انتهت 'أمير الشعراء' ولم ينتهِ الجدل حولها

كتب ـ أحمد فضل شبلول
اقتراح جوائز جديدة

انتهت مسابقة "أمير الشعراء" التي أعدتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ونفذتها شركة بيراميديا، الجمعة 7/9/2007، ولم ينته الجدل حولها حتى الآن. بل أن الجدل تصاعدت حدته ووتيرته عما كان قبل إسدال الستار على المسابقة الشعرية الضخمة.
فبعض المتابعين رأوا أن يأجلوا حكمهم على المسابقة لحين الانتهاء منها، ورؤية ما تتمخض عنه، وهل سيتمخض عن الجبل فأر، أم سيتمخض عن الجبل جبل مثله؟ وهذا هو عين العقل أن أحكم على الشيء بعد أن أكوِّن تصورا شاملا عنه، لا بمجرد السماع أو رؤية جزء منه.
وأيًّا كان الحكم على تلك المسابقة الشعرية الكبيرة، فإن هذا لا يقلل من الجهد الكبير الذي بذل فيها، وآلية العمل الضخمة التي أديرت من خلالها، فمجرد استقبال آلاف القصائد الشعرية من أنحاء الوطن العربي وخارجه، وقراءتها وفحصها واختيار الأجود منها أمر عظيم في حد ذاته.
ناهيك عن اسقبال ثلاثمائة شاعر من بين المتقدمين، حضروا جميعا إلى أبوظبي والتقوا لجنة التحكيم، واختير منهم 80 شاعرا، ثم 35 بدأت بهم الحلقات التلفزيونية على الهواء مباشرة ضمن خمس حلقات في المرحلة الأولى، ثم ثلاث حلقات في المرحلة الثانية، وحلقتين في المرحلة الثالثة والأخيرة، توج في آخرها الشاعر الإماراتي عبدالكريم المعتوق أميرا لشعراء المسابقة.
بطبيعة الحال هناك من يحزن لاستبعاده ويبدأ الهجوم على المسابقة ومحكميها بدلا من تطوير أدائه وثقافته الشعرية والعامة، وهناك من يفرح لاختياره، فيمدح المسابقة ومحكميها، ثم يعود إلى الهجوم أو التهجم إذا تم استبعاده في حلقة من حلقاتها، مثلما فعل شاعر من ليبيا وصل إلى التصفيات النهائية ثم خرج في إحدى الحلقات، فكتب هجاء في أحد المحكمين وأرسله إلى كل شخص وكل جهة يستطيع أن يصل إليها بريده الإلكتروني.
ولكن مما يؤخذ على بعض المعارضين للمسابقة هو إصدار الحكم عليها، دون مشاهدة أي حلقة من حلقاتها. فمن تابع مسابقة "أمير الشعراء" سيجد أن معظم قصائد شعرائها الشباب دارت حول الهم العربي بعامة، وتضفيره الفني في قصائدهم، وخاصة الوضع في فلسطين والعراق، الأمر الذي أدى إلى تفاعل كبير بين الشعراء أصحاب هذه القصائد وجمهور مسرح شاطئ الراحة في أبوظبي الذي أقيمت به المسابقة، وجمهور المشاهدين لقناتي تلفزيون "أبوظبي"، و"أمير الشعراء"، وإذاعة الإمارات إف إم.
وعلى الرغم من ذلك يقول أحد من هاجم المسابقة، إنها "تهدف إلى غسيل مخ المجتمع وصرفه عن قضاياه الجوهرية الأساسية لتحرير الأرض المحتلة في فلسطين والعراق وسوريا ولبنان، ومقاومة الديكتاتورية الحاكمة في كل الأقطار العربية والانهيار الاقتصادي في بعضها والتخمة في أقطار أخرى."
هكذا تصبح مسابقة "أمير الشعراء" مسئولة عن تردي الأوضاع في الوطن العربي وعن الانهيار الاقتصادي أو التخمة الاقتصادية في رأي صاحبنا.
أيضا هناك من هاجم المسابقة على أساس أنها تمنح جوائزها لقصيدة واحدة لا تزيد على عشرين بيتا، ولم ير صاحب هذا الرأي الدروب الطويلة أو المسارات العميقة التي سار فيها كل شاعر حتى وصل إلى التصفية النهائية، فمن وصل من الشعراء، لهذه التصفيات ليس من خلال قصيدة واحدة ولا قصيدتين أو ثلاث قصائد، ولكن هناك تحديات شعرية أفصحت عن معدن كل شاعر وأصالته وجودته وتمكنه، وقدرته على الكتابة الشعرية والاتصال الشعري مع الجمهور.
ما بين قصائد المعارضة وقصائد الارتجال، فضلا عن قصائد الحالة الشعرية، وجودة الإلقاء وحسن الأداء، تنوعت المشاركات الشعرية لشعراء المسابقة التي أفرزت في النهاية خمسة شعراء شارك الجمهور في اختيارهم إلى جانب لجنة التحكيم.
ولم يسلم الجمهور نفسه من الانتقاد من بعض المهاجمين، لأنه في رأيه جمهور متعصب يجهل قواعد اللعبة الشعرية، ويقول صاحب هذا الرأي بعد أن انتقد الطريقة (السلعية) ـ على حد قوله ـ التي أديرت بها المسابقة، وبعد أن شبهها بمسابقات الرقص والأزياء والأغاني "الشعر ليس اجتهادا عاما يطرح على الشوارع والأرصفة والجمهور، بل هو أرقى فنون الكلمة التي أنتجها العقل البشري، ولا يصح لغير المتخصصين أن يحكموا عليه في المسابقات أو المهرجانات."
