عن المعلمين الذين يقودون شعوبهم إلى الخلف!

بقلم: الزبير مهداد
هل من حقنا أن نردد: 'إن المعلمين قادة الشعوب'؟

بعض الرفاق المربين ـ سامحهم الله ـ استخفوا بقيمة وحيوية وظيفتهم التربوية، فتهافتوا على الكراسي الإدارية وأضحوا يخاطبون الناس بلسان حال السلطة، بعدما تذوقوا بعض فضلات المزايا المادية والمعنوية للإدارة، فتدهورت أحوالهم العقلية وتخلخلت مبادئهم وتناقض كلامهم مع فعلهم.
بالأمس القريب فقط، كانوا يلوحون بقبضة يدهم في دعاويهم النضالية لمحاربة الفساد والاستبداد واستغلال النفوذ والأنانية والبيروقراطية، وغير ذلك مما تقشعر له نفوس الشرفاء، واليوم أصبحوا يحضنون هذا الفساد، ويتسلحون بالاستبداد، ويتمترسون خلف البيروقراطية لينحرفوا بأهداف العمل التربوي النبيل ويلوثوه ويمرغوه في الوحل.
فكيف يحق لنا أن ندعي محاربة الفساد في مجالسنا خارج مدارسنا، بينما هو جاثم بقوة على سيرورة العمل التربوي داخل مؤسساتنا، في دواليب الإدارة ومظاهر الحياة المدرسية وعلاقاتنا بالتلاميذ وآبائهم؟
كيف لنا أن ندعي التشبع بقيم حقوق الإنسان، ونعمل على ترسيخها في الحياة المدرسية، وإشاعتها في النسيج الاجتماعي ـ طبقاً لما تقتضيه الأدبيات التربوية وتنفيذا لتعاميم ونشرات وزارية ـ ونحن نتحدث مع التلاميذ وآبائهم وأمهاتهم بلغة خشبية، فنتعسف عليهم، ونفرض عليهم إجراءات لا مبرر ولا سند قانونياً لها، ونبتزهم بفرض رسوم إضافية لتسجيل أبنائهم دون مراعاة لوضعهم الاقتصادي المتردي، بإلزامهم بالانخراط في جمعية الآباء (80 درهماً) ضداً على القانون ودستور البلاد الذي يضمن حرية الانخراط في الجمعيات؟!.
هذا تضييق على الحق في التعلم، ورجل التعليم الذي يضيق على الحق في التعلم يقود شعبه إلى الخلف، والواجب يحتِّم عليه أن يناضل من أجل تدمير عوائق التعلم، ويساهم في تيسير هذا الحق وإتاحة فرص التمتع به.
إن التوجه السليم الذي تقتضيه أحوالنا وتتطلبه شروط التقدم والتغيير الاجتماعي يحتِّم على رجال التعليم الانخراط كفاعلين في المشروع المجتمعي الذي يتوخى إقرار الديمقراطية والعدالة وترسيخ حقوق الإنسان، وتمهيد السبيل نحو التقدم والتطور، بالانصهار في المجتمع وتفاعله معه وقيادته.
وهذا يشترط التثقيف والتكوين العميقين، والتسلح بالمعرفة النظرية كأداة ضرورية ولازمة للفهم والإقناع وتنظير الممارسة، وأول ما يجب أن يتعرف إليه رجل التعليم ـ الإداري بالخصوص ـ هو دستور البلاد، حتى لا يردد ببلاهة وغباء صادمين أن مجلس التدبير بمؤسسته قد اصدر قراره الذي يناقض فصول الدستور ومقتضيات القوانين الجاري بها العمل.
وأول ما ينبغي أن يضعه رجل التعليم نصب عينيه، ضمان احترام القانون وحقوق الإنسان في مؤسسته، حتى يتشرب التلاميذ ثقافة حقوق الإنسان ويتعلموا كيفية النضال من أجل حقوقهم والدفاع عنها، لا أن يغلق الأبواب دون الحوار معهم وإفهامهم والتفاهم معهم، وإقناعهم أو الاقتناع بوجهة نظرهم ولو كانت مخالفة لما يعتقده.فالحق أجدر بالاتباع.
إن رجل التعليم الذي يؤسس رؤيته للوسط من منظور متعال تحكمه المقاربة البيروقراطية ذات الأفق الضيق تصادر حق المجتمع في الانتفاع منه والاستنارة به، فيجب عليه في جميع الأحوال النظر إلى نفسه بوصفه فاعلا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا خادما للمجتمع.
