المتنبي وعصره بين البحث والرواية

بقلم: محمد أحمد السويدي
يوميات دير العاقول: تفكيك الزمان وإعادة تركيبه

تفضل بعض الأصدقاء مشكورين بلفت انتباهي إلى تشابه حادث في الفكرة التي اختارها الروائي الأستاذ محمد جبريل مدخلاً لروايته المعنونة "من أوراق أبي الطيب المتنبي"، والمنشورة عام 1984، وبين قصة عثور أحدهم على مخطوطة اتضح أنها للشاعر العربي الكبير أبي الطيب المتنبي، والتي اخترتها مدخلاً لعملي المعنون "يوميات دير العاقول" وهو المكان الذي لقي فيه الشاعر مصرعه.
وحقيقة الأمر أنني لم أحظ بفرصة الإطلاع على رواية الأستاذ جبريل إلاّ منذ أيام قلائل حيث حالفني التوفيق في الحصول على نسخة منها.
ولست هنا بصدد الدفاع أو تقديم المبررات، وإنما دافعي للكتابة هو أولاً تقديري لهؤلاء الأصدقاء الذين تكرموا بلفت انتباهي إلى الأمر، ثم حرصي على التواصل مع النخبة من القراء من أصحاب الوعي والثقافة ممن كانوا أكثر حظاً مني في الإطلاع على رواية الأستاذ جبريل في أوقات مبكرة، والذين ربما لم تتح لهم الفرصة كاملة للإطلاع على عملي "يوميات دير العاقول" لأنه-من جهة- ما زال قيد الكتابة والتطور، كما أنه من جهة أخرى لم يصدر في نسخته الورقية بعد، وإنما تم تدشين نسخته التفاعلية على موقع الوراق، ونشرتْ الصحافة العربية مختارات ومقتطفات منه لا أظنها بأي حال قادرة على إيضاح الصورة الكلية للعمل؛ حيث يختفي في هذه المختارات الترابط العضوي بين اليوميات بينما أراه الرهان الحقيقي في هذا العمل الطويل.
ولا أظن أنني في حاجة إلى القول بأن اهتمامي بالمتنبي شاعراً وإنساناً لم يبدأ مع تاريخ إعلاني عن "يوميات دير العاقول"، وأن علاقتي البحثية بهذا الشاعر وبعصره قد بدأت قبل ذلك بزمان، أنجزت خلالها عدة مشاريع مسموعة ومقروءة ومرئية، منها أول موقع على الشبكة يضم ديوان المتنبي كاملاً مع عشرات الشروح، بالإضافة إلى أداء صوتي للقصائد على الموقع:
www.almotanabbi.com
وقد كان شغلي الشاغل منذ خطفتني ربّة الشعر قراءة منجز المتنبي الشعري بعين الباحث قبل عين الأديب، كما كان همي الوقوف على جُلّ –إن لم يكن كل- ما حوته كتب التراث والتاريخ عن حياته وعن تفاصيل العصر الذي عاش وأبدع فيه، القرن الرابع الهجري، ذلك العصر الذي رسخ في أذهاننا باعتباره العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.
لقد شغلني المتنبي وعصره فكنت أحرص على التقاط كل واردة وشاردة تخص هذا العصر، وقد دفعني الهاجس والرغبة إلى تحرّي صورة عصر المتنبي خلال يوميّات أسميتها "يوميات دير العاقول" التي أسرتني فكرتُها، وتحت وطأة هذا الشعور بدأت في التدوين، وما زلت في منتصف الطريق، إذ دونت ما يربو عن 160 يومية، أتوقع أن تصل إلى أكثر من ثلاثمائة يومية وفقاً للتسلسل الذي رسمته للأحداث.
لست في حاجة إلى أن يبدو كلامي السابق وكأنه دفاع أو تبرير لما حدث من تشابه بين مدخلي العملين، لأن "ثيمة" إقامة عمل ما على فكرة العثور على مخطوطة ثم الانطلاق منها هي بالأساس فكرة ليست بمبتكرة، ولا يمكن أن ننسبها إلى شخص بعينه، وإنما هي طريقة درامية –إذا صح التعبير- تكرر استغلالها وسوف يتكرر في العديد من أنواع الإبداع الفني.
وإذا كان الداعي الأساسي لتوهم وجود تشابه بين العملين هو ارتباط الأمر بالشخصية نفسها، أي الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي، ففي رأيي لا يجوز لمثقف مهتم أن يكتفي بهذا التصور المبدئي للحكم على عملين يختلفان كل الاختلاف من حيث النوع الفني ومن حيث منهج التناول.
