منْ هو المستفيد الاكبر من اغتيال الشيخ عبدالستار ابو ريشة؟

لقد اغتيل الشيخ عبد الستار أبو ريشة يوم الخميس المصادف 13/9/2007، وعن طريق سيارة مفخخة، وسيناريو معين لاستدراجه، عندما أعترضه رجل محتاج (عابر سبيل) ومعاق يطلب المساعدة بمناسبة حلول شهر رمضان، فحال ترجل الشيخ نحو عابر السبيل تم وضع التفجيرات في سيارة الشيخ القتيل، و حسب رواية الشرطة العراقية.
ومن هنا نمسك رأس الخيط الذي يقودنا إلى التحليل.
فالشعب العراقي والمتابعين والقراء في داخل العراق وخارجه ليسوا سُذج، بل هناك نخب من المحللين والمختصين والمحققين، والذين حتما سيشاركوننا توجسنا،والذي نطرحه على شكل أسئلة قصيرة:

س1:
كيف عرفت الشرطة العراقية، وعلى لسان وكيل وزير الداخلية العقيد طارق الدليمي أبعاد هذا المخطط، وبهذه السرعة... علما أنه حدثت عمليات كثيرة ومماثلة، ولم نسمع بالدليمي، ولا بهذه السرعة التي تعطي حيثيات المخطط؟

س2:
لماذا تم اختيار العقيد الدليمي تحديدا، ليعلن عن عملية اغتيال الشيخ عبد الستار أبو ريشة، والذي هو دليمي أيضا؟

س3:
لقد أعلنت الحكومة العراقية في بيانها، بأنها تتعجب كيف تم اختراق الخطوط الأمنية المفروضة على الشيخ أبو ريشة، فبهذا التصريح تضع الحكومة العراقية نفسها في موقع المتهم، وعليها إثبات براءتها؟ وإن قالت العكس فكيف عرفت أنه هناك كسر للطوق الأمني وهناك عملية اختراق؟

س4:
عطفا على السؤال الثالث، ومن ثم على رواية الشرطة العراقية نجد أن المنطقة المحيطة بالشيخ أبو ريشة وحتى الخطوط التي يتحرك من خلالها وضمنها مكشوفة تماما لعيون الشرطة التي يفترض أن تكون حكومية ولعيون رجال صحوة الأنبار ومن ثم لعيون رجال القبائل وسكان المنطقة... فكيف تم وضع المتفجرات وبهذه السرعة عندما ترجل الشيخ نحو عابر السبيل... وهل ان الذي وضع المتفجرات خرج من باطن الأرض أم نزل من السماء؟

س5:
من هو الطرف المستفيد من مقتل الشيخ عبد الستار أبو ريشة... فقطعا هو ليس تنظيم القاعدة وحده، ولأن هذا التنظيم وإن وجد في العراق، فلا يمتلك تلك القوة التي تحاول وسائل إعلام حكومة المنطقة الخضراء، ومعها وسائل إعلام المحتل الأميركي الناطق بالعربية وغير العربية تجسيدها في ذهن وإذن المواطن العراقي والعربي والغربي... ولمن يريد البحث عليه مراجعة بيانات الاحتلال، والمؤتمرات الصحفية لقادة الجيش الأميركي، والتي احتوت على تأكيدات وتصريحات بأن 90% من المقاومة هي من العراقيين....!؟.

