الفراعنة يُخلدون بالتراث الشعبي

كتب ـ عبدالمنعم عبدالعظيم
تراث الفراعنة

الحجر والناس في الجنوب تحس فيهما بعبق التاريخ وامتداد الحضارة واستمرار التراث الإنسانى وتواصله بين المعابد التليدة والمسلات السامقة وصور الفن المصري التي تتحدى الزمن.
المشهد في ليلة الثالث عشر من شهر شعبان حيث الليلة الختامية لمولد القطب الصوفي الورع سيدي أبوالحجاج الأقصري الذي يقع مقامه فوق أطلال كنيسة قديمة أقيمت بأحد أروقة معبد الأقصر حيث يتزاوج الفرعوني بالمسيحي والمسيحي بالإسلامي.
في مناسبة مولده في شهر شعبان من كل عام يجتمع الناس من كل صوب وحدب حتى أنك لا تجد موضعا لقدم فقد اعتاد أهالي الأقصر، وعلى مدى أسبوع استضافة كل زوار مدينتهم في هذه المناسبة التي تعد من أكبر أعياد الأقصر الدينية، ويقدمون لهم الكباب الأقصري الشهير.
وفي الصباح من يوم الرابع عشر بعد أسبوع من الاحتفالات الدينية والأذكار والألعاب البهلوانية وبيع الحلوى التقليدية ومواكب الطرق الصوفية يبدأ موكب التشريفة (الدورة) حيث يخرجون من ساحة الشيخ قارب أبوالحجاج مدهونا بالطلاء اللامع تزينه خطوط أفقية ثلاثة، تتعاقب فيها الألوان الأزرق ثم الأبيض ثم الأحمر على قاعدة خضراء، فيكتسى زينة وجمالا ويضعون القارب على عربة ذات أربع عجلات، وقد غطى كل هذا بقماش ملون، نفس القماش الذي يكسو ضريح الشيخ.
أما الأقمشة التي تكسو الأضرحة الخمسة بالمسجد من أسرة وأحباب القطب الرباني سيدى أبوالحجاج، فأنها تفترش هياكل خشبية توضع على ظهر خمسة جمال تكون قد أخذت زخرفها وتزينت، وكبار الأسرة الحجاجية أحفاد الشيخ يتقدمون الموكب فوق خيولهم المطهمة التي لبست زخرفها أيضا إلى جانب فرق من الشرطة، ومواكب الطرق الصوفية، كل طريقة تحمل شاراتها وأعلامها وأصحاب المهن في كرنفال شعبى مميز.
وإذا دققنا النظر فوق نقوش جدران معبد الكرنك، نجد أن الأجداد كانوا يمارسون نفس الطقوس في عيد الاوبت عيد الإله آمون، حيث كان يخرج تمثال الإله آمون في احتفال مهيب مرة في العام، في سفينته المقدسة وخلفه تماثيل موت وخونسوا باقي تماثيل ثالوث طيبة، فيطوف أرجاء مدينته التي يتولاها بحمايته ورعايته نفس الاحتفال، ونفس المراسم، بل ونفس الطريق، ونفس النهاية عند مسلة معبد الأقصر السامقة حيث ساحة سيدي أبوالحجاج الأقصري.
بالأمس عيد آمون، واليوم عيد سيدي أبوالحجاج، والناس نفس الناس أهل الأقصر وما حولها ثم أحفادهم.
ومازالت السفينة رمزهم المقدس.
ومازال الناس في الأقصر ينسجون القصص عن معبد بتاح الذين تصورا أنه كل مساء تظهر غولة بشعة تأكل الأطفال، ومازالوا يخوفون أطفالهم من الاقتراب من المكان، ولقد أكد هذا الاعتقاد انهيار بعض أتربة المعبد أثناء الحفريات لتدفن سبعة أطفال ابتعلت جثثهم الأتربة الناعمة، وسمي المكان "كهف الغولة" وسموها "أم العداني" (الأساور التي تزين المعصم).
وتجىء الحفريات لتكشف عن تمثال من الجرانيت الأسود للآلهة سخمت صاحبة الوجه البشع على شكل وجه لبؤة، هذه الآلهة التي سلطها الإله رع لتعمل في الناس ذبحا وتقتيلا جزاء سخريتهم به في الأسطورة الفرعونية، ونسى الناس قصة سخمت، ومازال الخوف يرفرف على المكان.
