الصحفي كونهم في مواقع صنع القرار. إن الشلل الذي تعاني منه المؤسسات الإعلامية خصوصا الرسمية على وفرتها، وبالرغم من وفرة الكفاءات الإعلامية الوطنية، مرده تغليب الولاء السياسي على الكفاءة المهنية، وإلا كيف نقارن بين أداء الفضائية الفلسطينية وتأثيرها في الرأي العام وبين أداء قناة الجزيرة القطرية وتأثيرها مع أن عمر القناتين واحد تقريبا !
لقد أقحم الكثير من الصحفيين أنفسهم أو أُقحموا في الاصطراع بتقديم ولائهم السياسي وانتمائهم التنظيمي على متطلبات مهنتهم فلاحقتهم أجهزة أمن السياسيين والمليشيات المسلحة التابعة لهم باعتبارهم ناشطين في الخندق الآخر لا بصفتهم المهنية، في أغلب الأحيان، غير أن المحترفين أو المستقلين منهم لم يسلموا من الأذى بعد أن ضيق الاصطراع مساحة الحياد المتاحة لهم ضاغطا عليهم للانحياز إلى هذا الخندق أو ذاك فانضموا إلى جيش البطالة الفلسطيني أو لجأوا إلى ما هو أسوأ... ممارسة الرقابة الذاتية !
ويتضح الآن أن الاستقطاب الحاد الذي أفرزته ازدواجية الشرعية السياسية الفلسطينية والانقسام السياسي الناجم عن اصطراع الشرعيتين واحتكار السلطة أو التفرد بها هما عاملان أضافا قيودا جديدة إلى القيود التي فرضتها اتفاقيات أوسلو الموقعة بين المنظمة وبين إسرائيل على الإعلام الفلسطيني، خصوصا في مجال "التحريض على العنف" و"الكراهية" بما يتعارض مع "ثقافة السلام"، وهذه قيود مطاطة كانت وما زالت تحد من حرية الرأي والتعبير وتستخدم أداة لقمع المعارضة لها. وطالت قيود أوسلو حتى مراكز استطلاع الرأي التي لم يسجل لها مرة واحدة أنها ضمنت استبياناتها أي أسئلة تخير المستطلعة آراؤهم بين حل الدولتين وبين حلول أخرى كحل الدولة الواحدة سواء على أساس المواطنة أو على أساس دولة ثنائية القومية. وقد فقدت هذه المراكز الكثير من مصداقيتها بسبب الفارق الشاسع بين النتائج التي توقعتها للانتخابات التشريعية أوائل عام 2006 وبين النتائج الفعلية التي تمخضت عنها. ومع ذلك ما تزال السلطة الفلسطينية ووسائل إعلام أجنبية عديدة تستشهد بنتائج استطلاعاتها عن شعبية الرئاسة الفلسطينية وفتح وحماس !
وكانت "المادة 19"، وهي منظمة عالمية معنية بالدفاع عن حرية التعبير وتدفق المعلومات، قد بعثت بمذكرة إلى السلطة الفلسطينية عام 1999 تنتقد فيها مواد في قانون الصحافة الفلسطيني تتناقض مع المعايير الدولية لحرية التعبير وتدفق المعلومات لأنها تفرض قيودا على محتوى ما يمكن نشره بما يتعارض مع "مبادئ... المصلحة الوطنية" أو لا "يتفق مع الأخلاق العامة" أو "يهز الثقة في العملة الوطنية" – والطريف أنه حتى الآن لا توجد عملة وطنية للفلسطينيين فهم يتعاملون بالشيقل الإسرائيلي والدينار الأردني والدولار الأميركي -- كما يشترط القانون إيداع نسخ من المطبوعات لدى السلطة قبل توزيعها. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com