الحلة: مدينة التراث تبكي اطلالها

تحقيق: قاسم عبد الرضا
اهمال وعبث بالمفاهيم المعمارية

تفتخر المدن بمورثها التراثي وتتفنن في كيفية المحافظة عليه من الاندثار. ولا يخفى على احد ما تمتلكه الحلة مركز محافظة بابل العراقية من تراث معماري كبير بقي صامدا أمام محاولات طمسه لتغيير ملامح هذه المدينة. ويمكن ان نتلمس ذلك في اغلب ساحات ومناطق وشوارع هذه المدينة كيف لا وهي التي عانت لعقود طويلة من إهمال متعمد اثر ولحد كبير بملامح ارثها وخزينها المعماري حتى ان اغلب الذين هجروها وعادوا إليها شعروا بغربة المكان ولم يشعروا بألفة مدينتهم التي تنتحب على أطلالها والتي نشعر بان الحال ان بقي على ما هو عليه فلا تبقى حتى هذه الإطلال. فمن يا ترى من يعيد الى الفيحاء وجهها التراثي؟
ولعل الخوض في هذا الموضوع يمثل إشكالية كبيرة لان هذه المدينة اكبر من تضم في هذه الصفحة وتراثها وأغنى من ان يوضع بهذا الحجم لكن ان تبدأ خيرا لك من ان تبقى تأن فوق الاطلال. للمكان ذاكرة وسأحاول أن اعتصر الذاكرة كي أحصل على اقدم اللقطات في تلك الأزقة المليئة بغرائب الأشياء التي كانت تحمل نسقا معماريا جميلا على الرغم من ضيقها الا أنها كانت تشكل في ذاكرتي الكثير ولم تزل للان شناشيل تلك البيوتات تشكل علامات شاخصة لمدينة عريقة مثل الفيحاء. وكنت اواظب على ذلك حتى يومنا هذا فتلك الأمكنة القديمة التي ازيل معظمها ولم يبق الا بعض منها تحمل في طياتها ذكريات حنونة منذ مئات السنين وكنت اذا "احتصرت – احسست بالضيق" اجوب تلك الازقة باحثا عن الراحة. وكيف يمكن لي ان انسى صور شناشيلها ان لامسها المطر فأتحسر عليها الان وان ارى تلك الشناشيل بدأت تغيب شيئا فشيئا عن ناظري بل عن نواظر جميع الحليين كذلك أسواقها والمحال والمقاهي التي يرتادها الحليون ليدخنوا فيها التبغ المحلي وينفثوا سحابات دخانية كثيفة يطفئون بها لوعتهم ويمتعون بها أمزجتهم الحادة ليتناسوا عناء الأيام والعمر الذي مضى مع اخر رشفة من "استكان – قدح" الشاي.
كانت المقاهي تنتشر في نواحي هذا السوق او ذاك في هذه المنطقة او تلك وكانت تمثل الدلالة الاولى لاغلب المناطق. وعن هذه المقاهي يتحدث الصحفي إقبال محمد عباس رئيس جمعية احياء تراث الحلة اذ يقول: لا احد من أهالي الحلة يمكنه ان ينسى مقاهي الجندول وابو سراج والسدير وحديقة النساء التي كانت آنذاك حكرا على النساء فلا يدخلها رجل.
ويستعرض عباس بعض معالم الحلة التي اندثرت ويذكر منها الشناشيل التي كانت تزين شارع المكتبات وحسينية العلامة ابن طاووس وبعضا من حمامات الحلة القديمة التي لم يبق منها سوى القليل امثال حمام الجوادين وحمام وتوت اللذان تقلص روادهما بعد ان دخلت الحمامات في كل بيت وما عاد الناس يقصدونها الا القليل منهم.
ويتساءل رئيس جمعية احياء التراث عن عربات "الربل" التي تجرها الخيول والتي كانت تتنقل في شوارع الحلة وتنطلق من سوق التعيس وهو من أقدم الأسواق في المدينة. الهوية التراثية والحلة مدينة ولادة اشتهرت بمثقفيها ومبدعيها وهم كثر ولعل الحال الان مستمر ويحق لهم البوح بما يدور في خلجاتهم تجاه مدينتهم وما الت اليه. واول المتحدثين كان الدكتور محمد حسين حبيب (ناقد مسرحي وأكاديمي) حيث قال: ان أي بلد في العالم له الحق والمشروعية في الحفاظ على موروثه البيئي كونه يشكل القاعدة الأساس في تكوين ذلك البلد تاريخيا وحضاريا.. ومن حق سكان البلد ان يفتخروا ويفاخروا بمعالم بلدهم البيئية الممتدة عبر تسلسلات زمنية متعاقبة لأجيال أسهمت في رفد وصيانة وحماية مثل تلك المواقع التراثية حفاظا على هويتها التي تميزت معماريا وعلى وفق اختلاف الموروث البيئي نفسه.
