غبار الوجع يتطاير حولنا

بقلم: محمد عطية محمود
دروب الوجع .. خيوط الأمل

"أجلس على حرف السرير. أتابع خيوط الصبح، تنسل من نافذة حجرتي. ينسحب الغبش رويدًا، رويدًا. يهل صبح جديد؛ عابقًا بندى الأمل. أردد: يا رب."
بهذا الاستهلال يلج وائل وجدى نصه/ وجعه المفارق؛ بكسره حدة هذا الزمن المتطاول، بمونولوج طويل شارح، مدقق، راصد لتوليفات الوجع وتداعياته، عابرا جسوره إلى حيث ندى الأمل المغاير، في انتظار تجمع قطراته الشفافة، التي قد تؤدي يوما إلى إحساس ما، متنام، بأمل النجاة.
وتتضافر للنص ثلاثة عناصر/دروب، هي للوجع ذاته. يمتطيها النص، أو يتخذها معراجا نحو غاية الشفاء من علل لا براء منها؛ فعلة الجسد لا تلبث أن تزول من مكان ما، حتى تعاوده في موضع آخر من مواضعه، وعلة الحب لا تزول إلا بزوال الجسد نفسه، وعلة الإبداع لا يتحول أزيزها وطنينها عن روح المبدع الحقيقي إلا بسكون القلب والعقل معا؛ لتتشكل من هذا المعراج/اللذة دواعي التمسك بالأمل كمرادف للحياة ذاتها والتي لا تصلح بأي حال من الأحوال بلا وجع. حتى وإن لم يصبها من هذا الأمل إلا قدر هذا الندى الشفاف.
وتتشكل هذه العلاقة المتضافرة، النابضة، بداية بسرد مباشر عن أحد أسباب الوجع وأشده ضراوة، ظاهريا، حيث يحاصر شخص النص المتفرد، بأولى معطيات هذا المرض، وهو ما ألم بالساق من عرض أصبح مع الأيام مرضا عضالا.
يقول ص4:
"لم يكن ألمًا؛ إنما مغصًا لا يحتمل، في أعلى الساق اليمنى؛ كثير من الليالي، لم أستطع أن أنام أو أتحرك في السرير من شدة الوجع."
ويمضي في تفاصيل المرض وتحولاته مستدعيا من الذاكرة ندفا تتساقط على أرضية بوحه فيقول ص7:
"عندما يدخل الطبيب سن الإبرة في الفخذ أو الذراع؛ يشعر المرء بألم ما؛ يختلف حسب مهارة الطبيب أو الممرض؛ الذي يقوم بالحقن. منذ الطفولة؛ لا أحب أخذ الحقن؛ تذكرني، بحقن التطعيم ضد الأمراض الموسمية، أو تذكرني بالحقن التي أخذتها في منطقة البطن، مصل داء الكلب، من جراء الكلب الذي خربشني بأظافره في (عرقوب) قدمي اليمنى. لم أكن أعلم؛ أنها ستكون وسيلتي الوحيدة في تخفيف آلامي المبرحة في ساقي اليمنى."
لنلمح هذا التشابك الحسي مع الماضي، بمزيد من الأسى والسخرية معا. كإطار لتخريج النفس من مستنقع الألم المحبط، ولو لفسحة من الوقت، يعود الألم إلى شدة واقعه بعدها. كما يمكننا أن نلمح بصورة جلية، مدى احتياج النص لضبط علامات الترقيم بمقاطع متعددة منه (مجرد ملاحظة).
ليلج النص، بعد ذلك مباشرة، إلى درب آخر من دروب الوجع، وهو درب إبداع شخص النص ومعاناته من أجل إخراج كتاب إبداعي له، سيكون له، ولمجتزأ منه، في نهاية النص بعد دلالي، للإسقاط على ذات الشخصية، وتأطيرا لأزمتها ؛ فتتشابك دروب الوجع مع خيوط الأمل، في استدعاء ذاكرة الكتابة والأوراق، على خلفية المرض وخطوات العلاج. يقول ص7 و8:
"أجد سعادتي في قراءة أوراقي. أتأملها. أعيد صياغة القصص؛ حتى أرضى عن تماسك بنائها. رغم أن الجلوس على كرسي المكتب؛ يحث نثار الألم، أن يعصر ساقي اليمنى."
تفرض مفردة (القصص) هنا دلالتها الموحية بـ (الحياة) في طرف من أطرافها، كمعادل موضوعي لما يحدث على الورق أو العكس؛ فالشخصية تهفو دائما إلى إعادة صياغة حياتها على الورق؛ عوضا عن فشل حتمى فى إدراك هذا الإصلاح أو هذه الإعادة على أرض الواقع، مما يسمح بعلائق التخييل أن تتخذ مكانتها داخل دلالات النص.
ولتتوفر تفاصيل ذلك الرافد الإبداعى المضني داخل النص، حتى يتقاطع مع الرافد الرئيسي/المرض بتفاصيله الموجعة، التي لا تدع فرصة لازدراد بوادر طعم النجاح. الرافد الذي تقطعه التداعيات ثم يعود ليغلبها، وليسيطر على مجريات النص حيث يقول ص10:
"انتابني شعور غريب؛ فور دخولي مركز الأشعة. ما هذا العدد؛ الذي ينتظر دوره في إجراء الأشعة اللازمة له؟ هل كل المصريين مرضي؟"
ليلتحم الألم/الوجع مع المحيطين/الكل، كدعوة للخروج من إطار الذات إلى إطار الكل، وإن كان على حساب اختزان الألم الداخلى وتغييبه ولو مؤقتا، حتى يغرق فى تفاصيل أخرى من تفاصيل محاصرة المرض بالكشف والأشعة والتحاليل. يقول ص14:
"أحسست أن الممرضة، تقف بجواري؛ وقالت: إنها حقنة صبغة؛ لا تقلق. خرجت من الحجرة، أغلقت باب الحجرة؛ عادت الأصوات مرة أخرى أكثر حدة؛ تتناغم من الصوت المنخفض؛ للطرقات؛ والفرقعة، والصوت المرتفع." إلى نهاية الصفحة.
وليضيف إلى معاناته داخل غرفة الأشعة، معاناته مع الطبيب بعد الخروج منها. في ص15:
"شعرت حينئذ كأنه يتحدث؛ لشخص آخر يجلس في الحجرة. لا يأبه بأني صاحب هذه الحالة، ويتحدث عنها بمنتهى البرود والبلادة. خرجت من عيادة الطبيب؛ وأنا أجر ساقي اليمنى. حالتي النفسية؛ هبطت إلى قاع الجب السحيق. السواد المعتم."
مرورا بمراحل العلاج الممضة، وصولا إلى اعتياد الحياة مع ألم الساق المبرح، وممارسة طقوس الحياة. يقول ص31 و32:
"رغم ما بي؛ أسير على كوبري قصر النيل؛ متجهًا إلى العمل؛ أتأمل مياه النيل، الناس. يحزنني طول المدة التي أستغرقها في المشي؛ لبطء خطواتي. أتذكر خطواتي السريعة السابقة والوقت القصير؛ للوصول إلى مقر العمل. يواجهني استغراب بعض الزملاء من اتكائي على العصا. أردد؛ مع هزهزة رأسي: الحمد لله. التهاب بسيط، وهشاشة."
***
في صورة أخرى من صور الحياة ومترادفاتها. تقفز مها، الشخصية/الدلالة، لتقتحم النص بوجود مباغت تتكشف تفاصيله عبر رحلة النص التالية، من خلال تواشج علاقات (ثلاثي) النص/الوجع/المثير؛ ولتعطي للنص ذلك البعد الآخر/الثابت، الذي تتماهى فيه شخصية مها مع ما تفرضه في فضاء النص من رمز/دلالة/معادل للحياة ذاتها. أليست المرأة/الأنثى إناء للحياة؟ يقول النص في ص33:
"يرن الهاتف المحمول. أجد نمرة مها مرة أخرى. أضغط زر الرد، أقول بفتور: خير. يأتيني صوتها المميز بنبرات منزعجة: ألف سلامة. ما بك؟"
ليكشف النص عن الفجوة/الجفاء بين شخص النص الذي لاح منذ بدايته منفردا، حتى لاحت أمارات الحياة الأخرى بظهور شخص مها، ومها نفسها؛ ليظهر الشرخ دون دواعيه، التي سوف تسفر عنها تداعيات النص التالية؛ حيث قفزت الجملة الاعتراضية (مرة أخرى) كمؤثر من مؤثرات الكتابة في النص، ولتعقبها كلمة (بفتور)؛ لبيان تصدع العلاقة أو عدم الائتلاف، وإن كان أمرا مؤقتا، ليتداخل رافد الكتابة الإبداعية مرة أخرى، وعبر الهاتف المحمول، أيضا، الذي يلعب دورا هاما وحاسما في نقل توترات العلاقة بين الشخصين الرئيسيين (الراوي - مها) حتى نهاية النص.
يقول ص35:
"قبل أن أركب سيارتي، يرن الهاتف المحمول. (مها) للمرة الثانية، في يوم واحد. أنظر في الشاشة. أجد نمرة مقرر لجنة النشر: بروفة 'نهار الحلم' انتهت.
خبر جميل.
.............
.............
اتصال مها. جعلني، أتفاءل نوعًا ما. أمازالت تحبني، رغم شهور البعاد. أكنت أنتظر هاتفها. مشاعر متضاربة، تستعر بسويداء قلبي المحب، بالفعل أوحشتني. لن أتردد سأتصل بها.
- مها، سأنتظرك في مكاننا.