التحليل السياسي لأبعاد عملية الاغتيال فبعد ما تقدم نكاد نجزم بأن الطرف الذي قام بعملية الاغتيال ذكيا ووراءه إمكانيات كبيرة، ويمتلك حرية كاملة بالتحرك على الأرض العراقية،وفي البقعة الجغرافية للحادث، والتي تعشش بها بورصة المال (الرشاوى) والمنافع والمغانم، والتي يلوح بها الاحتلال والحكومة وإيران والأطراف الخليجية والأردن، وحتى من القاعدة التي تحبذ الكسب لصالحها، وإن هذه البورصة في تصاعد من ناحية الكم والضخامة، لهذا كًثُر المنافسين من الانتهازيين في تلك المنطقة الجغرافية، ولقد فُتحت دكاكين مماثلة لـ "صحوة الأنبار" في صلاح الدين وبعقوبة والموصل وغيرها.
وقبل أن نذهب بعيدا في عملية التحليل، علينا أن نتذكر عملية اغتيال رجل الأعمال والسياسي المرحوم مزهر الدليمي وفي نفس المنطقة، فلو دققنا بعملية اغتيال مزهر الدليمي، فسنجدها تشبه عملية اغتيال الشيخ عبد الستار أبو ريشة، خصوصا وأن مزهر ر كان جريئا بالنقد ضد إيران، وضد المليشيات والقوانين التي كانت تصدرها وزارة الداخلية، وكان يمتلك علاقات قوية مع الجامعة العربية، ومع الحكومة المصرية، وبذل جهودا كبيرة في إقناع الجامعة العربية والجانب المصري أن يأخذا دورهما في العراق، وهذا بحد ذاته أغضب أصحاب المشروع التعجيمي والكاره للعروبة والعرب، والحاقد على اللغة العربية نفسها،وكان الرجل غنيا والقضية نفسها عند الدليمي عبد الستار، فالأخير كان ناقدا للمشروع التعجيمي وللمليشيات وللتهجير ولكل أنواع الاجتثاث، فكان عميلا مختلف عن المجموعات التي جاءت خلف الدبابة الأميركية، أي يريد بناء مدينته والحفاظ على أبناء منطقته وطائفته ثم الصعود نحو المصالحة الوطنية حسب تصريحاته أمس وقبل مقتله بـ 24 ساعة.
لذا علينا أن نتذكر المحصلة التي توصلنا لها في موضوع مزهر الدليمي، والتي توصل لها ذوي مزهر الدليمي أيضا، بأن هناك جهة أو عدة جهات قامت ومن منطقة الأنبار ببيع مزهر الدليمي من خلال التخلص منه، وها هو عبد الستار أبو ريشة قد تم بيعه بنفس الطريقة، ولنفس الجهة التي تتحكم بالبلاد والتي أمرت بالتخلص من مزهر، لأنها لا تريد نقدا ولا ناقدا، ومن ثم لا تريد أن يبرز طرفا منافسا لها في بقعة الأنبار، وفي البقعة السنيّة، وكذلك لا تريد منافسا لها في الساحة العراقية،ومن هنا ترتسم خارطة أعداء أبو ريشة وهم:
ــــ المنافسون القبليّون في بقعة الأنبار، وهم من الوجوه التي تبحث عن دور.
ــــ المنافسون السياسيون في الجغرافية السنيّة، والذين أحسّوا بالحرج والخوف على نفوذهم من بروز أبو ريشة.
ـــ المنافسون لأبو ريشة ولبقعة الأنبار وللجغرافية السنيّة والمهيمنين على مؤسسات الدولة كلها، ولهم اتصالات مع دولة إقليمية.
لهذا رتبت عملية الاغتيال بطريقة مركبة، وإن من جمع الأطراف التي اتفقت على التخلص من أبو ريشة، هو المال والمناصب والمغانم والحصول على جزء من تركة العراق، ولكن هذه الأطراف ليست بالضرورة أن جميعها تمتلك بعدا إستراتيجيا، بل أن معظمها تحرك ووافق نتيجة حسابات مرحلية وتكتيكية ومادية، باستثناء الطرف المهيمن على مقادير العراق، والذي له حسابات إستراتيجية على المستوى السياسي والطائفي والجغرافي والإثني، ومعه الطرف السياسي السني الذي لديه حسابات سياسية إستراتيجية هو الأخر، وعلى علاقة مع الطرف المهيمن على مقدرات الدولة.
لهذا فنحن نبرأ تنظيم القاعدة تماما، أي التنظيم الذي يمتثل إلى بن لادن والظواهري وربما أن الطرف الذي سهلّ العملية هو تنظيم القاعدة الذي أصبح مع الدولة الإقليمية في العراق، مقابل دعمها للقاعدة ولمجموعات حركة طالبان في أفغانستان.
وكذلك نعلن إستباقيا بأن خلايا حزب البعث لن تقوم بهكذا عمل معقد ومركب ويحتاج إلى لوجست معقد، وننصح خلايا البعث وخصوصا التي في الخارج، والتي أدمنت على البيانات بمناسبة وغير مناسبة بعدم التبجح، وخلط الأوراق، فعند خلطها ستكون لمصلحة التيارات التي تحركها الدولة الإقليمية في العراق، لأن من مصلحتها إبعاد التهمة عنها. كيف أن الرئيس بوش قتل أبو ريشة؟ ولكن لو جئنا للحقيقة فأن الرئيس جورج بوش يتحمل مسؤولية مقتل الشيخ عبد الستار أبو ريشة، ولقد أكدنا للمقربين منّا حال ظهور الشيخ أبو ريشة إلى جوار الرئيس بوش، وأكدنا بالقول "لن يعيش هذا الشيخ طويلا إطلاقا" ولقد صدق حدسنا.
والسبب لأن الرئيس الأميركي أرتكب الخطأ الإستراتيجي، وكعادته عندما أعلنه وقدمه بديلا عن الذين يمتلكون المليشيات والخلايا العلنية والسرية، والتي أرهبت العراقيين قتلا وذبحا وتهجيرا واجتثاثا، لهذا تقرّب مقتل الشيخ أبو ريشة عندما أعلن بوش دعمه لمطالب أبو ريشة، ودعمه لتشكيل أفواج من القبائل السنيّة، وعندما تبرع بدعمها ماليا ولوجستيا وإعلاميا، فهذا كله زلزل كيان الجهات التي تمتلك مليشيات وخلايا للموت،ولها علاقات مع دولة إقليمية، وأخرى متحالفة معها،ولها علاقات مع أطراف سلفية في الخليج ودول أخرى.
فكل هذا الكرم البوشي التكساسي أغاض جميع الخصوم من الحلفاء القدامى للولايات المتحدة، والذين اعتبروا جورج بوش إمامهم الثالث عشر، ولا يجوز الطواف حوله من قبل غيرهم، ويعتبرونه راعي نعمتهم وحبيبهم الجنلتمان، لذا فهم لا يقبلون أن تخطفه حبيبه، أو حبيب جديد، لهذا تحالفوا على تغييب عبد الستار أبو ريشة كي تبقى الساحة لهم والى أولياء نعمتهم الإقليميين، ومن ثم يبقى الحبيب والإمام لهم ولوحدهم.
لهذا فأن الجهة التي خططت لتغييب الشيخ أبو ريشة تروم الوصول إلى ما يلي:
ــ تجسيد فقدان الثقة بين بقعة الأنبار بشكل عام وصحوة الأنبار بشكل خاص وبين حكومة المالكي من جهة، ومن ثم تجسيد فقدان الثقة بين قبائل الأنبار وصحوة الأنبار من جهة والقوات المحتلة والولايات المتحدة من جهة أخرى... و كي تبقى الولايات المتحدة على ود مع المجموعات التي تحالفت معها أبان سقوط النظام السابق.
ـــ إحداث شرخ قبلي في الأنبار، وأحداث تصادم بين صحوة الأنبار ومنافستهم جبهة التوافق السنيّة وعرابها الهاشمي.
ـــ زرع الشكوك عند صحوة الأنبار ضد تنظيمات حزب البعث وتنظيمات المقاومة العراقية، ومن ثم محاولة ألهائهم بمعارك جانبية كي تبقى الساحة لحلفاء الدولة الإقليمية.
ـــ من أجل التعجيل بالتخلص من بقايا تنظيم القاعدة التي رفضت التحالف مع الدولة الإقليمية في العراق ومن خلال المعارك التي ستحدث بين صحوة الأنبار وبعض تنظيمات القاعدة في العراق.
ختاما.....
نتوقع هناك تداعيات مقبلة، ومنها زيادة وتيرة الاغتيالات بين صفوف نواب البرلمان، ومن ثم زيادة التفجيرات ضد مقرات ومنازل ومواكب السياسيين المتنافسين..... والحل هو بإسقاط النظام الطائفي والإثني، وتعطيل الدستور، وإعادة الانتخابات العراقية بطريقة معروفة عالميا ودوليا وتكون بإشراف دولي صارم.

سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي
مركز الشرق للبحوث والدراسات