ويضيف التخطيط العمراني باعتباره الواجهة الرسمية المسؤولة عن شكل المدينة وتطويرها من حيث الشكل المعماري والهندسي تتحمل هذه المؤسسة المسؤولية الكبرى في الحفاظ وصون مثل تلك المعالم الاثرية، بل ومن واجبهم تحسينها والحرص عليها باستمرار لاجل ان يبقى شكلها الاثري ذاك وان تطلب الامر تحسينات وتعديلات بنائية بسيطة شريطة ان لايمس الشكل الاصل لذالك المعمار او ذاك الشارع وغيره. التخطيط العمراني هو المسؤول وتابع الدكتور حبيب كلامه "وليس التخطيط العمراني طبعا هو وحده من يتحمل هذه المحافظة والعناية وهناك ما ينبغي توفره لدى الناس جميعا هو الوعي الاثاري لدى الجميع وان يدرك الناس بمختلف تخصصاتهم ومستوياتهم الثقافية، ويعوا أهمية مثل تلك المعالم التاريخية الاثرية سواء تلك الممتدة عمريا الى الاف السنين او تلك التي تعود الى تاريخ قريب من عمر المدينة."
اما عن ألاماكن التي طالها الخراب فقد أشار الى أنها كثيرة في مدينة الحلة الأثرية المهمة وبيوتاتها القديمة ومساجدها ومقاهيها وحدائقها ومدارسها الى الخراب والهدم تحت معول ماسمي حينها بـ"الكص – الازالة" ولسوء ذلك التخطيط العمراني أيضا تعرضت الكثير من الشوارع والبيوت الى ذلك "الكص" ألقسري والصارم وظلت خرابا ازليا دون إضافة او تجميل بل تحول الكثير منها الى مزابل ومخاتل للحيوانات ومصدر من مصادر الروائح الكريهة في المنطقة مع الأسف.
ويسترسل قائلا "إذا هناك ضرورة ملحة لوجود الوعي والإدراك بأهمية الموروث البيئي من قبل الجميع سواء أصحاب المؤسسات ذات العلاقة نحن المنتفعين أولا وأخيرا من مثل هذه المعالم الاثرية التاريخية الثمينة لان فقدانها ازلي مثلما بقاؤها أزلي أيضا." أسوار الحلة واشتهرت الحلة بأسوارها التي كانت تبنى لحماية المدن من الغزوات وتسلل الحيوانات الضارية فمنها من بقي رمزا شاخصا ومنها ما اندثر ومن هذه الأسوار سور مدينة الحلة فمنذ تأسيس هذه المدينة على يد مؤسسيها الأوائل "أل مزيد" تم بناء سورها وأبوابه الأربعة ليكون فيما بعد رمزا لهويتها وعظمتها ومكانتها بين المدن. حيث ان للسور عدة أبواب تفتح وتغلق يوميا وبأوقات معينة وفي حالات الطوارئ تغلق هذه الابواب الى حين زوال الطارئ. فقد تعود سكان الحلة على هذه التوقيتات فالمسافر مثلا يعرف وقت عودته فإذا تأخر حرم من دخول المدينة عندها يكون مسؤولا عما يحدث له خارج سورها.
أما سور الحلة فكما وصفه المرحوم الاديب السيد معز الدين محمد القزويني عميد أسرة أل قزوين في الحلة. فهو سور عال كان على زمانه مهدما وغير مكتمل (بقايا السور) وله عدة أبواب منها "باب المشهد" يبدأ هذا الباب مجاورا لمستشفى الأطفال حاليا شاقا السوق واصلا الى "باب المهدية" مقابل السوق المسقف "السوق الكبير" من جانب الجبل ممتدا الى منطقة المهدية والتابيه واصلا إلى منطقة التعيس حيث بابها المسمى "باب التعيس" ومن ثم ماشيا الى ان تصل منطقة الأكراد حيث باب الحلة الأخير "باب الحسين" لاستقباله الطريق المؤدية لمدينة كربلاء المقدسة حيث مرقد الامام الحسين (ع).اما الجزء الأخر من سور الحلة فكان لشط الحلة فضلا ان يكون عائقا عاملا بذلك عمل سورها المبني. إهمال متعمد الدكتور صباح المرزوك باحث ومؤرخ يرى حاضر الحلة من ناحية فن العمارة التراثية قد خضعت في مدينة الحلة إلى المعاصرة أو اتجهت إلى ما آلت أليه العمارة الحديثة وخاصة على يد المهندسين الجدد الذين تخرجوا في جامعة بغداد أو جاءوا من الخارج يحملون شهادات وطموحات في عالم العمارة. ويقول "وقد رأينا ذلك من خلال التدقيق في عمارة البيوت والدوائر الرسمية المشيدة بعد الحرب العالمية الثانية وخير شاهد على ذلك ما بقي شامخاً حتى اليوم مثل الشناشيل الموجودة في محلة جبران في السوق المسمى بسوق الغزل الذي يمتد إلى النهاية حيث يلتقي مع سوق الهرج، وعمارة بيت الحاج عبد الوهاب مرجان وبيت الحاج حسان مرجان وبيت أنور الجوهر وغيرهم إضافة إلى بقاء بعض الشناشيل على البيوت القديمة ومما يؤسف له ان هذه الشناشيل متروكة دون اهتمام ورعاية لأنها أصبحت جزءً من البناء القديم حينما تترك تلك الدار تهمل هذه الشناشيل معه. واذا ما أردنا ان نتحدث بلغة الارقام يكون حاضر الحلة من حيث البناء التراثي بنسبة 20%، يضاف إليها 10% لبناء الدور بطابوق آثار بابل والباقي يمكن احتسابه لصالح المعماري الحلي." أهمية التراث وعن خصوصية العمران الأثري أوضح المرزوك: الظاهر والواضح من خلال المعاينة ان الحلة لم تحافظ على خصوصيتها العمرانية والأثرية وإنما خضعت إلى اجتهادات وآراء ومواقف بناء الدور وحسب ما يقرره طبيعة البناء في كل عقد أسوة ببقية المدن العراقية التي توسعت اثر الانفجار السكاني وتركت البيوت القديمة على انها ارث قديم بين ما هو متروك كبناية هامدة او مسكون لا يمكن ان يطمئن ساكنه اليه لأنه آيل لا محالة للسقوط.
ويضيف المرزوك "ان الضرورة اصبحت ملحة الى الحفاظ على الشواهد الاثرية وينبغي ان يكون هناك من يعرف قيمة هذه الآثار في تراثه وتراث آبائه وأجداده ، فالإنسان الحلي فتح عينه وهو يعيش قرب آثار مدينة من اهم المدن في التاريخ وهي مدينة بابل ورأى بأم عينيه تلك الآثار من معابد ومدارس وشوارع وجنائن وفكر ان يستفيد من طابوق بابل في ظل غياب معامل الطابوق المتوفرة في الوقت الحاضر وبذلك شيدوا دورهم بهذا الطابوق ولقوته ظلت تلك الدور معمرة زمناً طويلا."
ومن مظاهر الحداثة في العمارة الحلية، السوق المسقف الذي يشطر المدينة إلى شطرين اعتباراً من حسينية ابن إدريس وحتى "النزيزة" أي الصوبين الكبير والصغير. ومن المظاهر الأخرى الحديثة عمارة "عكد" المفتي فقد شق بشكل مستقيم وبمساحة واضحة لا تعدو ثلاثة أمتار عرضاً والناظر الى الدور التي تقع على جانبي هذا "العكد" يراه كأنه قطعة واحدة لطبيعة تشابه البيوت التي تقع على الجانبين.
لابد اذن من صيانة هذه الشواهد الأثرية وتشكيل اللجان المناسبة والمتخصصة لدراسة بقاء الحياة واستمرارها في هذه الشواهد. الخصوصية التراثية اجهز عليها "شهدت فترة أواسط القرن الماضي نهضة معمارية في عموم العراق وهي بدايات الحداثة في هذا الفن والعلم شكلت هذه الحداثة على يد صفوة من المعماريين الذين درسوا فن العمارة في الغرب." بهذه الكلمات ابتدأ الاستاذ عباس البغدادي (كاتب وباحث) كلامه مضيفا ان شواهد ومنجزات تحققت للحلة في تلك الفترة ابان وزارة الاعمار في العهد الملكي وما بعده ومن أهمها إعدادية الحلة للبنين ومدرسة صفي الدين الابتدائية ومبنى المتصرفية ومصرف الرشيد حاليا والمستشفى الجمهوري كطراز معماري منفرد. اما البيوتات فكان اهمها معماريا بيت مرجان. ويشير "كان لثقافة المعماري الفكرية والجغرافية والتاريخية الاثر الكبير في تصاميمه ويمكن ان نعتبر ان فترة الخمسينيات اولدت إرهاصات التجديد والثمانينات وما بعدها اجهزت عليها." ويرى البغدادي ان احياء الحلة اليوم، عدا قسما منها، لا تمتلك خصوصية للأبنية بل ان هناك خرابا ذوقيا لا مثيل له ويجب علينا البحث عن مجموعة مجددة مؤهلة لملأ الفراغ الكامل في أسلوب بناء المدينة العصرية ذات الطابع المحلي المتشابك مع تطبيقات الفكر المعماري العالمي والحلة اكثر محافظات العراق انتاجا لهؤلاء.
ويضيف البغدادي "يتوهم المسؤولون في المحافظة ان الحداثة الاوربية في البناء هي ملك لهم وتصلح لبنائهم بل انها فكر تجديدي يصلح لجميع الشعوب وعلى المعماري او المهندس ان يعرف كيف يطوع هذا المنجز الحضاري لتكون منسقة مع منجز المكان والوضع والموقع ومن خلال اطلاعي على مئات المناقصات والقيم النقدية لانجازها ونوعية المكلفين بانجازها تصل الى نتيجة ان هناك عملية إنهاك وإنهاء لما يسميه البعض أحياء تراث الحلة الذي على ما يبدو هو عملية ذهنية وليست عملية معمارية." الحاجة الى كادر متخصص وعن موضوعة صيانة الابنية التراثية والحفاظ عليها قال البغدادي "ان هذه العملية تخضع لوجهين الاول هو جزء من الانجاز الحضاري وكيفية الحفاظ عليه وصيانته باعتباره جزء من ذاكرة المجتمع وامتداد لهذه الذاكرة في الزمن حيث لا بد ان نعد مبنى البلدية ودائرة الضريبة ومحطة السكك وحديقة الجبل وحديقة النساء ونخلات جوز الهند التي تقع على ضفاف نهر الحلة على انها منجز معماري يجب الدفاع عنه وتطويره ويمكن ان نحافظ على هذه الخصوصية الاثرية من خلال اقامة علاقات دولية كمنظمة المستوطنات البشرية التابعة الى الامم المتحدة للاستفادة من خبراتها في تطوير البنى التحتية ووضع البغدادي اللوم على التخطيط العمراني كونهم لايملكون كادرا معماريا مسؤولا عن التصاميم ذات الطابع الحداثي والزام المقاولين المنفذين لها بضرورة اظهار التراث بمظهر لائق ويشير البغدادي الى ان الحلة عاشت في عقود من الزمن بذخا في طابع العمارة على الرغم من بساطتها وكان لكل باب فيها تاريخ صنع غير مكتوب ولكل بناية قصة اكتمال لمدينة كانت تمر بتجربة كانت ستفضي الى حياة لكنها اليوم تحكي شبابها الذي مر بتلك المدينة التي صنعت أجيالا أخاف من ان يموت التواصل التاريخي وتنسى الاجيال جذرها الحي." العمارة صفة متكاملة "من الواضح ان أبنية مدينة الحلة القديمة مجسدة لاستدامة تقاليد وفنون العمارة الإسلامية من ناحية، واستمرارية التراث الإنشائي القديم من ناحية أخرى، إذ أن غالبية أبنيتها القديمة مبنية بآجر مدينة بابل الأثرية، ومشيدة على وفق أساليب البناء التقليدية، أي رصف الآجر بالقار على عادة البابليين القدماء." هكذا يرى الكاتب والباحث احمد الناجي مضيفا "إن العمارة كما هو المعروف ظاهرة ذات صفة متكاملة، تعكس مظاهر الحضارة المختلفة في عصر معين ضمن أطار ذلك المجتمع، فضلاً عن كونها حصيلة القيم الفكرية والأخلاقية والفلسفية وما يتبعها من قواعد سياسية وإدارية لذلك العصر. وهنا يجمل بنا ان نعترف بأن الحلة مثل بقية المدن العراقية عانت من غياب التنمية واهمال التطوير خلال مدة حكم الاستبداد الشرقي للعراق الذي بلغ أمده نحو خمسة قرون، وبقيت متأخرة في معظم المجالات لاسيما مجال العمران." الحكومة كانت بعيدة وعلى ضوء ما تقدم، فأنه ليس من الغريب على الإطلاق إذا ما وجدنا ندرة في موروث الحلة العمراني، ولعل بناية السراي (القشلة) التي بنيت في أواخر العهد العثماني على عهد المتصرف محمد الباباني، انفردت بلفت نظر المؤرخين، مما حتم عليهم الإشارة أليها. وتجدر بنا الإشارة الى أنها شغلت من قبل مديرية الشرطة وتوابعها الإدارية بعد تأسيس الدولة العراقية، ولكنها نقضت منتصف سبعينيات القرن الماضي. وجاءت مشاهدات السائحة الفرنسية دي لافوا التي زارت الحلة سنة 1881، تأكيداً الى ما ذهبنا اليه، حين ذكرت: أنها لم تر في الحلة بناية مهمة تلفت النظر، اللهم إلا مسجد صغير قد شيد في العصر الإسلامي، وكانت تعني بذلك مشهد الشمس. ويشير الناجي الى ان ثمة جانب آخر يتعلق بالتراث البيئي، هي البيوت التي تعد الخلية الأولى في تكوين المدينة، فأن بنائها كان على الطراز المعماري الشرقي الذي يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الحياة الاجتماعية، فضلاً عن الحالة الاقتصادية للأفراد، والمتوفر من مواد البناء. وهي تخلو من لمسات العمارة الإسلامية المتجلية في تزيين الجدران وزخرفة السقوف والحفر على الأبواب الخشبية، وتحتوي بعض البيوت على الشناشيل ذات المظهر الخلاب. ولا يخفى على أحد انتشار المساجد والمراقد العلماء والأولياء الصالحين في الأحياء السكنية للمدينة القديمة، وكان عامة الناس من أهالي الحلة معنيون ببنائها وتجديد عمرانها بين فترة وأخرى، ولا علاقة للحكومة بها. يجب العناية بعراقة المدينة ويضيف الناجي "طرأت بعض الاعتبارات الحديثة على العمارة بعد سنوات من تأسيس الدولة العراقية بداية عشرينيات القرن الماضي، وذلك باعتماد الطراز الغربي الحديث واستخدام حديد الشيلمان كنظام إنشائي للتسقيف. ومن ثم جاء توسع المدينة جراء ضغط آني مفاجئ بحيث لم يدع مجالاً للانتباه الى التخطيط العمراني، وحتى في المراحل اللاحقة، فأختلط البناء القديم بالحديث، وخلت المدينة القديمة من التناسق ومن المرافق العامة."
