رقصة 'اليانكي' الاخيرة في العراق

بقلم: فيصل جلول

نشرت صحيفة "لو كانار انشينيه" الأسبوعية الفرنسية الساخرة في عددها الفائت برقية من السفارة الفرنسية في بغداد قالت أنها حظيت بإجماع فريق المخابرات الخارجية فضلا عن ديبلوماسيي السفارة الفرنسية في العاصمة العراقية. تنطوي البرقية على تفاصيل متعلقة بزيارة جورج بوش الخاطفة لقاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار ولعل من المفيد الإشارة إلى الفقرة الأبرز فيها ".. هبط بوش في قاعدة الأسد الواقعة على بعد 180 كلم من العاصمة العراقية. ولضمان سلامته انتشر آلاف من مشاة البحرية على مسافة 27 كلم وفي المساحة نفسها كانت الحراسة الجوية مكثفة بواسطة المروحيات وطائرات الرصد بدون طيار. واستدعى بوش مساء على جناح السرعة رئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس الجمهورية جلال الطالباني والزعيم الكردي مسعود البرزاني فضلا عن زعماء العشائر المنضمين حديثا للقوات الأميركية في الأنبار ومن بينهم عبد الستار أبو ريشة وهو زعيم عشائري شاب (36 عاما) جمع ثروة طائلة من خلال قطع الطرق وعمليات التهريب بين العراق والحدود مع سوريا والأردن. بوش أراد أن يظهر من خلال هذه الزيارة سيطرته على محافظة الأنبار المتمردة في محاولة لإقناع الكونغرس والأميركيين أن النجاح ممكن في العراق."
بعد مضي أيام على لقائه مع بوش سقط أبوريشة صريعا بانفجار استهدف سيارته ليتضح أن ما بناه الرئيس الأميركي خلال عام في الرمادي انهار في يوم واحد وبالتالي تبدد معه حلم "النجاح" الموهوم في بلاد الرافدين. بيد أن أخبارا أخرى لا تقل سوءا كانت في طريقها إلى البيت الأبيض.
بعد أيام من زيارة الرمادي صدر كتاب آلان غرينسبان الرئيس السابق للاحتياطي الفدرالي والذي كان يعد حتى العام الماضي الشخصية الثانية الأقوى في الولايات المتحدة بعد بوش وفي كتابه يكشف النقاب عن أن واشنطن شنت الحرب على العراق من اجل النفط معتقدة أن نظام صدام حسين يشكل تهديدا لامدادات النفط الشرق أوسطية ويلاحظ غرينسبان أن سوء إدارة بوش أفضى إلى عجز قياسي في الموازنة العامة وصل إلى 413 مليار دولار عام 2004.
بعد غرينسبان كان على بوش أن يتلقى أثر المزاج المتعكر لـ "توماس فريدمان" صاحب الافتتاحيات الشهيرة المؤيدة للحرب على العراق ومن بينها افتتاحية حول "الإصبع العراقية البنفسجية التي ستغير مصير الشرق الأوسط". فريدمان صار من اشد المنتقدين لسياسة بوش العراقية إلى حد أنه يصادق في تعليقه الأخير على أن رئيس بلاده تنازل في خطابه الإذاعي ".. في لحظة واحدة تنازلا مزدوجا عن مسؤولياته مخليا السبيل للجنرال ديفيد بترايوس ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ليحلا محله. فقد ترك شأن إدارة وتسيير الحرب للجنرال بيترايوس، بينما وقع على المالكي عبء وضع الجدول الزمني لانسحابنا، في حين أصبح متروكاً للديمقراطيين تقرير الكيفية التي يضعون بها حداً للحرب بمجملها". ويضيف فريدمان مؤكدا على "... ما جاء على لسان النائب الجمهوري آيك سكيلتون، رئيس لجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب، إذ قال في مقدمة حديثه:"علينا أن نضع في الاعتبار الأمن الشامل وليس الجزئي لأمتنا، ونحن نناقش هذه الحرب. ومن مسؤوليتنا هنا في الكونغرس، وبموجب نصوص وأحكام الدستور، أن نؤمن قدرة الجيش الأميركي على ردع أية مخاطر أمنية على بلادنا، وأن يكون قادراً على بسط هيمنته وسيادته، في أي بقعة من بقاع الأرض تهدد فيها مصالحنا الحيوية. ولا شك أن العراق يمثل جزءاً مهماً من هذه المعادلة، إلا أنه يظل جزءاً منها فحسب وليس الكل. وعندما ترسل بلادنا 160 ألفاً من مقاتليها إلى العراق وحده، فإن ذلك يعنى أن كل هذا العدد الضخم من مقاتلينا لم يعد متوفراً لابتعاثه إلى مهام أخرى حول العالم". هكذا لم يعد لدى بوش من يكتب معه.. حتى فريدمان.
عندما يضطر زعيم القوة الأعظم في العالم إلى التسلل خفية إلى بلد يحتله 160 الف جندي أميركي وتقف على مقربة منه ثلاث من حاملات الطائرات الأضخم في العالم، وعندما يضطر إلى استدعاء "حكام العراق" المزعومين على عجل إلى لقاء دون أن يخطرهم مسبقا بزيارته لعدم ثقته بهم، وعندما يصل به الأمر إلى حد الرهان على "صورة" تجمعه مع أحد "المهربين" المحليين لإقناع الرأي العام والكونغرس في بلاده أن "الانتصار ممكن في العراق" فلا تصمد ذريعته الوحيدة أربعة أيام بعد الصورة، وعندما يقول فريدمان أن رئيسه يلقي بمسؤولياته العراقية على موظفيه العسكريين وعلى "حكام" العراق الذين يدينون ببقائهم لجيشه، وعندما يصل فضح حجج الحرب الحقيقية إلى لسان الرجل الأقوى في أميركا بعد الرئيس، عندما يحدث ذلك كله في أسبوع واحد فانه لا يتيح إلا استنتاجا واحدا هو أن القوة الأعظم في العالم باتت أشبه بأسد كهل ما زال يحتفظ بكامل أنيابه ومظهره الخارجي لكنه عاجز عن الإمساك بفريسته.
في كتابه الصادر قبل أربع سنوات بعنوان "ما بعد الإمبراطورية" توقع الباحث الفرنسي إيمانويل تود أن تكون حرب العراق الرقصة الأخيرة "لليانكي" في العالم مستندا إلى حجج اقتصادية وسياسية وإلى نظام العلاقات الدولية ولو أراد اليوم متابعة بحثه لاضاف اليه السؤال التالي: هل سبق أن انتقد "حاكم" تابع إمبراطوره بالسهولة التي ميزت انتقاد نوري المالكي لجورج بوش مطالع الصيف الماضي؟ ولعله يستنتج أن الإمبراطورية الأميركية ربما لم تعد قائمة إلا في عقول العرب الخاضعين وحدهم. فيصل جلول