خصلتان ليس بعدهما خير

بقلم: زياد العيساوي
أسوأ احتمال

قال عزّ من قائل {إنّ بعض الظن إثم.} صدق الله العظيم.
فإذا كان بعض الظَّن بما هو عليه في نص هذه الآية الكريمة، فما ظنكم أيها السادة بسوء الظن، فهو الإثم بعينه، لقوله عليه أشرف صلاة وأزكى تسليم {خصلتان ليس بعدهما خير، حُسن الظن بالله، وحُسن الظن بالمؤمنين، وخصلتان ليس بعدهما شر، سوء الظن بالله، وسوء الظن بالمؤمنين؟} صدق الرسول فيما قال، وصدق الملك المتعال.
أغلب الظَّن، أنّ سوءَ الظَّنِ، هو خيبة ظنٍّ في الآخر، نخشى حدوثها ونتجنبها، كي لا نصاب بشيءٍ من الندم، وهو ندم من نوع آخر، إذا كان للندم أنواع، عندما يندم أحدنا ويحسُّ بأنه أصبح أضحوكةً، لمن لا يعرف للمعروف قدراً، إذن هو ندم منه، لأنه قد أسدى إلى الآخر صنيعاً ذات يوم، لكن هذا الآخر، كان شخصاً مصاباً برذيلة نكران الجميل، وليس بأهلٍ لهذا الصنيع، الذي كان قد أسداه إليه، ولأنه قد يكون جاحداً أيضاً، فرُبما يُبادل الإحسان بالإساءة، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
إذن فقد حدث معه ما لم يخطر بذي بال، وما لم يكُن في الحسبان، فقط لأنه، قد أقدم على عمل خير مع ذلك الشخص الجاحد للمعروف والناكر للجميل، ولكن هل سيُجديه نفعاً ندمه هذا، غير إساءة الظَّنِ بالآخرين.
ويا لهذا الندم الغريب في نوعه، الذي قد يجعل البعض منا يتردد، أيما تردد، في القيام مجدداً بعمل الخير، بعد أن يتخذ من ذلك الشخص الجاحد مقياساً للآخرين، فيسّوّد في عينيه إسداء المعروف، لأنه أصبح ينظر إلى كل عمل خير بعين الندم، بعدما وجد فيه أنه مدعاة لإساءة الآخرين إليه، فنراه يُلجم نفسه التواقة إلى مد يدِّ العون لهم، بل يجعلها مغلولةً إلى عنقه، وإن كان هذا العون المطلوب منه، لا يُكلفه شيئاً ويتمثل في كلمة طيبة يبخل بها على من هم في مسيس الحاجة إليها، لأنه صار يخاف الوقوع في معتركٍ هو في غنى عنه، ولا حاجة له به، فكيفيه ما قد لاقاه في تجربة سابقة من تجنٍ وإجحافٍ وظلمٍ، قد لحق به، لكونه فعل ما يتوجب عليه ذات مرة بطلب إليه من أحدهم أو طوعية من تجاه الآخرين.
فما حدث معه كان أمراً فوق العادة، وفوق كل احتمال، ما يجعل من رد فعله، يجيء رداً قاسياً على الآخرين، فلا يرضى لنفسه أن تكون مثار سخرية لهم، لذا نراه يُعد العدة لأسوأ الاحتمالات فيمن حوله، وخير وسيلة لذلك هي الابتعاد عمَّن يقترب منه طالباً عونه، بابتعاده عن خوض غمار هذه التجربة وعن مثيلاتها، لكي يخرج بأقل الخسائر التي قد تُصيبه بانتكاسة نفسانية، كان قد خرج منها لتوه، وبُعيد تجربةٍ سابقة كانت قد جرَّت عليه الويلات وترسبت أحداثها في أعماق ذاكرته، وليس ثمة سبيلاً ليتناسى مرارتها، إلا أن ينتهج سبيلاً آخر يبعده عنها، وهو أن يعمل بالمثل العربي القائل "سوء الظن فطنة".
وسوءُ الظَّنِ أسوأُ الإساءات، إذا كان للإساءة سلمٌ للدرجات، لأنّ من كان ضحيةً لشخص جاحد و مسيء، وبات يُسيء الظَّنَ بالجميع كان من القانطين، وممنَّ ينظرون إلى الآخرين بنظرة سوداوية، ولا يُرتجى منهم خيرٌ على الإطلاق، لأنهم سلبيون.
وما جعلنا نحكم عليهم بذلك، إنهم باتوا يسيئون الظَّنَ حتى بمن أرادوا أن ينفعوهم لا أن ينتفعوا منهم، وباتوا من الفطنة لدرجة أنهم صاروا يسيئون الظَّنّ حتى بالناس الخيّرين، الذين جاؤوا إليهم نافعين، أي بمعنى، أن فطنتهم المزعومة، ما هي إلا قيامهم بعكس المعاني النبيلة إلى معانٍ سيئة، لأنّ سوءَ الظن أصبح نهجهم، فيجعلون من الخير شراً، ومن الحُبِّ كراهيةً، ومن المعروف منكراً.
فسوءُ الظَّنِ، ما هو إلا مجرد احتمال في نيات الآخرين من بين احتمالات كثيرة، نحنُ من نُغلبه عليها خشيةَ أن يكونوا من الجاحدين، لذا نجعل من ذلك الاحتمال، أسوأ احتمال. زياد العيساوي ـ ليبيا Ziad_z_73@yahoo.com