جردة حساب مع العودة بعد براءته من بن لادن

أعلن الداعية الدكتور سلمان العودة أصالة عن نفسه ونيابة عن أقرانه الدعاة براءته الصريحة والعلنية من جرائم أسامة بن لادن قائلا "اللهم إننا نبرأ إليك مما يصنع أسامة". ولم يكتف الفقيه السعودي بالبراءة وحدها، بل شن هجوما عنيفا على منهج زعيم تنظيم القاعدة الذي اختصر الإسلام في رصاصة وبندقية، على حد تعبيراته، واصفا منهجه بالدموي.
وفي معرض حديثه عن النتائج المدمرة التي خلفها نهج بن لادن قال الشيخ العودة عبر برنامج "حجر الزاوية" الذي يبث يوميا من خلال قناة mbc في شهر رمضان ما مضمونه أن أسامة بن لادن جلب بإعماله الإرهابية المتطرفة المآسي للمسلمين، وشوه صورة الإسلام وزج بخيرة شباب الأمة في غياهب السجون، وقادهم إلى طريق الموت والدمار والهلاك، ونمى قبل ذلك فيهم حالة التطرف والتزمت والتشدد والغلو، ونشط لديهم نزعة التكفير والقتل، وجعل أكثر من بلد إسلامي غير آمن ومستقر وعلى كف عفريت ولقمة سائغة للاحتلال، وعرض الدعاة للملاحقة والمطاردة بتهمة العنف والإرهاب. كما أنه شوه العمل الخيري والدعوي في أنحاء متفرقة في العالم وجعلهما عرضة للمحاصرة والمسائلة والشك والريبة!
إلى هنا لا نختلف مع العودة في إعلان براءته العلنية والصريحة من جرائم بن لادن ونهجه، وفي توصيف منهجه وبيان آثاره الكارثية، ولكن وبغض النظر عن الدوافع والتوقيت والدلالات، نوجه له اللوم والعتب الشديدين لصحوته المتأخرة، وفي ذات الوقت أيضا نحيي فيه إفاقته ونثمن له جرأته ونبارك له خطوته الشجاعة وفق المقاييس العرفية والدينية السلفية.
ومما لا شك فيه، فأن البراءة "الفلتة" تلك وهذا الهجوم النوعي، من داعية وفقيه سعودي بوزن العودة، وبحسب وصف بعض المهتمين بالشأن السعودي والحالة السلفية بشكل عام، يعد بمثابة الحجر الكبير الملقى من الأعلى في وسط المياه السلفية الراكدة، وسيثير سخطا وجدلا يتجاوز الساحة السعودية. كما انه سيفجر جملة من التساؤلات والاستفهامات، بعضها مرتبط بالدوافع والتوقيت والدلالات، والبعض الأخر، وهو الأهم، يرتبط بمستقبل علاقة السلفيين وبعضهم البعض وخصوصا الراديكاليين المناصرين لابن لادن والوسطيين المعتدلين المصنفين بالمحايدين والمستقلين عن المؤسسة الدينية الرسمية والسلطة السياسية في البلاد وان كانوا ظاهرا متوافقين إلى حد ما مع وجهة النظر والموقف الرسمي المعلن في البلاد من التطرف والمنهج التكفيري، وغير خاف أن العودة وربما بعض نظراءه الذين ناب عنهم في عملية البراءة ، يعد احد ابرز وأهم رموز التيار الوسطي والمعتدل، بحسب التصنيف الحالي القائم، ونوع ثالث من الاستفسارات لها صلة بردود فعل الأطراف المؤيدة والمعارضة لهذه البراءة ولهذا الهجوم المغلف بالنصيحة "المشفقة" والذي تزامنت مع ذكرى مرور الذكرى السادسة على أحداث 11 سبتمبر.
قد لا يعنينا في هذه المقالة الوقوف على دوافع ودلالات البراءة، ولا مستقبل علاقة السلفيين ببعضهم البعض، ولا ردود الفعل المتضادة أيضا، على الأقل في الوقت الراهن، لكوننا نريد الوقوف مع الشيخ العودة هنا في ثلاث محطات لها صلة ببراءته التاريخية من زعيم تنظيم القاعدة ونهجه الدموي، وسمعة الإسلام وصورة المسلمين ووحدة صفهم وعلاقتهم بغير المسلمين.