ولا يمكن أن يتأتى هذا إذا ظل هيكل المدرسة محور اهتمامه وعنايته وخدمته، ولو تطلب الأمر خرق القانون وانتهاك الحقوق؛ فالصواب أن التلميذ هو الذي ينبغي أن يشكل القطب الأساسي، وهو سيد المؤسسة ومخدومها، وهذا ما ينص عليه الخطاب التربوي الحديث الذي تضمنه الميثاق الوطني للتربية والتكوين وغيره من أدبيات التربية؛ إلا أنه وللأسف الشديد فرغم تطور الخطاب التربوي النظري فإن كثيرا من التصورات التقليدية المحافظة الرجعية لدى الفاعلين في الحقل التعليمي ما زالت تشكل مراكز لمقاومة التغيير، ولم تجد الثقافة الحقوقية بعد تربتها المناسبة داخل مؤسساتنا التي ما زالت تثبط مراعاة حقوق الإنسان بدلا من أن تشجع عليها.
فهناك دوما تمثلات وأحكام سابقة لدى رجال التعليم الإداريين بالخصوص تحرم بعض التلاميذ في المدرسة من حقوقهم وتضيق عليهم بأساليب شتى وطرق متنوعة (رسوم إضافية، لوائح كتب وأدوات مبالغ فيها، العنف والقمع، الدروس الإضافية ... إلخ).
فكيف لنا ـ نحن معشر المعلمين ـ أن نساهم في تحقيق المشروع المجتمعي ونحن نقود شعبنا إلى الخلف ونزيد من قيوده؟!
إننا حاضرون في قلب كل أسرة، وبالتالي نتوفر على القدرة الكافية للتأثير في كل المجتمع وتحريكه، لذلك فقراراتنا الإدارية وسلوكنا الفردي والجمعي، وتفاعلنا مع تلاميذنا، كل ذلك يؤثر في هذا المجتمع ويرسم خطاه على درب التقدم أو التأخر.
لأجل ذلك شكل المعلمون والطلاب قوى أساسية اعتمدت عليها الأحزاب التقدمية في مختلف أساليب وحركات النضال السياسي والاجتماعي.
ومما يؤسف له أن كثيرا من رجال التعليم المشهود لهم بالكفاءة المهنية والنزاهة الفكرية يسكتون على كثير من الممارسات الضارة، تضامنا مع زملائهم وتفاديا للحرج الذي قد يلحقهم لمعارضتهم ذلك؛ ويغيب عن بالهم أن هذا السكوت هو تزكية وتأييد لهذه الممارسات الشنيعة، وانكماشهم على أنفسهم وعزوفهم عن النضال الحقوقي من أجل الطفل والمجتمع يؤدي إلى انتعاش السلوك الرجعي المتخلف في المؤسسة التعليمية.
والواجب يحتم عليهم أن يكون لهم دور فعال في مقاومة ذلك، يقتضيه التزامهم الأخلاقي ضميرهم الحي ووعيهم النافذ بالقضايا الاجتماعية وواجب المناصحة، ولا يكتفوا بالتفرج.
ينبغي علينا ـ نحن رجال التعليم ـ أن نمتلك قضايا اجتماعية ندافع عليها، حتى نعيش حالة من النهوض الثقافي والفكري والسياسي، فغياب هذه القضايا يضعف خيالنا وقدراتنا الفكرية والثقافية، فالصراع الثقافي المتصاعد هو روح التفكير الاجتماعي، وهو الكفيل بجعلنا نحتل مكانتنا الحقيقية داخل النسيج الثقافي الاجتماعي.
إننا قادة الشعوب، مطالبون بقيادة الحوار الاجتماعي بين مكونات وشرائح وطبقات المجتمع، حتى يلتف الجميع حولنا، ونشركهم في الانتقال الديمقراطي وتحقيق المشروع المجتمعي، وصولا إلى تحرير المواطن من قيود الوصاية والحجر والخوف ونرسخ العمل الديمقراطي والقضاء على التسيير البيروقراطي لمرافق ودواليب الدولة.
حينذاك فقط يحق لنا أن نردد مع القائلين "إن المعلمين قادة الشعوب". الزبير مهداد