كيف تحصل على لجوء سياسي في مصر المماليك؟

القاهرة
المماليك استفادوا استخباريا من اللاجئين

يرصد باحث مصري بدايات ظاهرة اللجوء السياسي في عصر المماليك في القرن الثالث عشر الميلادي وكيف صعد بعض اللاجئين الاجانب الى أعلى المناصب وفي المقابل استفاد المماليك منهم في معرفة "العدو".

ويقول سند أحمد عبد الفتاح أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس ان حالات اللجوء السياسي أو "الاستئمان" كثرت في عصر الدولة المملوكية (1250- 1517) لاسباب سياسية واقتصادية وعسكرية وان بعض اللاجئين كان هاربا من العدالة أو متآمرا على دولته.

ويستعرض عبد الفتاح قضية "الاستئمان" في كتابه "عز الدين بن شداد مؤرخا" الذي ولد عام 1217 ميلادية في مدينة حلب السورية وغادرها بعد الاجتياح المغولي عام 1260 قادما الى القاهرة وظل بها الى أن توفي عام 1285 وبهذا شهد المرحلة الانتقالية بين سقوط الدولة الايوبية وبدايات الدولة المملوكية على يد مؤسسها الظاهر بيبرس البندقداري.

ويتناول الكتاب السير الذاتية والعلمية لابن شداد الذي كان مقربا من بيبرس وعني بالتأليف والتأريخ فكتب "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر" وهو لقب بيبرس ومن كتبه التاريخية "تحفة الزمن في طرف أهل اليمن".

ويقع الكتاب في 500 صفحة متوسطة القطع ويصدر الخميس في القاهرة عن دار رؤية للنشر والتوزيع.

ويقول المؤلف ان ابن شداد أفاض في تناول ظاهرة "الاستئمان" التي شجعت على تدفق جموع الوافدين الاجانب الى مصر والشام "حيث قوبلوا بالاحترام والاكرام فاعتنقوا الاسلام وأصبحوا من المماليك ووصلوا الى أعلى المناصب والرتب دون تفرقة حتى صار اللجوء السياسي مصدرا من مصادر المماليك".

وفي المقابل يشير الى أن انتقال بعض المماليك والخارجين على السلطان كان نادرا وأن المماليك استفادوا من كثرة اللاجئين الاجانب في "معرفة أحوال عدوهم (...) والعمل على تشجيع غيرهم على الهجرة الى بلاد المماليك".

ويشير عبد الفتاح الى أن المغول غدروا بالوافدين اليهم وقتلوهم حيث استأمن أهل بغداد المغول فأمنهم هولاكو وشجع سلوكه اخرين على الحضور اليه. وينقل المؤلف عن ابن شداد قوله ان المغول "قسموهم ألوفا ومئات وعشرات وقتلوهم جميعا" كما قتلوا الملك الصالح صاحب الموصل بعد تأمينه عام 1260.

ويشير الى أن بيبرس شجع نوابه في الشام على اكرام الوافدين من المغول "وخرج بنفسه لاستقبالهم" مضيفا أن الخوف تسلل الى بيبرس من كثرة وفود المغول الى القاهرة حيث كانت بعض الوفود تضم أمراء وأنه عرض عليهم الاسلام فأسلموا "فكان بذلك مبدأ كفاية شرهم".

ويضيف أن ابن شداد أحصى أعداد المغول الوافدين الى الدولة المملوكية خلال حكم بيبرس (1260-1277) "فوجدها زهاء ثلاثة الاف فارس" وتولى بعضهم مناصب في الجيش أو بجوار السلطان.

وفي رأي عبد الفتاح ان ابن شداد مؤرخ يتسم بالموضوعية فحين تناول الدولة الفاطمية (973-1171) التي اعتمدت المذهب الشيعي في مصر "عبر عنها تعبيرا رائعا نادرا ما يوجد في المصادر الاسلامية الاخرى" اذ أطلق عليها "دولة المصريين" في حين كان يلصق بعض المؤرخين بها صفة "الكفر".

كما كان معاصرا لاحداث عسكرية منها حملة بيبرس على النوبة التي كانت تابعة للدولة المملوكية اسميا وكان ملوكها يدفعون الجزية مقابل حمايتهم لكنهم كانوا يمنعونها كلما قويت شوكتهم "بل قاموا بشن الغارات على مناطق الثغور الاسلامية" جنوب شرقي مصر.

ويروي أن بيبرس انتهز عام 1276 صراعا دائرا على عرش النوبة فانقض على ملكها داود وأرسل حملة الى النوبة ودارت معركة في دنقلة انتهت بهزيمة ساحقة للجيش النوبي حتى "قتل منهم ما لا يحصى وأسر أكثر مما قتل حتى بيعوا بثلاثة دراهم للرأس" وفر ملك النوبة ثم قبض عليه ومنذ تلك الفترة خضعت بلاد النوبة للدولة.