لنقف أمام معبد خونسوا في الكرنك ونطالع بوابته التي بناها بطليموس ارجينس، ونسأل أهل المنطقة: بوابة من هذه؟
وتسمع أنها بوابة عطاالله القزم لاعتقادهم أن عطالله هذا اتخذ من سطح البوابة مسكنا له، وتصوروه قزما مشوه الخلقة قصير القامة ممتلىء الجسم له وجه عريض وعينان براقتان وأنف أفطس ولسان متدلٍّ وذراعان طويلتان، ويقسمون أنهم يشاهدونه يجري هنا وهناك ويصرخ، فإذا سمعته الحيوانات المفترسة ولت وأخذت الكلاب تصمت وتختبىء.
إنه تجسيد لصورة الإله بس بشكله المشوه ولسانه المتدلي، نسج الأهالي منه هذه الأسطورة.
وفي أرمنت الحيط مازالت النسوة يزورون البئر التي عمدت فيها كليوباترة ابنها قيصرون بمعبد تحتمس الثالث، ويقولون إن زيارته يوم السوق تجلب الخلف للعقيمات، ومازلن يقدمن هناك القرابين، وفي الرياينة وسط الزراعات رأس عامود فرعوني يلتمسون عنده البركة والخلف اسمه حجر الأحد.
بل إن الناس هنا مازالت تتكلم الفرعونية، فيقولون عن الأكل (مم)، وهي كلمة هيروغليفية، بمعنى (كل)، وإذا عطش تقول (امبو) بمعنى (اشرب).
وكلمة (واوا) التى يعبر بها الطفل عن الجرح والألم كلمة هيروغليفية تعنى (ألم ووجع وورم)، وكلمة (بيبة) بمعنى (برغوث)، و(كخ) بمعنى (قذارة)، و(تاتا) بمعنى (امشى)، و(بعبع) بمعنى (عفريت)، و(تأوأ) بمعنى (تبكي بصوت عال)، و(باش) بمعنى (لان) .. الخ.
وعندما يخلع الطفل سنة من أسنانه يلفيها إلى عين الشمس، ويردد (يا شمس ياشموسة خدى سنة العجوز وادينى سنه العروسة) أو (خدى سنة الحمار وادينى سنة العروسة)، بقايا من عبادة الشمس، ومازلنا نزرع أشجار الجميز في مقابرنا وكانت شجرة الجميز هذه شجرة مقدسة.
ومازال العوام يحبون القطط ويربونها في منازلهم، وكانت القطة هى الاله باستت التي تعبد في مصر القديمة، ومازلنا نسميها بسة أي باستت، ومازلن أيضا نعلق التماسيح على واجهات المنازل، وكان التمساح معبودا باسم سويك.
وإذا وقع طفل تصرخ المراة (يا ختي) واختي هي القرين في الديانة الفرعونية.
والمقرىء أو المنشد مازال يضع يده على خده عند القراءة والإنشاد مثل ما صورته الرسوم الفرعونية التى صورت المرتلين.
كما أن التصفيق وطرقعة الأصابع عند الرقص ورثناه منهم أيضا.
أما السحر والتنجيم الذي مازال وسيلة البسطاء للعلاج وجلب البركة وتحقيق الحاجات، فقد ورثناه كله من أصول فرعونية، وكذلك التعاويذ والأحجبة.
ومازلنا نؤمن بالحسد ونعلق الأطباق في المنازل، ونلبس الخرز الأزرق اتقاءً له مثل أجدادنا تماما.
ونعتقد مثلهم في أيام سعيدة، وأيام نحس، ونعلق البصل، ونأكل الفسيخ، في شم النسيم، ونستعمل طاسة الخضة ونمارس حفلات الزار والعرس، كما كان يمارسها الأجداد كذلك العلاج بالأعشاب والرقى.
ومازال الفلاح يستخدم نفس الأدوات: الفأس والمنجل والشادوف ونقسم الأرض بنفس طريقة الفراعنة.
بل أننا نمارس الندب على الميت والاتشاح بالطين، ونشيع الجنازات ونمارس طقوس السابع والأربعين وزيارة القبور والاعتقاد في أرواح الموتى، وتمني الرحمة والنور للموتى، وممارسة عملية صرف روح الميت نمارسها مثلما كان يمارسها الأجداد.
ومازلنا نتسمى بأسماء فرعونية مثل: بانوب، بعنى، انوبيس، وبهور إله حور، وإيزيس، وبشاى بمعنى عيد، وانيس ومينا.
والأدوات التي نستعملها بنفس الأسماء الفرعونية: فوطة، وبرش، وماجور، وبشكور، وشرش، وجزر، ولبشة قصب، ومشنة، وعيش، وبلح، وويبة، ومشنة، وطورية، وشنيف، ودبش، ودقشوم، ومونة.
إن العظمة الحقيقة لهذا التراث أنه ممتد وسوف يمتد تخليدا لأعرق حضارة في التاريخ. عبدالمنعم عبدالعظيم محمد
الأقصر ـ مصر
monemazim2007@yahoo.com