فبينما ينسج الأستاذ محمد جبريل في عمله روايةً يُطلق فيها العنان لمخيلته المبدعة ويختار من التاريخ ما يمكنه أن يتحول إلى إسقاطات فنية على واقع يريد أن ينتقده، فإن الفكرة الرئيسة في "يوميات دير العاقول" إنما هي تفكيك الزمان وإعادة تركيبه في محاولة لتحقيق رغبة تنتابني تجاه تاريخنا بشكل عام، حيث أرغب في إعادة النظر في هذا الكم من المسلمات والأفكار الثابتة التي تثقلنا وتحول دون امتلاكنا نظرة موضوعية إلى ذواتنا وتاريخنا.
على هذا الأساس فإن منهجي في كتابة اليوميات اقتضي مني البحث في تفاصيل صورة العصر كما عاشه المتنبي في محاولة لإعادة قراءته، معتمداً آليات موضوعية للربط بين الروايات وتتبعها، مع محاولة تفهم دوافع الاختلافات الكبيرة بين الرواة والمؤرخين الذين كان بعضهم محكوماً بانتماءاته أو بخوفه أو بطمعه أحياناً.
وإذا كان متنبي الأستاذ جبريل هو بطل متخيل في عمل روائي لا يُقاس على مسطرة التاريخ، (دون أن يتضمن ذلك حكم قيمة على العمل)، فإن المتنبي في "يوميات دير العاقول" هو نفسه المتنبي، الشاعر الذي عاش في الفترة بين (303 هجرية) إلى(354 هجرية) من القرن الرابع، لأن اختياره نابع من كونه رجل غير اعتيادي عاش في هذا العصر الذي أردت تقديم قراءة أخرى له، ولأنه يمتلك كل المواصفات التي تؤهله لأن يكون (حاملاً) قوياً للرسالة التي أردت إيصالها من خلال إعادة تشكيل فسيفساء أحداث وتنظيم نبض الحياة في ذاك العصر.
ومن هذه الزاوية فإن أبا العلاء المعري يصلح عندي أيضاً لأن يكون (حاملاً) جيداً أعيد من خلاله إعادة قراءة القرن التالي، وفي ظني ما كان هذا اللبس ليقع لو كان اختياري قد توجه إلى أبي العلاء.
من ناحية أخرى فإن المتنبي في "يوميات دير العاقول" ليس راويةً بالمعنى التقليدي للكلمة، فقد وضعت على لسانه كل هذه الحكايات التي حرصت على تتبعها في مصادرها وتحري الدقة إلى أقصى قدر ممكن، فالأساس في هذا العمل هو (التشكيل)، لأنني أهدف إلى إعادة فك وتركيب ذاك العصر ليصل إلى القارئ في مشهديّة تضجّ بالصخب والحياة والناس والأحلام وغير ذلك، واختيار مدخل العثور على مخطوطة واعتماد نسق اليوميات ما هو إلا (لباس فني) حاولت من خلاله كسر ما عرفته عمليةُ كتابة التاريخ من نمطية.
إنني أعمل على اليوميات كما يعمل موسيقي على مقطوعته، ربما أعيد رواية القصة أكثر من مرة في أكثر من موضع بأكثر من شكل، كلحن يتردد في العمل الموسيقي بين آونة وأخرى، إلا أن كل هذه المقطوعات أصلية يمكن تتبعها في أصولها ومصادرها.
حتى تلك اليوميات التي قمت بنحتها بشكل خاص، فإنما هي نتيجة لاجتهادات بحثية توصلت خلالها إلى نتائج قمت بصياغتها في يوميات تكتسي الطابع الأدبي، مثل يومية العرَّافة التي بشرت بميلاد الشاعر، متنبئة بتفاصيل حياته، مشيرة إلى أنه سوف "ينتهي به المطاف وحيداً، محطّما كموجة على الصخور"، هذه اليومية لم تكن وليدة الخيال المحض، إنما هي نتيجة لاجتهاد دقيق لمعرفة إلى أي برج ينتمي المتنبي، وذلك من خلال ما ورد في الكتب عن مواصفاته الشخصية وكذلك من خلال أشعاره.
وقد رجحتْ الأبحاثُ التي قمت بها أن يكون المتنبي من أبناء الجوزاء؛ وذلك لانطباق مواصفاته على مواليدها الذكور، وأعترف بأن هذا ترجيح أملاه عليّ إهتمامي بالأبراج ومحاولة فكّها رياضياً، وهو موضوع يطول شرحه.
ويتكرر الأمر في يوميات أخرى منها يومية "الخروج من مصر" مثلاً، والتي تضمنت خلاصةَ جهدٍ بحثي توصلت من خلاله بالأدلة الموثقة إلى أن المتنبي لم يخرج من مصر مهزوماً وإن احتال للخروج، بل استقبلته قبائل العرب استقبال الأمراء كما يليق بقامة شعريّة يعتد بها في زمانه، كما أنه لم يتخل بخروجه من مصر عن حلمه بالإمارة الذي ظل شاغله الأول خلال الجزء الأخير من حياته، بل توصلتُ إلى أن سعيه وراء هذا الحلم كان السبب المباشر والرئيس في خروجه من مصر وكذلك في مصرعه، وهو ما لم يأت على ذكره باحث من قبل، في حدود ما طالعت من كتب، ولا أعلم إن كان هناك من سبقني إلى ذلك.