ففي الوقفة الأولى، يمكننا القول للشيخ العودة ونظراءه بوضوح تام: أن الرموز الإسلامية المعتدلة والوسطية والتي تنتمي لمختلف المذاهب الإسلامية قد اتخذت موقفا صريحا وواضحا وحازما من النهج الدموي للسلفيين الوهابيين التكفيريين الراديكاليين من وقت مبكر جدا، ودون محاباة أو مجاملة وذلك بعد أن سيطرت حركة طالبان على الحكم في أفغانستان ومارست مختلف ألوان وأشكال الجرائم في حق خصومهم السياسيين ونظرائهم من البشر المختلفين عنهم عقديا ومذهبيا وفقهيا، وذلك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأحداث السعودية وبلدان أخرى بما فيها العراق ولبنان. وكان هذا الموقف في محل تقدير واحترام أبناء الأمة الإسلامية قاطبة، ووجهت لكم حينها رسائل ودعوات عدة بطرق شتى من أجل أن تكونوا إلى جانب الرموز الإسلامية المعتدلة التي أدانت بوضوح لتدينوا هؤلاء الدمويون والتكفيريون ونهجهم بشكل واضح وصريح، ولكن كنتم تعرضون عن هذه الدعوات وكأن على رؤؤسكم الطير، وإذا ما اضطررتم للإدانة راوغتم في الحديث وتلاعبتم بالألفاظ ولم تسموا الأشياء بأسمائها!
وهنا أود لفت نظر سماحتكم إلى أن نفر ليس بقليل سيفسر براءتكم وإفاقتكم المتأخرة تلك ضمن تفسيرات لا تروق لكم، ولكن ينبغي لكم أن تعذروا أصحاب هذه التفاسير لأنكم وضعتم أنفسكم في موضع الشبهات بتأخركم الكثير في إعلان البراءة والإدانة، فلا تلوموا عوام الناس ولوموا أنفسكم.
وليكن في علم سماحتكم أيضا، وانتم أهل العلم والمعرفة، أن أبناء الأمة اليوم لديهم قدر كبير من الوعي والإدراك يؤهلهم للتصنيف بين مواقف الرموز الإسلامية الجريئة والخجولة والجبانة والمتواطئة مع الإرهابيين وخلافها وبسهولة ويسر، وبالتالي لم يعد المجال أمام حالة الوعي المتصاعدة هذه التلكؤ أو التردد أو المراوغة خصوصا في مواطن الفتن الذي ينبغي للعالم أن يبرز فيها علمه بكل وضوح وصراحة وتجرد مهما كلف الثمن حتى لا يكون في صف واحد مع صانعي الفتنة أو يصنف وكأنه واحد منهم.ولا أود تذكيركم هنا بردود الفعل الساخطة الماضية جراء إجابات سماحتكم غير الصريحة والتي اتسمت بالغموض والمراوغة واللف والدوران والمتعلقة بالمسلمين الشيعة!
وفي الوقفة الثانية، لا أريد أن انساق وراء التفسير القائل "بان غيرتكم على الدين وسمعة الإسلام والمسلمين بعد أن لحق بهم التشويه هي التي دفعتكم مؤخرا لإعلان براءتكم الصريحة من نهج زعيم تنظيم القاعدة!" وذلك لأني أحسن فيك الظن وأفترض فيك الوعي والغيرة الكافية على الدين وأهله، وسماحتكم لا يحتاج إلى من يحثكم لاتخاذ موقف نابع من الغيرة والحرص على الدين بمجرد تعرضه للتشويه والتطاول، وفضيلتكم أيضا أكثر معرفة من عوام الناس بفساد هذا المنهج وأتباعه،وآثاره السيئة على الإسلام والمسلمين، ومثلي لا يحتاج لأن يذكركم بان العالم الحقيقي هو الذي لا يخشى في الله لومة لائم وبالتالي ينبغي أن يكون أول المبادرين في نقد هذا المنهج وأتباعه منذ اللحظة الأولى وقبل تفشيه وشيوعه لا أن يكون في آخر الركب!
شخصيا كنت ولازلت أظن بأن سبب عدم اتخاذكم موقفا صريحا من أسامة بن لادن ونهجه لا يكمن في عدم حرصكم على الدين ولا في عدم وعيكم بخطورة المنهج وفساده، ولا في كونك عضو بارز في تنظيم القاعدة تمارس التقية، كما يقول البعض، وإنما ارجع ذلك التحفظ لأمرين: الأول، وهو الأرجح، خشيتك من ردة فعل الجمهور الواسع المتعاطف مع بن لادن ونهجه في داخل المملكة وخارجها. والأمر الثاني، وهو في سياق حسن الظن بك أيضا، وهو راجع إلى مراهنتك طيلة السنوات الماضية على تراجع بن لادن وأتباعه عن نهجهم الفاسد، ولأنك فقدت الأمل بعدم تراجع القوم عن نهجهم ومواقفهم، وبعد أن فاحت روائح جرائمهم النتنة والجميع أضحى يدينهم في كل واد ومحفل,ولم يعد مجالا للسكوت،وبالتالي اضطرتك الظروف لإعلان البراءة صراحة في هذا الوقت المتأخر حتى تخلص نفسك من تهمة التواطؤ ومحاباة ومجاملة المجرمين.
