منْ يحرص على طلاق دمشق مع القاهرة والرياض؟

بقلم: سمير عبيد

بعد أن تكشّفت ملامح المرحلة المقبلة تقريبا، والتي بدأت بكشف بعض الوجوه نتيجة سقوط الأقنعة عنها، فلقد تبيّن بأن أغلب حكومات وأنظمة المنطقة قد تم اختراقها من قبل أجهزة ودوائر أصحاب المشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة.
تبيّن بأن معظم الحكومات العربية والإقليمية تعاني من وجود الطابور الخامس فيها، والذي يعمل تحت شعار التغيير والتجديد، وأحيانا تحت لواء الموعظة والتديّن، وقد جاءت تحت غطاء الشعار الأول الأساطيل والبوارج والطائرات والدبابات نحو العراق، ولكن حالما سقط النظام في بغداد، وإذا بالعالم يُفاجأ بمشروع إمبراطوري وكولنيالي في العراق، ويُبشر بحرب دينية وحضارية وثقافية بعيدة المدى والأهداف، ولقد دُفنت جميع الشعارات الوردية، وحل محلها القتل والتفجير والإرهاب والجوع والبطالة والمخدرات، والفساد الاجتماعي والأخلاقي والإداري، والشروع بتقسيم العراق إلى دويلات ومشيخات تعتمد على التخدير العاطفي والديني والغريزي.
ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل أجبروا الحكومة العراقية التي هي على غرار حكومة "فيشي" التي أسسها الألمان في فرنسا كي تقر قوانين نهب الثروات العراقية كلها، وفي مقدمتها النفط والغاز ولنصف قرن مقبل، وهكذا يُراد نهب ثروات البلدان العربية والإقليمية وبنفس الطريقة، ومن خلال الانطلاق من العراق!
فالإستراتيجيون الأميركان ومن معهم يعتبرون سوريا عقدة المنشار، وعقدة الفضاء الإستراتيجي الذي تريد تأسيسه الولايات المتحدة كمرحلة أولى، وهو من مياه شط العرب جنوب البصرة العراقية حتى شواطئ طرابلس اللبنانية (شواطئ المتوسط) كي تنتقل نحو تفعيل وتوسيع الفضاء الإستراتيجي الأخر وهو من الحدود الأفغانية مع الصين وإيران وجمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق نحو بحر العرب كي يتم ربطه بالفضاء الأول أعلاه، وبهذا سيتشكّل "طريق حرير أميركي جديد" ويكون ملكا صرفا إلى الولايات المتحدة، وعلى حساب الدول العربية والإقليمية وحتى على حساب روسيا والصين والدول الغربية.
فهم على عجلة من أمرهم كي ينتقلوا إلى مرحلة إدخال باكستان في المشروع الإثني والطائفي (مشروع الفوضى الخلاقة - الفوضى العمياء) والعمل على تفكيك إيران من الداخل، وذلك من خلال تفكيك القوميات التي يتكون منها المجتمع والكيان الإيراني من أجل زجها في المشروع الإثني، ولقد قطعوا أشواطا في هذا، وأن السلطات الإيرانية أخذت علما بهذه المخططات، ولقد شعرت بالخوف والرعب وهذا حقها.
لهذا أصبحت أمام خيار الصمود حتى المواجهة (وهي مقامرة لا تُعرف نتائجها) ولقد تبنتها بعض الأطراف، والتي لا تمتلك خبرة كبيرة في فن القيادة في المنحدرات والمنعطفات السياسية، هذا من جانب.
