بوليوود: الأحلام بالألوان

ترجمة: صلاح سرميني
الحلم الهندي

تحصد بومبايّ ـ العاصمة الاقتصادية للهند ـ مليارات الروبيات في صالاتها السينمائية، فهي واحدةً من الصناعات السينمائية الأكثر أهميةً في العالم، تثير الحلم في نفوس الجموع، أولئك الذين يستعجلون للذهاب إلى الصالات للعيش في حالةٍ من الفانتازيا خلال فترة عرض الفيلم، وأولئك الذين يتزاحمون أمام مكاتب المنتجين أصحاب السطوةً الكبيرةً على أمل الحصول على دورٍ، والتمكن أخيراً بقضم لقمة من الحلم.
ثلاث ساعاتٍ، ولا أقلّ دقيقة واحدة، من الغناء السقيم، التقصعات الجنسية، سيناريو ساذج، ومشاهد فاترة.
أمام آلاف البنات المذهولات، هاهو "راجا هندوستاني" الفيلم الذي حصد نجاحاً كبيراً في الصالات الهندية، فيلمٌ هنديٌّ مثل آلافٍ غيره: بطلٌ جميلٌ جداً، وبطلة فقيرة، يلتقيان في ظروفٍ غريبة، عجيبة، يرقصان، ويغنيان، يتعارك البطل مع الأشرار، تبكي البطلة كثيراً، تتعالى المؤثرات الخاصّة، وتتوالى، تغطي الموسيقى على التأوهات القلقة، ونواح المتفرجين، وفجأةً، في نهاية الساعات الثلاث، يتزوج الحبيبان في معبدٍ بصحبة أفراد عائلة سعيدة، ومنتشية، لينطلق الحبّ الأبدي الدائم، بدون طلاق، ومع الكثير من الأطفال.
يشكل هذا النوع من القصص المُبسّطة الركيزة الدائمة لسيناريوهات بوليوود، الصناعة السينمائية الثالثة في العالم بعد اليابان، وهونغ كونغ، هذه الانتاجات التي تُسمى "ماسالا" (وتعني خليطاً من البهارات) تتكون من التركيبة التالية: قليلٌ من العنف، ملعقةٌ كبيرة من الحبّ، بعض حباتٍ من التشويق، حفنةٌ كبيرة من الموسيقى، والرقص، ويمزج الكلّ في ليتراتٍ من ماء الزهر.
هناك 600 فيلمٍ طويل تعتمد على هذه الوصفة تخرج كلّ عامٍ من دزينة الاستوديوهات الموجودة في بومبايّ.
الإدعاء الوحيد للمنتجين هو الحصول على الربح الماديّ، وبشكلٍ ثانويّ، تسلية المتفرج.
مع كل فيلم جديد، هناك الملايين الذين يتسارعون للذهاب إلى صالات السينما، متلهفين لنسيان حياة يومية صعبة بمقابل بعض الروبيات.
الفتيات الصغيرات، ومعظمهن ينتظرن زيجاتٍ مُرتبة، تحلمن أمام سيناريوهاتٍ رجولية مفرطة، حيث الحياة الجنسية غائبة دائماً، ولكن الأبطال سعداء بدون قبلات (الرقابة تفرض ذلك).
في نهاية الفيلم، الأولاد مستعدون للقتال بقبضاتٍ عارية ضدّ أفراد عصابة يزعقون، ومسلحين حتى أسنانهم، وكحال الأبطال، في الواقع يعتبر الممثلون مثلاً أعلى يمتلكون أهميةً مثل الآلهة في الأساطير الهندية، في أحاديثهم الصحفية للمجلات الهندية الكثيرة المخصصة للسينما، يحكي هؤلاء حكاياتهم المضطربة، الهائجة... "أحبُ فتاة، نحبُ بعضنا، إنه شيءٌ رائع، لم تعد تحبني، أنا حزين،.....".