ونسي صاحبنا أن هناك لجنة تحكيم متخصصة في الشعر ونقده، كانت موجودة، وأدت دورها بإجادة.
والبعض هاجم المسابقة من خلال مقدمها الذي كان يخطئ في اللغة العربية وهو يقدم الأماسي والحلقات الشعرية، فيقول على سبيل المثال (سيخرج واحد من اثنان) أو (سيخرج أول اثنان) و(اختيار اثنان من الشعراء) أو (من الخمسة والثلاثون) وغيرها من الأخطاء التي قد تبدو معظمها في أخطاء الأعداد، وصاحب هذا الرأي محق في ذلك، فبالفعل وقع مقدم الحلقات في عدد من أخطاء اللغة ما كان لمذيع يقدم برنامجا شعريا كبيرا في لغة الفصحى أن يقع فيها.
والبعض يظن أن هناك هدفا ربحيا للمسابقة، يساعد على جلب دخل مالي لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث أو الشركة المنفذة للمسابقة، من خلال رسائل المحمول القصيرة إس إم إس.
وأعتقد أن من يرى أو يعرف حجم الإنفاق المادي على تلك المسابقة ويقارنه بدخول الرسائل القصيرة سيلاحظ الفجوة الكبيرة من الرقمين، وأعتقد في الوقت نفسه أن هيئة حكومية وثقافية كبيرة مثل هيئة أبوظبي للثقافة والتراث التي أنفقت الملايين على تلك المسابقة، في غير حاجة إلى مكسب مالي ضئيل من وراء الرسائل القصيرة، ولكن الغرض من الرسائل القصيرة غير المكلفة كثيرا إشراك الجمهور المحب للشعر وللشعراء على امتداد رقعة الوطن العربي، فلم يكن هناك وسيلة أكثر عصرية من رسائل المحمول أو الرسائل الإلكترونية من خلال شبكة الإنترنت لاختيار ألقاب الشعراء كما لاحظنا في الحلقة الأخيرة.
وغير ذلك من الانتقادات التي وجهت للمسابقة، بعضها محق، ومعظمها غير محق، ناهيك عن اعتراض الكثيرين على مسمى المسابقة نفسها "أمير الشعراء" الذي أطلق على الشاعر أحمد شوقي منذ ثمانين عاما، ولعل هذا الانتقاد كان هو الانتقاد الأساسي للمسابقة، وقد وجه هذا الانتقاد عدد كبير من الشعراء والكتاب ليس في مصر، بلد أحمد شوقي، وحدها، ولكن في عدد من الدول العربية الأخرى بما فيها الإمارات نفسها على طريقة "وشهد شاهد من أهلها" (يراجع على سبيل المثال جريدة الأهرام المصرية عدد الخميس 13/9/2007 ص 33 للكاتب الإماراتي محمد خليفة).
ولكن يأتي صوت عربي من خارج الوطن العربي للشاعرة السورية المقيمة في نيوزيلنده فرات أسبر، حيث تقول "إمارة الشعر كانت لشوقى واليوم لكريم معتوق قد يعترض معترض ويستنكر مستنكر، ولكن كفى تغييبا وإقصاءً." (يراجع جريدة ميدل إيست الإلكترونية 8/9/2007).
وإذا كان الانتقاد قد وجه للمسابقة بسبب مسماها الذي في نظر البعض ينزع عن أحمد شوقي الإمارة التي تقلدها ثمانين عاما، وبالتالي عن مصر بلد الشاعر، فإن الانتقاد الأكبر أن يحملها كريم معتوق، لأن هناك من وصل النهائيات يستحقها أكثر ـ من وجهة نظرهم ـ من معتوق، وعلى الأخص الفلسطيني تميم البرغوثي، أو الموريتاني محمد ولد الطالب.
ولكن كل هذا لا يقلل أبدا من أهمية المسابقة، وما فعلته من ردود أفعال في الشارع العربي، ولعل نجاح تلك المسابقة وإحداث ما يشبه الصدمة الجميلة، دعا، بل حفَّز، جهات أخرى لتقليدها غيرةً أو طمعا في كسب مادي عاجل، وشهرة خاوية ودون أية آلية عمل محددة وواضحة مثل الآلية التي رأينا "أمير الشعراء" تدار من خلالها.
ولعلي في نهاية تلك الكلمة، أرى أن تشكل هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وشركة بيراميديا المنفذة للمسابقة، لجنة عمل محايدة تطلع على كل التحقيقات والمقالات والآراء التي قيلت في المسابقة سواء المتفقة أو المعارضة، بغرض دراستها، واستخلاص الملامح الإيجابية فيها للعمل على تعظيمها، واستخلاص الملامح السلبية والعمل على تلافيها في مسابقة العام القادم إن شاء الله.
وقد سبق أن اقترحت أن تضاف جائزة جديدة لجوائز المسابقة، عبارة عن اختيار إحدى قصائد الفائزين الصالحة للغناء وطرحها على الفنانين الذين يودون غناء القصائد الفصحى مثل الفنان الإماراتي مروان محمد، الذي تغنى ببعض أبيات المتنبي في حلقة من حلقات المسابقة. وأرجو أن ينظر إلى هذا الاقتراح بعين الاعتبار. وإلى اللقاء مع "أمير شعراء" 2008. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية