متى يكون القاص أديباً؟

بقلم: زياد العيساوي
الأدب أكثر من ذلك

متى يكون القاص أديباً؟ وهل في القصة أدب؟
في واقع الأمر، أن هذين السؤالين، ما هما في الأصل إلا سؤال واحد مركب، ينتهي بعلامة استفهام واحدة، ويربط بين شقيه حرف العطف (الواو) لا كما وردا وتمظهرا في السطر الأول من هذا المقال، وما ذلك إلا لأنني ابتغيت أن أجعل إجابة الشقّ الأول مُحقّقة لإجابة الثاني، سواء بالسلب أو بالإيجاب، أي بمعنى، أن معرفة الأولى ستغنينا عن الخوض في غمار البحث عن الثانية، وبذا سنكون تناولنا السؤالين في مقال واحد.
ماذا لو أننا جعلنا ضربة البداية تكون من السؤال الثاني؟ لنرى كيف ستتحقق هذه المعادلة. في أحيان كثيرة، قد يوسم القاص لدى التعريف به، بأنه أديب، وفي أحايين أخرى، قد تسبق الصفة الموصوف، على غير عادة، فيقولون لك: هذا الأديب القاص (فلان). فهل هو بحق على هذا الوصف، أم أنه محض وصف متداول، عند التعريف بأي قاص؟ أسأل هذا السؤال، لكوني لا أظن مجرد الظن بأنّ قيل لي يوماً: إنّ هذا الأديب الشاعر (س) أو على الأقل، إنّ هذا الكاتب الأديب (ص) حين التعريف بهما.
فإذا بحثنا عن لفظ (أديب) نحوياً سنجده صيغة مبالغة على وزن (فعيل) على غرار (كريم) والأخير من أسماء الله الحسنى لسعة كرمه سبحانه وتعالى، وفي الحديث الشريف عن الرسول الكريم عليه أشرف صلاة وأزكى تسليم، أنه قال {ومازال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً.} أو كما قال.
ولفظ (كذاب) جاء هنا صيغة مبالغة على وزن (فعّال) فهو لم يكن كذلك، إلا لأنه تحرّى الكذب في حديثه، وجرياً على هذا فإن الأديب، هو كل من يتحرّى الأدب في كتاباته ويتقصاه، ولكن علينا أولاً، أن نعتمد تعريفاً لمفهوم الأدب المقصود في السرد القصصي، فبمعرفته سنكون قد وجدنا قاعدة صلبة نقف على أرضيتها، لنصل إلى إجابة عن السؤال الذي قدمنا لمقالنا به.
فثمة من يرى أنه السير على خصوصيات القصة القصيرة مثل: الصور البلاغية والأخيلة الجمالية والاحتفاظ باللحظة أو اللقطة، فتصبح أثناء قراءة قصة ما، كأنك أمام لوحات تصويرية للحدث بكل تفاصيله المملة، لدرجة أنك تلاحظ أنّ القاص يفصل لك حركات وانفعالات الشخصية المحورية، من البداية إلى النهاية، كأن تقرأ مثل هذه الكلمات (أشعل) و(سحب) و(أطفأ) و(داس) وهي كلها أفعال لمفعول به واحد، هو (لفافة تبغ) بالكاد يخلو عمل قصصي واحد منها، فما إن تفتح كتاباً حاوياً بين ضلفتيه مجموعة قصصية، حتى تتصاعد منه رائحة كريهة تزكم أنفك بفعل هذه اللفافة.
لكننى أرى قبل هذه الأمور الفنية ضرورة أن يكون لها مضمون يحمل عبرة، فكثيراً من هذه الأشياء الفنية، وعلى درجة فائقة من البناء والحبك، لكنها تخلو في أغلبها من موعظة، حتى أنّ الواحد منا يساوره بليغ الندم حين قراءته لقصة ما، فبعد أن يأتي على قراءة هذه الجماليات ويؤخذ بها، ويصل إلى ما يسمى بلحظة التنوير الحاسمة، لا يجد ثمة بصيصاَ منه ملقى على العمل، على خلاف من يقرأ مجموعة من قصص الأطفال، فعلى الرغم من أنها لا تتماشى مع خصوصيات القصة القصيرة من حيث حياكة نسيجها وقماشتها، فتصوير الحدث لا يتم عبر تجسيده بالكتابة الفنية، بل برسم المواقف والأحداث في صور مُرفَقة وموضحة.
فالقاص هنا لا يشتغل على مثل هذه تفاصيل، بل يكلف فناناً بإظهارها، أما هو فيتفرغ لإيصال فكرة العمل إلى الطفل، فعلى الرغم من هذا كله، تجد الغاية في خاتمة كل قصة، أما الوسيلة، فهي تلك الرسومات، لذا اعتمدت هذه الأعمال في المناهج التعليمية، وبخاصة في كتب المطالعة لمرحلة التعليم الأساسي، فيكتسب التلميذ من كل قصة درساً ينفعه في مقتبل عمره، ثم يعلمه بدوره لأطفاله حالما يكبر.
فالأدب لست أراه كما يراه البعض، من حيث إنه الالتفاف على النص وشحنه وتكثيفه بالجماليات، لا بل هو أكثر من ذلك، فهو فكر يتموضع في نسق قصصي يراد به إيصال فكرة ما إلى القارئ، وإن كان تصحيحاً لمفهوم خاطئ، فكل من ينتهج هذا المسلك يكون قاصاً، وما عداه يكون فناناً، يعرف كيف يصور الوقائع المشهدية بكلماته.
وخير ما أختتم به حديثي هذا، قوله تعالى {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.} سورة يوسف آية 110 . زياد العيساوي ـ ليبيا Ziad_z_73@yahoo.com