وخلاصة اجتهادي في هذه النقطة، كما صغتها في اليومية، تقول إن المتنبي بعد أن خرج من حلب مخلفاً سيف الدولة، متوجهاً إلى مصر -حيث لم ينل مراده من المكوث لدى كافور- قصد الكوفة فبغداد محاولاً الوصول إلى معز الدولة عبر وزيره المهلبي الذي خذله وألّب عليه شعراء (سفهاء) كما أسماهم المتنبي في يوميّاته، فتوجه إلى عضد الدولة، وكان على علم بما بينه وبين عمه معز الدولة وابن عمّه بختيار (صاحب فاتك قاتل المتنبي) من عداوة، إلا أن نفس المتنبي الطامحة إلى الحكم أمرته بخوض اللعبة إلى آخرها وإن كان فيها مصرعه، وهو ما كان.
لا شك عندي في أن الحديث عن العمل ليس كقراءته، وأنه لا يمكن لمقالة مهما بلغ حجم جهدي في صياغتها أن تلخّص ما أريد قوله في "يوميات دير العاقول" خاصة وأن النص مفتوح، ما زال، على احتمالات كثيرة بقدر ما يطرأ على معرفتي من تغيرات خلال البحث والقراءة، وهو أمر يتطلب من المهتمين التواصل مع العمل في موقعه التفاعلي على موقع الوراق:
www.alwaraq.com
والتواصل معي بشأن ما يرونه من ملاحظات قد تفيد في تطوير العمل أو حتى تغيير مساره إذا استدعى الأمر ذلك، لأن إعادة قراءة التاريخ وفق هذه الطريقة التي أحاول التأسيس لها، إنما هو مشروع حياة بالنسبة لي/لنا، بدأته وأتمنى أن أنجح في استكماله، ولا أخفي أنني بصدد الإعلان عن مشروع مواز لإعادة تقديم حقب تاريخية أخرى هامة من خلال إعادة ترتيب فسيفساء التاريخ المنثورة بين الكتب وتخليصها من شوائبها الكثيرة.
ما خلصت إليه –حتّى اللحظة- من خلال هذا البحث المرتدي لباس اليوميات هو أن القوانين التي حكمت عصر المتنبي ما زالت تحكم عصرنا، رغم كل ما ندعيه من تطور وحضارة.
لقد كانت الفتنة الطائفية والمذهبيّة في ذلك الزمان فتنة وقودها الناس، ولا زالت في عالمنا العربي تتغذى على الناس كل يوم، لم يجدّ جديد سوى أن وسائل التدمير أصبحت أشرس، وكأن القرن الحادي والعشرين مرآة للقرن العاشر إلا أنها مرآة مكبرة تعكس كل السلبيات، ما زال الخطاب الديني المتطرف يحكم مصير شعوب بأسرها، ولا زالت القيادات التي حكمت القرن العاشر فقمعت وقهرت وقتلت وعذبت وابتذلت موجودة في غير مكان من أرض العرب في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وكأن أحداً لم يسمع بمفاهيم الديمقراطية منذ الإغريق وصولاً إلى عصر فولتير، وجان جاك روسو، وغيرهما من مفكري عصر التنوير.
لا زالت مجتمعاتنا تعيش حالة المذهبيّة والطائفية والتفرق، وتخضع لأوهام السحر والشعوذة، والتشبث بماض وهميّ لم يكن له وجود، لم يقرأ ويمّحص بعد، وتشهد على ذلك فضائياتنا المكرسة لذلك والتي تزداد عدداً ويزداد مشاهدوها كل يوم، وهو أمر يؤسف له.
ما زال المبدع العربي إما موظفاً لدى السلطة أو لدى المؤسسة الخاصة، وهو امتداد للاستجداء الذي وصموا به الشاعر والأديب في زمان المتنبي، وأنا لا أغفل عن الحاجة التى تدفعنا/تدفعهم لذلك، فعلى حدّ قول الفيلسوف الإغريقي كم من "مصابيح لا تُمدّ بالزيت"، ألم يكن الأمر كذلك في ذلك العصر؟.
في النهاية، أشكر كل من اهتم بالأمر، وأشكر من لفت انتباهي إلى رواية "من أوراق أبي الطيب المتنبي" التي رأيت أنها بالفعل جديرة بالقراءة والتقدير. محمد أحمد السويدي