تونس: جيل جديد في قيادة الحزب الحاكم

الأستاذ علي بنصير وجه قيادي صاعد في هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي في تونس وهو على وجه الدقة والتحديد عضو باللجنة المركزية للحزب الحاكم، وجه شبابي لم يتجاوز عقد الأربعينات وربما يكون أيضا في نهاية عقد الثلاثينات، وهو رجل متكلم وذو سلاسة وبلاغة وفصاحة في التعبير قلما تجدها في قيادات الأحزاب الحاكمة ببلادنا العربية.
لم يحصل لي الشرف بلقاء الرجل وجها لوجه ولكن كان لي الشرف منذ أشهر وأسابيع وأيام برؤيته على الشاشة الصغيرة محاورا لبقا في موضوعات عربية وأخرى ذات علاقة بالشأن التونسي، وهو ماجعلني أزداد قناعة بأن مايروج عن قيادات الحزب الحاكم ورموزه من كليشيات على مستوى الأوساط التونسية المعارضة أمر يحتاج الى المراجعة والتنسيب واعادة النظر.
تحدث الأستاذ بنصير في مناسبتين على فضائية الأي ان بي في حوار جميل وهادئ وراق مع زميلنا الأستاذ برهان بسيس، وهو ما جعلني أخرج بانطباع مختلف تماما عما قيل لي أيام دراستي الجامعية بتونس عن قيادات التجمع الدستوري الديمقراطي.
ولا أخفي على القارئ الكريم أن فرص الاحتكاك بالعناصر التجمعية أيام الدراسة الجامعية كان ضيقا الى أبعد الحدود ولقد نصحني أحد أصدقاء الحارة يوما بالاستماع الى الأستاذ عبدالرحيم الزواري كواحد من أبرز القيادات التجمعية وواحد من أبرز الوزراء المفوهين غير أن انكبابي على الدراسة يومها وانغماسي في نشاطات الحركة الطلابية الاحتجاجية سلب مني كثيرا من الطاقات والأوقات.
وبحكم تواجدي الاضطراري في فترة لاحقة بالمنفى، وفي ظل احتدام الصراع بين الحركة الاسلامية التونسية والسلطة ومع انضمام قطاعات أخرى من المجتمع المدني الى الوسط المعارض تعزز لدي الانطباع بأن مساحات التواصل والفهم بين النخب التونسية جد ضيقة ومحدودة وهو ما عزز وفاقم من مساحات الاختلاف والاشتباك، بل ان قناعتي بتهافت بعض الطروحات الراديكالية بالوسط السياسي المعارض ازدادت رسوخا مع اقترابي أكثر من أغلب الوجوه القيادية البارزة بالمهجر، حيث ازددت ايمانا بأن مزيجا من التنازع على السلطة ومساحة واسعة من الطموح الشخصي ذهبت بطاقات شبابية وعلمية متألقة في أدراج الوهم والحلم الوردي.
لقد ناضلنا ومازلنا نناضل الى اليوم من أجل مأسسة الدولة التونسية وترسيخ قيم العدل واحترام القانون، وهو ما جعل أصواتنا لا تمل الى حد الساعة معزوفة الاصلاح والتطوير السياسي وبناء منظومة حقوقية وقضائية قوية ومستقلة تشكل سلطة رادعة في بيئة عربية ومغاربية وتونسية تحتاج الى كثير من الاصلاحات القانونية والسياسية. ولذلك لن نخشى اليوم من كليشيات الماضي ومسلمات الخطاب السياسي النقائي والطهوري، الذي كان يلوح به في وجوهنا يوم كنا طلابا بين أسوار الجامعة التونسية.
