أفغانستان: آثار الهجمات الانتحارية تمتد أبعد من القبر

الناس يرهنون السلم بمرتكبي أعمال العنف

كابول ـ توفي وحيد الله وهو في الخامسة والثلاثين من عمره في شهر يونيو/حزيران بعد أن قام انتحاري بتفجير نفسه داخل سيارة محملة بالمتفجرات بالقرب من ورشته الميكانيكية في طريق بولي شارخي في الضواحي الشرقية للعاصمة الأفغانية كابول.
وكان هذا الهجوم يستهدف حسب ما قيل قافلة من القوات الدولية التي يتزعمها الناتو كانت تمر من هذا الشارع في ذلك الوقت، مما أدى إلى مقتل أو جرح خمسة أفغان من المدنيين.
وترك وحيد الله وراءه أسرة مكونة من خمسة أفراد تكدح لسد رمقها.
ويعمل، سميح الله، الابن الأكبر لوحيد الله، والذي لم يتعد بعد العشرة أعوام، مع عمه في ورشة لإصلاح السيارات، بعد أن انقطع عن الدراسة لمحاولة كسب بعض المال لإطعام أسرته الفقيرة.
ويصف الطفل وضعه قائلاً "بعد وفاة والدي، أصبحت مسؤولاً عن كسب قوت أسرتي"، مضيفاً بأنه يجني حوالي 100 أفغاني (دولارين) مقابل عمله لعشرة ساعات يومياً.

كما تقوم أمه الأمية، بمساعدته في تحسين دخل الأسرة عن طريق القيام بأعمال خياطة وتطريز في بيتها لزبائنها المحليين، وهو عمل سيصبح مهنة طفلتها الصغرى في القريب العاجل.

وتوضح قصة أسرة وحيد الله معاناة الأسر الأفغانية للتأقلم مع فقدانها لمعيلها، وهو أمر قد يحصل بطرق عديدة ومختلفة، إلا أنه أصبح اليوم يحصل في أفغانستان بشكل أساسي بسبب الهجمات الانتحارية.

وتعتبر الهجمات الانتحارية ظاهرة جديدة نسبياً في أفغانستان، كانت أولاها عملية اغتيال القائد العسكري أحمد شاه مسعود في 9 سبتمبر/أيلول 2001، وفقاً لتقرير بعثة الأمم المتحدة لمساندة أفغانستان الصادر في 9 سبتمبر/أيلول 2007 تحت عنوان "الهجمات الانتحارية في أفغانستان".

ويفيد التقرير بأن عامي 2003 و2004 شهدا أربع هجمات انتحارية فقط مقابل 17 هجوماً عام 2005 و123 هجوماً عام 2006.
أما في الأشهر الثمانية الأولى لعام 2007 وحدها، فقد وصل عدد الهجمات الانتحارية إلى 125 هجمة راح ضحيتها أكثر من 120 مدنياً، وأصبحت الهجمات الانتحارية بذلك جزءاً لا يتجزأ من السياسة التي ينتهجها المتمردون.

كما أفاد التقرير بأن الأشهر الستة الأولى من هذا العام شهدت إحباط 36 هجوماً انتحارياً وبأن أكثر المناطق استهدافاً بهذه الهجمات هي أقاليم كابول وقندهار وهيلمند وخوست.

وحدثت معظم الهجمات الانتحارية في كابول في طريق بولي شارخي الذي قُتِل فيه وحيد الله، إذ عادة ما تسافر عبره القوات الأفغانية والدولية.
ويربط هذا الطريق المعبد كابول بإقليم نانجارهار الشرقي الحدودي مع باكستان والذي تعتبر حدوده مخترقة من قبل المقاتلين.
فوفقاً لتقرير بعثة الأمم المتحدة لمساندة أفغانستان، يأتي معظم الانتحاريين من المدارس الدينية الواقعة في المناطق الحدودية الباكستانية.

ويقول المسؤولون الأفغان بأن الانتحاريين يدخلون إلى كابول من الشرق، وفي معظم الأحيان يقومون بتفجيراتهم في طريق بولي شارخي خوفاً من أن يتم التعرف عليهم وتوقيفهم أثناء رحلتهم باتجاه العاصمة.

وهذا ما جعل سعيد أفضل، الذي يعمل في تصليح الدراجات في بولي شارخي، يقول: "في كل صباح، عندما أغادر منزلي للذهاب إلى عملي، أتساءل إذا كنت سأعود إلى البيت لأرى أسرتي".

كما أكد العديد من أصحاب المحلات التي على طريق بولي شارخي أن المتسوقين أصبحوا يتفادون هذا الطريق مخافة التعرض للهجمات، مما تسبب في كساد أنشطتهم التجارية.

وقال توم كونيغز، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في أفغانستان، في المقدمة التي افتتح بها التقرير الأخير حول العمليات الانتحارية بأن السبب وراء إلقاء الضوء على هذه العمليات يكمن في أنها "أكثر من غيرها من العمليات الحربية تحصد ضحايا (80 بالمائة) من المدنيين".

كما جاء في تقرير الأمم المتحدة أيضاً بأن "الهجمات الانتحارية ترعب المجتمع بأكمله، وتضعف ثقة الشعب في مؤسسات الدولة، وتولد ردود فعل تؤدي إلى الحد من الحريات العامة وتجعل الناس يعتقدون بأن الأمل في السلم مرهون بمرتكبي أعمال العنف".

ولكن شعبية العمليات الانتحارية ما زالت تتزايد باستمرار لدى مقاتلي طالبان وغيرهم من المتمردين الذي يقاتلون حكومة الرئيس حامد كرزاي وحلفاءه الدوليين.
وتنبع شعبية هذه العمليات من كونها تكتيكاً حربياً غير مكلف نسبياً، وغير معقد ولا يتطلب إستراتيجية معينة للخروج.
وعن ذلك يوضح روح الله أمين من المعهد الأميركي للدراسات الأفغانية أن "المتمردين يركزون أكثر فأكثر على هذه الهجمات نظراً للأثر الكبير الذي تخلفه".
وأضاف أن "كل الانتحاريين تقريباً أميون، غُسلت أدمغتهم بحيث أصبحوا لا يفكرون في ضحاياهم".

وتعتقد بعثة الأمم المتحدة لمساندة أفغانستان بأنه من الممكن هزم هؤلاء المتمردين في حال قامت حكومة أفغانستان وحلفاؤها الدوليون باتخاذ إجراءات واقية ودراسة المشاكل التي تولد هذه الهجمات الانتحارية.
ومن التوصيات التي وردت في تقرير البعثة "التدخل العاجل والبعيد الأمد عن طريق القيام بعمليات مضادة للتمرد...وتعزيز سلطة حكومة أفغانية تتمتع بشرعية واسعة النطاق بين المواطنين، بالإضافة إلى القدرة على تحقيق العدالة وفرض سلطة القانون لصالح المواطنين الذين عانوا من ويلات الحرب".
غير أن الخبراء يحذرون من عدم إمكانية التعامل مع الهجمات الانتحارية عن طريق الإجراءات العسكرية فقط، إذ يقول الباحث الأفغاني أمير خيسرو بأن "ما سيحد من الهجمات الانتحارية في البلاد هو القضاء على الفقر والبطالة والأمية".(ايرين)