لا أعرف ما حدث لي؟ ألم ساقي اليمنى اختفى فجأة."
لتتشابك خيوط الأمل، ويطفو بريقها على سطح الشعور، وتبدو الحاجة للتحليق مع الحلم الوردى/الممكن تحقيقه، ملحة! حتى يتم اللقاء. ص37و38:
"ها هي مها؛ تهبط من التاكسي في الناحية المقابلة من كورنيش النيل. ألوح بيدي؛ كي تأخذ حذرها من السيارات والأتوبيسات التي تمرق في نهر الشارع. أتكيء بيدي اليسرى على مرفقها الأيمن. نوقف تاكسي. تجلس بجواري في الكنبة الخلفية. لا أترك أناملها، الرقيقة إلا عند النزول أمام مبنى الهيئة العامة للكتاب."
لتدنو الأحلام من حيز التحقيق على أرض الواقع باكتمال عنصري الحب والأمل في محبوبة وكتاب، حيث يسير النص بشخصه، مع حلمه المتحقق، ثم يقطعه بإعادته إلى أطراف وجعه الأصيل مع تفاصيل رحلة العلاج. ص40 و41:
"أشعر بالضيق، والتوتر؛ لطول فترة الانتظار. لا أحب العيادات. رائحة غريبة، تملأ فضاء الحجرة. تقتحم أنفي. أشعر بالغثيان. أنظر إلى ساعة الحائط. الساعة تقترب من العاشرة، ومازلت أنتظر. ينادي علي الممرض. أدخل الحجرة التي آخذ فيها جرعة العلاج الكيماوي."
وليواصل تفاصيل رحلة العلاج المضنية أيضا، حتى يأتيه صوت مها/الحياة عبر الهاتف:
"قبل أن أطفيء الأباجورة. رن المحمول. جاءني صوت مها الحاني: تصبح على خير. بدأ الألم يخف من أعلى الساق اليمنى. شعرت أنني لست في حاجة إلى العصا. تركتها على الكنبة الخلفية لسيارتي. أمشي ببطء؛ بدون عرج - ملحوظ - أجلس على مكتبي بدلاً من الأريكة. أنجز العمل المطلوب بسرعة وإتقان. علي أن أقابل والدة مها. أحاول أن أقرب وجهات النظر."
حتى يقول: ص41 و43:
"هل يتحقق حلمي مع مها؟ وتذوب المشاكل. آمل أن أغمض عيني. أجدنا في شقتنا المليئة بالأحلام."
وليعاود مرة أخرى الإبحار مع رافد من روافد الوجع الأصيل/المرض، وليطل طيف مها/الحياة بعد كل ألم يحاول التخفيف. يقول في نهاية زيارته لقبر والدته المتوفاة ص47:
"جلست على المصطبة الخراسانية. أقرأ سورة يس، سورة الرحمن. دعوت لها. انسابت الدموع من عيني. أغلقت الباب. مشيت عائدًا. أخرجت الهاتف المحمول من حقيبتي. وجدت رسالة من مها: أين أنت؟ طمأني عليك. أوحشتني." (بتصرف).
وتتبادل روافد الوجع أدوارها، وتتتابع، حتى يقع صدام الحلم مع الواقع، حيث يقول النص ص60:
"خرجت من شقة مها. أشعر أن حرارة الطقس أربعين؛ رغم أننا مازلنا في فصل الشتاء. حديث والدتها، جعل الدم يفور في رأسي. انتابتني حالة من السأم والحسرة. حتى النسمة الجميلة في حياتي؛ ستضيع مني؛ بعناد مقيت. الصداع، انتشر في رأسي. لم أستطع أن أنام. جاءني رنين محمول مها: لا تغضب من ماما؛ هذه طباعها."
ليظل هذا الأمر معلقا على ذاته؛ بتداخل لرافد المرض الذى يدخل مرحلة جديدة من مراحله، مع بارقة أمل لتحقيق جزء من معادلة الحلم الصعب حيث يقول ص66:
"قبل خروجي من حجرة الأشعة؛ لمحت طفلاً، مع والديه ينتظر دوره في جلسة الإشعاع. اعتصر قلبي، طفرت دمعة. رن الهاتف، وجدت عماد: مبارك. كتابك صدر."
ولينتهى النص دون إغلاق أى من أبواب وجعه، ويختتم ختاما معبرا، بمجتزأ من قصة يقول فيه ص68:
"تلفحك الأعاصير، ودوامات الهواء السخينة. تسقط أوراقك؛ ورقة؛ ورقة. تمشي متكئًا، حزنك. وها أنت تحفر في تاريخك أربعين عامًا، وبضع أوراق ذابلة."
في رحلة للوجع لا تعدم أبدا روافدها أسبابها المتنامية، والمتوالية من رحم الغيب. محمد عطية محمود ـ الإسكندرية Mohamadattia_2003@yahoo.com