أما من الجانب الآخر، فهناك الخيار الثاني، وهو التهدئة وترطيب الأجواء مع الولايات المتحدة والغرب، والعمل بهدوء على إزالة التوترات من أجل بسط أجواء الحوار، وهذا ما تم اختياره من قبل الجهات المهمة في إيران على مستوى الإصلاحيين السياسيين والدينيين، وكذلك على مستوى رجال الاقتصاد والمجتمع المخملي، ولقد نجحت هذه الجهات من تسجيل النقاط الكبيرة في مشروع التهدئة، ورفع فتائل التشنج والصدام، ويُرشح بعض الخبراء بأن هذه الأطراف مهمة، وسيكون لها شأنا كبيرا في إستباب الهدوء في المنطقة كلها، فيما لو نجحت بفرض هيبتها وسيطرتها في إيران، وفيما لو صدقت معها الولايات المتحدة والغرب، ولكنها ماضية في تحقيق أهدافها.
فهذا يُحتّم على الجانب السوري وقبل غيره أن يسعى نحو وضع إستراتيجية عاجلة وبنفس الاتجاه، وعندما أكدّنا على سوريا كونها البلد العربي الوحيد الذي يمتلك علاقات قوية وخاصة ومميزة مع إيران.
وبما أن إيران اقتنعت بأن تغير خطوط وآليات لعبتها مع الولايات المتحدة والغرب، فيجب أن لا تبقى سوريا لوحدها في الساحة، وتكون شماعة يُعلق عليها الجميع أخطاءهم، فهناك سيناريو خفي يُراد من وراءه تحقيق جملة من الأهداف، وأولها جعل سوريا كبش الفداء، والشماعة التي يُعلق عليها الآخرين أخطاءهم، وخصوصا بعد أن سقطت الأقنعة من بعض الوجوه، و أن عملية السقوط مستمرة وستظهر لنا وجوه أخرى.
لذا فأن اللوبي العربي الأميركي الذي يعمل ليل نهار من أجل تحقيق الطلاق بين دمشق والقاهرة من جهة، وبين دمشق والرياض من جهة أخرى يجب أن لا يُعطى الوقت، وأن لا تُوفر له الآليات من أجل تحقيق هذه الأهداف.
فالذي حصل بين دمشق والرياض لا يستحق الحملات الإعلامية والسياسية إطلاقا، ولقد حدثت أمور أكبر في الماضي، ولم يتجيّش الإعلام بهكذا تجييش، وكذلك لم يتجاوز بعض السياسيين والإعلاميين والصحفيين حدودهم في البلدين وفي بلدان أخرى، ولكن حتما أن هناك جهات دولية وإقليمية، وحتى عربية تريد زيادة وتيرة الخلاف بين سوريا والمملكة السعودية، وهذا خطير للغاية وسيضر في المصلحة العربية الكبرى، وسوف تُؤسس على ضوءه مشاريع وأهداف خطيرة وستدفع ثمنها الأجيال العربية، وفي مقدمتها الأجيال السعودية والسورية.
ونحن على يقين بأن القيادتين في البلدين لا تريدان التصعيد، وهذا مؤكد عند جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز، وكذلك عند فخامة الرئيس بشار الأسد، ولكن هناك لوبيات صغيرة لها علاقات خاصة مع لوبيات أميركية وغربية وإقليمية، وتحديدا في السعودية تحاول إرباك القيادة السعودية وخصوصا إرباك جلال الملك عبد الله، ومن ثم إرباك العلاقة السعودية السورية، وبالتالي إرباك العلاقات العربية العربية، ولهم أهداف أخرى من وراء ذلك:
إما أنهم يريدون من السوريين اللجوء لهم كي يظهروا بأنهم أصحاب الفكر الثاقب بحل القضايا المعقدة، وكي تُسلط عليهم الأضواء، أو أنهم يبحثون عن "عفارم" دسمة من اللوبيات الصديقة لهم في الولايات المتحدة والغرب وغيرها!