أما ما يخص الحلة في الوقت الحاضر فقال "بقيت بعض الأبنية شاخصة، ويمكن عدها من التراث البيئي، ولعل من أبرزها المساجد ومراقد العلماء المتناثرة هنا وهناك بين بيوت مدينة الحلة القديمة، والحقيقة التي لا يجوز إنكارها أنها كانت في وقت مضى كتاتيب للتعليم ومعاهد للعلم ومناراً للثقافة، والاهتمام بها من خلال صيانتها وعدها موروثاً، هو عناية بعراقة المدينة، لكونها أحدى الصفحات المضيئة، والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع تاريخ المدينة،" مشيرا ان هناك بعض المرافق العامة في الحلة، يتجلى فيها الإرث البيئي بكل وضوح، كحديقة الجبل (الجنائن المعلقة) وحديقة النساء، والعناية بها بقدر ما هو اهتمام بجمالية المدينة ورونقها، فأنها شواهد ما زالت حاضرة الى يومنا، تذكرنا بحقيقة كون العمارة تاريخ لا يكذب، تدعونا الى استحضار أسم صاحبها المتصرف سعد صالح جريو على الرغم من مرور ما يزيد على ستة عقود من زمن إنشائها. إنها عبرة نضعها أمام القائمين على إدارة شؤون مدينة الحلة اليوم، وما أبلغ العبر واقل الاعتبار كما قال الامام علي ابن أبي طالب (ع). هيئة للتحديث والتراث هذه أمنيات ودعوات مثقفي وأبناء الحلة بعد الخراب الذي طال مدينتهم التي تغفو بسكينة على ذراع نهرها غير آبهة بالتفجيرات التي لحقتها من جراء الاعمال الارهابية وليس بدعا او عجبا ان نسمع هناك حراكا ينمو بين أبناء هذه المدينة لإنقاذ المعالم التي اندثرت او تلك التي قاربت على الاندثار لتشكل هذه الثلة الخيرة هيئة تشرف على تحقيق الحلم بالعودة الى تراث الحلة القديم أنها هيئة الأحياء والتحديث الحضاري التي وضعنا امام مقررها الفنان علي عبد الجليل كل تلك الأمنيات والدعوات وليجيب عنها قائلا: ان خصوصية عمل الهيئة يقوم على دراسة وتبني اغلب المشاريع الحضارية والثقافية والفنية بما فيها المشاريع المستقبلية التي ستتضح ملامحها بعد ان يستتب الوضع الامني وينعم البلد بالأمان والاستقرار مضيفا ان اللبنة الأولى للهيئة كانت لجنة المسميات وهي لجنة انبثقت من مجلس محافظة بابل لغرض تبديل اسماء احياء ومناطق وشوارع مدينة الحلة خصوصا تلك التي تحمل اسماء حربية او تدل على رموز عبثت بالبلد وقد قامت اللجنة ووفق معايير حرفية عالية بتغير المسميات النشاز بعيدا عن الطائفية والفئوية ووضعت أسماء تتناسب وتاريخ عراقة مدينة الحلة وبعد ذلك توسع عمل تلك اللجنة ووجدنا لزاما علينا تشكيل هيئة تختص بالتراث الحلي وهي الان تعمل باربع لجان هي لجنة المسميات ولجنة التخطيط والمتابعة واللجنة الفنية واللجنة الثقافية بالإضافة الى ذلك نحن منفتحون على الاكاديميين والمختصين من أبناء المدينة ولابد الى أشارة مهمة ان عمل الهيئة هو استشاري يقدم المشورة الى مجلس المحافظة وهي منبثقة منه وحسب قرار رسمي وجميع العاملين في الهيئة عملهم طوعي دونما مقابل. خطوات كبيرة ويضيف مقرر الهيئة "على الرغم من قصر عمر الهيئة الا أنها حققت نجاحات كبيرة منها اقرار مشروع بناء مصهر البرونز التابع الى بلدية الحلة كونه فريد من نوعه في كل محافظات العراق عدا العاصمة بغداد وسيثمر عن ظهور طاقات أبداعية جديدة في مجالات النحت والنقش وعمل القوالب خصوصا وان المحافظة تحتضن كلية الفنون الجميلة وسيتلقى الطلبة دروسا تطبيقية في هذا المجال وكما سيكون مصنعا لعمل التماثيل والنصب والجداريات والأوسمة والقطع التذكارية والسياحية كذلك ومن خلال مقترحات الهيئة وتوصيتها تم استحصال موافقة على تخصيص مبنى مديرية بلدية الحلة حاليا ومبنى الخزينة لتحويلهما الى متحفين كونهما شيدا قبل اكثر من سبعين عاما وسيضم متحف بلدية الحلة نفائس الارث الحلي والوثائق والمخطوطات والقطع الفنية واللوحات واللقى والكتب والأسلحة والملابس الخ... وتكون