الحديث عن الأحزاب الحاكمة وأطرها القيادية وأدائها العام لابد أن يراجع اليوم من زاوية أن ليس كل ما تقدمه المعارضة من خطابات ووعود وممارسات يعد أفضل مما نراه في المشهد السياسي الحاكم، اذ أن تجارب الجبهة القومية الاسلامية في السودان وحماس في غزة والثورة في ايران أثبتت أن للمعارضة متطلباتها وللدولة منطقها واحتياجاتها. بل انني عايشت من خلال تجربة ميدانية زادت عن العقد ونصف المشهد السياسي الغربي من نافذة قربي من تجربة حزب الخضر الألماني، الذي تميز أداؤه السياسي في المعارضة بالاحتجاجية والوعود ليخفت بريقه فيما بعد حين مارس السلطة واصطدم باكراهات الواقع الداخلي وضغوطات المجتمع الدولي، وهو ما حصل أيضا لشريكه السابق الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
الفارق بين تجاربنا السياسية وتجاربهم هو أن الالة الأمنية لا تتدخل بشكل مباشر في الحياة السياسية بل انها تخضع لتراتيب ومنظومات قانونية تجعلها في خدمة وحماية الوطن والمواطن، وهو ما يجعل التجربة السياسية الغربية أكثر اشعاعا ومرجعية وتألقا لدينا كسليلي الدولة العربية التحكمية.
وبالعودة الى منطلق حديثنا الأول فانني اكتشفت في الأستاذ علي بنصير من خلال مشاهدته والاستماع اليه فضائيا قدرة على التحليل والفهم كما ذكاء في تفكيك لعبة الصراعات الداخلية بالمنطقة العربية وقوة ذهنية في رصد ما يحدث من تحولات اقليمية ودولية.
ما لفت انتباهي عند الاستماع الى الرجل هو رفضه القاطع لما أسماه بالعلمانية المتطرفة والاسلاموية المراوغة، وهو ما جعلني أرصد ولأول مرة تحولا لافتا في عناصر قيادية بارزة بالحزب الحاكم، حيث ساد الاعتقاد ومن خلال الممارسة بأن النموذج اللائكي المتطرف مازال مستحكما في المشهد السياسي العام تونسيا.
واذا كنت لا أستطيع التعميم بأن رؤية الأستاذ بنصير تشكل الرؤية الغالبة في الأطر القيادية للتجمع الدستوري الديمقراطي، الا أنني أستطيع القول بأن رفض التطرف من الجهتين المتصارعتين داخل الفضاء النخبوي يعد توافقا كبيرا بيني وبينه في الأفكار، حيث سبق لي وأن كتبت عن رفضي لتحويل العلمانية الى دين وعقيدة شوفينية متسلطة، كما وسبق لي وأن حبرت عشرات المقالات التي اعلنت فيها عن مراجعة نقدية لاداء الحركة الاسلامية العربية ومن ثمة رفضي لما يمارسه بعض قادتها من توظيف متقلب وملتف للنص الاسلامي المقدس.
لقد كتبت عن مراجعات ضرورية داخل الحركة الاسلامية التونسية وعن مراجعات أخرى ملحة داخل الفضاء الحزبي الاسلامي المؤمن بوسطية الاسلام واعتداله وسماحته وخيريته عالميا، ودعوت الى جعل الاسلام قاسما مشتركا ومرجعية محترمة في فضائنا التشريعي والثقافي العام، كما ألححت في كل مرة على الزامية ابعاده عن سوق البورصة السياسية رغبة مني في الحفاظ على استقرار أسهمه وصعودها في مهج الناس.
ولعل الله وفقني الى دعوة الأطراف العلمانية في منطقتنا العربية من أجل الالتقاء على ارضية الانساني والوطني والديني المشترك بدل تضييع أجيال كاملة في جدلية بيزنطية لن تزيد منطقتنا العربية والاسلامية الا نكوصا وتخلفا، وهو ما يدعوني اليوم من جديد الى مباركة كل تحول ايجابي ولو بسيط تشهده بلادنا او دول المنطقة على طريق فك الاشتباك بين علماني حاكم واسلامي معارض، أو اسلامي مشارك في الحكم وعلماني متربص، أو اسلامي مكتسح للحكم وعلماني مستقوي بالقوى الدولية النافذة.
انها فرصة من أجل توجيه التحية الى واحد من قيادات اللجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي، وهي فرصة لتحويل الحوار من أدواته الأمنية الى سياقاته الطبيعية وهي الكلمة الشريفة والقلم النظيف، وما أظن النفس قد أساءت الاختيار والتوقيت، بل انها بداية لازالة الريبة والشكوك والحواجز بين أبناء الجيل الواحد والوطن الواحد حتى وان تباينت المسافات ووقع التشويش على الرؤى المشتركة بعد الابتعاد قسريا عن أرض الوطن. مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي- رئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية reporteur2005@yahoo.de