وهنا أود التنويه أيضا إلى أن نفر من الناس، وبحسب تعليقاتهم، لازالوا يصرون على رأي آخر مفاده: أن الشيخ سلمان العودة شريك فعلي لابن لادن في جرائمه بمواقفه المتخاذلة ولا خلاف جوهريا بين منهج الاثنين وان كان هنالك ثمة اختلاف فهو لا يتعدى الشكل ولا يلامس المضمون!
وفيما يتعلق بنزعة القيادة والتصدي ينبغي للشيخ العودة أن يضع في حساباته أن قوة القائد تنبع من كونه يفرض على القواعد الرؤية والمواقف التي يراها صحيحة لا هم يفرضون عليه المواقف الخاطئة، فان كان وفق المعادلة الثانية تحول القائد إلى مقود والمقود إلى قائد وهذا خلاف رؤية القائد الشجاع والمكانة التي يريدها لنفسه. إما فيما يتعلق بالمنهج، فنحن نعتقد بأن منهج السلفيين الوهابيين الراديكاليين كلهم وبلا استثناء قد نال من سمعة المسلمين وشوه الدين واختزله في القنبلة والسيف، وبالتالي على العودة وغير العودة أن يدينوا هذا النهج بكامله ويعلنوا براءتهم منه ومن أتباعه وليس زعيم القاعدة وتنظيمه فحسب.وهنا تتجلى شجاعة القائد الحقيقي وصدق مواقفه التاريخية.
الوقفة الثالثة والأخيرة، متعلقة بوحدة كلمة وصف المسلمين وتعايشهم مع بعضهم البعض ومع العالم من حولهم. وبصراحة متناهية نقول للشيخ العودة أن السلفيين التكفيريين بمنهجهم الشاذ وبتصرفاتهم الخرقاء وبما يحملوه من فكر متطرف وعلى رأسهم زعيم تنظيم القاعدة والملا عمر والظواهري ومن دار في فلكهم جعلهم مشكلة عالمية وليست مشكلة محلية يعاني منها أتباع مذهب أو دين معين، وهم بالمناسبة الجهة الوحيدة من بني البشر اللذين لا يودون التعايش مع احد لا بعنوان الأخوة الإيمانية أو الوحدة الإسلامية أو الوحدة الوطنية ولا تحت عنوان التعايش السلمي أو أي عنوان آخر.
وفي المقابل كم من الدعوات والإشارات الايجابية في هذا السياق وجهت لأقطابهم وقواعدهم ولكن لا حياة لمن تنادي، حتى أن بعض الرموز الإسلامية الحريصة على وحدة المسلمين وتعايشهم والتي تتبنى مشروعا أو فكرة من هذا النوع أصبحوا في حرج شديد مع جماهيرهم خصوصا حينما يصروا على التواصل والتلاقي مع هذه الفرقة الشاذة والنافرة، وذلك ليس لعدم رغبتهم فلي مد جسور التواصل وإنما راجع لحالة اليأس الذي يعيشها أبناء الطوائف والمذاهب الإسلامية من عدم تجاوب هذه الفئة مع هذا النوع من الدعوات والمشاريع الوحدوية.
وفي المحصلة النهائية نحمل الشيخ والداعية الفقيه العودة كونه سلفيا أولا ومحسوبا على التيار الوسطي المعتدل وله وزنه الكبير ثانيا، وخصوصا بعد أن أعلن براءته من هذا النهج المدمر، نحمله مسؤولية أخذ زمام المبادرة في الدفع باتجاه وحدة الصف الإسلامي والتعايش السلمي والحفاظ على الوحدة الوطنية والتأكيد عليها بوضوح وبقوة. كما نأمل منه أيضا، وفي القريب العاجل، وباسم هذا التيار الذي عرف عنه بشذوذ مواقفه الوحدوية ونزعته الجامحة للصدام والتفرد والتقوقع واللجوء للغة العنف والسلاح بدلا من الجنوح للسلم والسلام، إعلان براءته الصريحة والعلنية للنهج وللأشخاص التكفيريين والتمزقيين في الأمة وذلك بغض النظر عن الأسماء ومكانة الأشخاص ومواقعهم وانتماءاتهم، وهذا هو المرجو من كل داعية بحجم العودة، لعله بهذا العمل الشجاع وأمثاله يتمكنون، ولو بشكل جزئي، من تغيير الصورة النمطية التي شكلت عن هذا التيار ورموزه سواء كانوا من الراديكاليين أو المعتدلين بحسب التصنيفات المألوفة.

محمد الشيوخ
باحث سعودي M_shayook@hotmail.com