وهكذا هناك لوبيات تدور بنفس فلك اللوبيات الصغيرة داخل المملكة، ولكن موقعها في مصر، ولها علاقات قوية مع اللوبيات الأميركية اللبنانية، والأميركية العراقية، والأميركية الخليجية، وهكذا لها علاقات مع لوبيات أميركية ويهودية وغربية وإقليمية، فتحاول جاهدة إبعاد دمشق عن القاهرة والهدف هو إظهار دمشق بأنها مشاغبة، ومن ثم يستوجب حصارها وحجرها، وبنفس الوقت العمل على إبعاد مصر عن دورها العربي، وإبعاد القيادة المصرية عن الهم القومي العربي، نحو الهم الفرعي، وهو الداخل المصري، ونحو الضفة وقطاع غزة في أراضي السلطة الفلسطينية وهو دور فرعي هدفه الانتقاص من مصر، والانتقاص من القيادة المصرية.
ولقد فرحت بذلك بعض القوى الإقليمية والغربية الطامعة بإضعاف الدور المصري، والاستفراد بسوريا، ولكن الذي بعث فينا الأمل هو الانتباه المصري أخيرا، وعلى مستوى الرئيس حسني مبارك، والذي أطلق إشارات قوية هذه الأيام، بأن مصر عائدة ولن تقبل بالتهميش والتعطيل، ومنها عندما رفض نقل القمة العربية المقبلة من دمشق، ورفض شروط الولايات المتحدة حول صرف المساعدات الأميركية لمصر، وأخيرا رفض الغوص في مؤتمر الخريف القادم، والذي قرره الرئيس بوش حول تحريك عملية السلام بين العرب وإسرائيل، فقال الرئيس مبارك "أن المؤتمر يبشر بالفشل، لأنه ليس له أجندة واضحة، وطلب أن تكون سوريا ولبنان حاضرتان فيه" فهي إشارات لا بأس بها وتستحق التقدير.
وهناك أيضا أي في المملكة السعودية، هناك استيعابا كاملا من حلقة الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى لعبة اللوبيات العربية الأميركية، واللوبيات العربية الإقليمية من أجل زرع الفتنة بين القيادتين السعودية والسورية.
ولقد تبيّن بأن هناك بعض الأنظمة العربية الصغيرة، ومعها أنظمة إقليمية عملت على ترسيخ إبعاد دمشق عن هاتين العاصمتين، ولقد شعرت الرياض والقاهرة بهذا المخطط، حسب ما صرّح لنا أحد الدبلوماسيين الخليجيين والمهمين في عاصمة غربية كبيرة، حيث قال "هناك أنظمة عربية ومعها دوائر إقليمية لها علاقات مع لوبيات أميركية ويهودية نجحت في إبعاد دمشق عن الرياض والقاهرة، ولكن الأمور توضحت الآن، ولقد عرفت الرياض والقاهرة بأن هناك مؤامرة هدفها سوريا كمرحلة أولى، والقاهرة كمرحلة ثانية، والسعودية كمرحلة ثالثة... لهذا فعلى السوريين أن ينسوا الخلافات والماضي والنزول في قصر ضيافة الرئيس مبارك والملك عبدالله بن عبدالعزيز."
لهذا .. فأن الأمر بحاجة ماسة إلى الحكمة السورية، ولكن هذه المرّة بحاجة إلى البراغماتية العالية، والى زيادة وتيرة الشباب المتعلّم في المؤسسات السورية المهمة وخلطها مع الخبرة المتراكمة، والتي تخلص أصحابها من نظرية المؤامرة، والشعور بالتوجس من الآخرين.
فعلى القيادة السورية عدم الاكتراث إلى ما سيُقال عنها في الخطوات التي تراها مناسبة وتخدم مصالحها السورية والقومية، فالمهم المصلحة العليا، وهي الحفاظ على سوريا وشعبها، وبذلك سيتم الحفاظ على المشروع العروبي والقومي، وبنفس الوقت ستسلم الكرامة العربية المتبقيّة للعرب بعد أن أهانتهم الولايات المتحدة وإسرائيل، وبمساعدة بعض الأنظمة العربية في فلسطين والعراق وفي أماكن أخرى من الوطن العربي.
لذا... فالوقت من ذهب!
ولكن عدّم التعجّل ... وبنفس الوقت عدم التأجيل! سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي
مركز الشرق للبحوث والدراسات