الساعة في المبنى هي التي تطلق أول رناتها في حفل الافتتاح اما مبنى الخزينة فسيكون متحفا للوثائق والكتب المطبوعة للمؤلفين الحليين وسيكون للدراسات والبحوث والوثائق كما سيتضمن مجمل الاصدارات من مجلات وصحف ونشرات صدرت في مدينة الحلة على مدى تاريخها العام والوثائق التي عنيت بالمدينة بحثا ودراسة واستقصاء بالإضافة إلى ذلك تجري حاليا الاستعدادات لإقامة مهرجان كبير في الشهر العاشر من هذه السنة لمناسبة الذكرى 901 لتمصير مدينة الحلة وسيعقد في مدينة بابل الأثرية كي نبرهن ان هناك تناسلا مابين الحضارة والتراث وسيشمل المهرجان تقديم عروض مسرحية ومعارض تشكيلية وفوتوغرافية بالإضافة الى تقديم دراسات وبحوث ونحاول ان نجعل من هذا المهرجان في السنوات المقبلة مهرجانا دوليا." جهود دولية ويضيف عبد الجليل إلى ان هناك دورا للهيئة بالنسبة لترميم المراقد والشواخص الدينية حيث لدينا الان حوارات مكثفة مع مديرية الوقف الشيعي في تأهيل مرقد مرد الشمس لما يشكله من بعد ديني كبير واستقطاب سياحي من خارج البلد كذلك لاحتوائه على المئذنة السلجوقية التي يقدر عمرها بـ700سنة وبعد زيارة دولة رئيس الوزراء الأخيرة الى مدينة الحلة قمنا بطرح هذا الموضوع أمامه وقد أوعز بتطوير هذا المرقد على ان تتحمل الحكومة العراقية نفقات ذلك التطوير وقمنا بإعداد تصاميم لعمل هذا التطوير ومن المقرر إرسال وفد من الهيئة في غضون الأيام المقبلة إلى جمهورية إيران الإسلامية كونها رائدة في العمارة الإسلامية كي يتم التحاور في هذا الموضوع والخروج بتصورات نهائية إضافة لذلك استحصلنا الموفقات النهائية في ضم قطعة ارض تقع خلف المشهد تقدر بـ4000م ستضاف اليه فضلا عن ذلك لدينا أعمالا تطويرية في مرقد نبي الله ذو الكفل كذلك الخانات المحيطة به. ويتابع مقرر الهيئة كلامه بالقول: لدينا مخاطبات مع منظمة اليونسكو التابعة الى الامم المتحدة لتطوير البيوتات القديمة كي يتم تحويلها من مساكن الى متاحف معرفية تهتم بتراث الحلة وسنشارك قريبا في مؤتمر يهتم بهذا الموضوع اما فيما يخص إشراكهم في تصاميم المشاريع اجاب نحن كهيئة لم نشرك في تصميم لاي مشروع وقد قمنا بحضور بعض الجلسات للجنة تصميم الأساس لمدينة الحلة وطرحنا رؤانا إمام تلك اللجنة وأخبرناهم بوجود مناطق تراثية مهمة لابد الحفاظ عليها وجعلها معالم تراثية تمثل تاريخ مدينة الحلة. لابد من إشراكنا وأضاف ان التخطيط العمراني لم يبادر بأي وسيلة للحفاظ على ارث المدينة ولا نعرف أي شي عن عملهم ونطالبهم الى ضرورة إيجاد مبدأ الشفافية في عملهم وإشراكنا كي لا تكون هناك اخطاء في تصاميم بعيدة عن الإرث الحلي وختم مقرر الهيئة كلامه بمناشدة رئيس الوزراء العراقي نوري كامل المالكي إلى ضرورة تبنيه مشروع مجمع الحرية للمقابر الجماعية والذي تم وضع حجر الأساس لدى زيارته مدينة الحلة خصوصا وان الفترة التي تلته كانت طويلة مبديا تخوفه من تسويف هذا المجمع الذي يقع على الطريق الرابط لمحافظة بابل بالنجف الاشرف لاسيما وان مدينة الحلة ضمت اكبر مقبرة جماعية في العالم ولابد من تذكير بهذه الجريمة مضيفا ان الهيئة قطعت شوطا كبيرا في تخصيص الأرض والبالغة 6دونم.
وبعد هذه الرحلة وجدنا ان هناك تخوفا مما ستؤول إليه المدينة ان بقي النسيان يحيط بها وفي الجانب الأخر هناك بارقة أمل بعد ان انبثقت هيئة تحاول ان تعيد للحلة وجهها التراثي ومابين هذه المخاوف وبارقة الأمل لابد من وقفة من المسؤولين في المحافظة وتخصيص الأموال من اجل الحفاظ على ما تبقى من ارثنا الحضاري وان نشرك أبناء المدينة لرفد مدينتهم وإحياء ماضيها وتعريف الأجيال القادمة بتاريخ مليء بالقيم والاصالة والجمال وبدلا من ان نحلم هذه دعوة إلى الاقتراب من الحقيقة وجعلها في متناول اليد.