دروس العراق المستفادة أميركياً

أضحى من الممكن السماع في الخطاب السياسي الأميركي الحالي وبشكل لافت للنظر، عن دروس مستفادة وعبر مستقاة من حرب أميركا على العراق، فيما يبدو أنها جردة حساب متأخرة مع الذات وأسف، في شيء يدعوا للسخرية، وذلك عندما نسمع من كبار الباحثين في السياسة الخارجية الأميركية،أن أميركا كان بمقدورها أن تحقق ما أرادته دون غزو العراق، مهما كان السبب الذي دفع الإدارة الأميركية إلى الحرب، إذ انها الحرب غير ذات الجدوى، أمام ارتفاع تكلفت فاتورتها المادية والبشرية بغض النظر عن الأسباب الموجبة لها.
إن أميركا متعثرة رأيناها تخرج من أزماتها لأكثر من مرة وفق دينامية علمية وثقافية ميزت مجتمعها على مدى مئة عام منصرمة، لم تعد أميركا الواعدة فيما نراها عليه الآن من تخبط وإنهاك، ذلك أن الأميركيين فقدوا الثقة بسياسات بوش الصغير والكونغرس غير قادر على إحداث تغيير، وتقرير بترايوس –كروكر يأتي ضمن هذا الإطار، إذ أنه لم يكن تجميلاً زائفاً وحسب إنما كذب صراح عن واقع انخفاض العنف في العراق، ومحاولة لكسب الوقت الذي قدرته بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأميركي عن الحزب الديمقراطي بعشِر سنوات لبقاء الجيش الأميركي وهذا شيء غير معقول، كل هذا حتى لا يقال أن أميركا هزمت في العراق.
إنها الفترة الغير منضبطة فيما تبقى من مفردات تضليلية على الرئيس بوش أن يقول بها-كما يظهر من التقرير- ليكمل صولاته البطولية قبل انقضاء مدته الرئاسية الثانية. وإمكانية الحرب على سوريا وإيران قد تبدو واحدة من تلك المفردات المتبقية.
فهل من دروس مستفادة.. إذا!؟
إن واحداً من أهم الدروس المستفادة في الخطاب السياسي الأميركي الحالي والذي على الولايات المتحدة الأميركية أن تتعلمه جيداً في المستقبل أنه إذا جاء رئيس أميركي يطلب احتلال دولة ما خاصة في الشرق الأوسط فسيواجه بصعوبة كبيرة في الحصول على الموافقة مهما حاول من تزييف الوقائع تسويغاً للحرب وإن كان من جملة ذلك الحرب على الإرهاب، كما حصل في مبررات الحرب على العراق.
وثاني أهم درس ولعله الأهم على الإطلاق، هو ضرورة كسب الدعم من السكان المحليين وأبناء المنطقة في حال الحرب الأمر الذي يتطلب وجود فهم عميق للواقع السياسي والديني والثقافي للمنطقة، وهي تجارب لابد أن تؤخذ بعين الاعتبار بعد حرب أفغانستان والعراق ذلك أن القوات الأميركية عندما تحوز على دعم السكان المحليين تستطيع هزيمة الإرهابيين. ومن هذا يُستشف ضرورة التمييز بين المسلمين والإرهابيين، في واقع أدركته أميركا متأخراً، كلف العراق أرواح كثير من المدنيين لأنهم مسلمين، إن أهمية هذا الدرس تتجلى فيما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية مستعدة لإعادة النظر في مواقفها من بعض الجماعات والحركات الإسلامية العربية على الأخص، خاصة تلك التي تقاوم الاحتلال في فلسطين من الجهاد الإسلامي إلى حماس والاعتراف بها على أنها حركات مقاومة وليست إرهابا.
وفي قراءة لما بين السطور من دروس العراق المستفادة أميركاً لا بد من الإشارة الى دور النفط واللوبي الصهيوني في التحفيز لتلك الحرب.
فالنفط لم يكن الدافع الأساس من الحرب- ادعاء كاذب ومتدارك في حسابات اللحظة الأخيرة والعبر المستفادة- وذلك حسب ما يدعيه الخطاب السياسي الأميركي ويبرره من أن أميركا تحصل على نسبة ضئيلة من احتياجها النفطي من الشرق الأوسط وهي نسبة لا تتجاوز العشرين بالمائة في حين تحصل على الجزء الرئيس من أميركا الشمالية وأفريقيا، إنما دور النفط المعقد في تاريخ السياسة الإستراتيجية الأميركية ما تطلبها أن تمنع سيطرت دولة واحدة على المنطقة والتحكم في سوق النفط وإمداده.
وكذلك التساؤلات التي دارت في البحث عن الدافع بشأن دور اللوبي الصهيوني وقدرته في دفع الإدارة الأميركية على احتلال العراق على الرغم مما تمثله الصهيونية الأميركية من وجهات نظر مختلفة وعدد اليهود الضئيل في أميركا بنسبة لا تتجاوز 2%.حيث أن راسل ميد- في تدارك آخر- يبدي أسفه عن الأخطاء التي وقعت في تلك الحرب والتي تم إغفال الكثير من حقائقها عن الرأي العام الأميركي على الرغم من كونه 87% مسيحيون، إذ يقول في تبرير تلك العلاقة بين أميركا وإسرائيل: إن النقاش يدور هنا عن حيوان هو الكلب وبالتحديد عن سؤال أين ذيله من رأسه؟ هل أميركا هي الذيل أم إسرائيل؟ أم العكس. مع رمزية ما يمثله الكلب من وفاء واستعماله لهذا الرمز في توصيف دلالي عن متانة العلاقة واللبيب من الدلالة يفهم.
إن نفوذ أميركا الواسع في العالم وقراراتها ذات التأثير على مجريات الحدث العالمي يقتضيان سطوة ولا يعنيان حكمة حيث لازال الهاجس الأميركي يفاضل بين الإحساس بالهيمنة والسعي وراء البقاء في سوم العالم مغبة سياسات جائرة تورده فشلاً وراء فشل بسبب من تلك السياسات الغبية، والغيبية الأيديولوجية للتدين البروتستانتي المسيطر على فكر قادتها.
أن أميركا رجل العصر المريض إمبراطورية آيلة للسقوط وأن كان هنالك من دروس قد استقتها من حرب العراق فهذا قدرنا عبر التاريخ من خلال عبر نلقنها جلادنا على حساب دمنا الطاهر دفاعاً عن الإنسانية وقيمنا العربية الإسلامية الأصيلة وهي ضريبة لا أدري لماذا على العرب أن يدفعوها دائماً صوناً للبشرية جمعاء؟ د. علاء الدين شماع
كاتب وباحث - سوري