وللوصول إلى التكريس، فقد خضعوا لكلّ التضحيات، تعلموا ركوب الحصان مثل "جون واين"، السباحة مثل "رجل الإطلطني"، تدوير عيونهم برومانسيةٍ مثل ثعلب "تيكس إيفري"، والقتال مثل "بيومان"، تابعوا نظاماً غذائياً ليظهروا أقوياء مفتولي العضلات، والأكثر شيوعاً، يوجد في عائلاتهم أبٌ منتج، ابن عمٍ ممثل، أو أخٌ مخرج،....
وكلّ من لا يملك تاريخاً عائلياً بـ"التكنيكولور"، لا يبقىَ لهم غير مدارس التمثيل التي ازدهرت في السنوات الأخيرة، وقد تنبه بعض الأساتذة الخبثاء، وفطنوا للربح السهل، وذلك لأنّ آلاف الشباب المنحدرين من مدنٍ صغيرة، يحلمون بالبريق الزائف، وآباءهم متفرجون مولعون بأفلام "ماسالا"، يعتقدون بدورهم بالربح السريع، والشهرة الخاطفة، ولا تتردد عائلات متوسطة الدخل من الاستدانة حتى الاختناق كي تتمكن ذريتهم من تجريب حظوظها في بومبايّ.
مدرسة التمثيل، نادي الرياضة، دورة رقص، وأحياناً، يمكن أن نضيف إليها جراحةً تجميل، عدسات لاصقة بلونٍ أخضر، سائقٌ لمنح الانطباع بالثراء، بيتٌ في بومبايّ، وخادمة (إذّ لا يمكن ترك الفتيات يسكنون لوحدهن في مدينةٍ كبيرة، وخطيرة)،...ومن أجل ذلك، يستدين الآباء، ويساعد الجدّ، والجدّة على قدر استطاعتهم.
يقول بي ار تشوبرا، واحدٌ من المنتجين الرئيسيين في المشهد السينمائي الهندي، "معظم هؤلاء الشباب لا ينجحون أبداً في اختراق المجال السينمائي، والأسباب عديدة: نقص الموهبة، والجرأة، والعلاقات،.. والنتيجة واحدة: ينتهون مجهولين في بومبايّ، جرحى للأبد، ومفلسين."
ولكن الفتيات يستفدن من هذا الوضع أكثر من الشباب، تقول نيلام (22 عاماً) القادمة من اغرا وهي مدينةٌ صغيرةٌ في شمال البلاد: "منذ ثلاث سنوات، وبعد أن أقنعتُ والدايّ بإنفاق النقود التي ادخراها لزواجي، عملتُ دورات تمثيل، ورقص، ونظاماً غذائياً قاسياً، واشتراكاً في نادٍ رياضيّ، ولم أعثر أبداً على دور، وربما لن أجد أبداً، ولكنني، على الأقل، تركتُ مدينتي الصغيرة، والدايّ لم يعدّ يستطيعا تنظيم زواجٍ مرتب، فقد تبخرت نقود المهر، تعلمتُ الاعتماد على نفسي، هنا سوف أجد عملاً، وزوجاً، ويمكن أن أعيش في بومبايّ طوال حياتي الباقية، وحتى يمكن أن أسافر أيضاً إلى أماكن أخرى."
لقد أصبحت نيلام بالتأكيد بعيدةً عن الحلم البوليووديّ، ولكنها تعرف بأنها أصبحت بعيدة أيضا عن قدريةٍ رسمها لها والديها في اغرا، تلك المقررة لفتاةٍ بعمر العشرين في مدينة صغيرة من البلاد، سوف تخضع لزوجٍ لن تعرفه إلاّ في يوم الزواج.
اليوم تعيش نيلام وحدها في بومبايّ بصحبة خادمةٍ مفروضة عليها من قبل والديها، يمكن أن تختار أصدقائها، وتخرج في المساء، وتقود سيارتها بنفسها، وتفتح حساباً مصرفياً باسمها، ويبدو بأنها مميزاتٍ بسيطة، ولكنها، بالنسبة لفتاةٍ هندية وُلدت في اغرا، وتربت في وسط التقاليد الهندية الخالصة، تعتبر مكتسباتٍ كبيرة. بقلم: غولين ايدوكس وماثيو كولن
ترجمة: صلاح سرميني