حكايات الجدات ليست كغيرها

بقلم: زياد العيساوي
بساطة وعفوية وسلاسة

كُنا نظنها من باب التسلية لنا، ولغرض جلب النعاس الذي قد فارق أجفاننا، ليس إلا، تلكمُ هي حكايات جداتنا، اللائي كُنَّ قد قصصنَ لنا القصص، بصوتٍ يتناهى إلى مسامعنا وكأنه معزوفٌ على أعذب وتر، لنستخلص منها الدروس والعبر، ففي كل حكاية من حكاياتهن أمثال وحكم.
وهُنَّ يحكينها لنا على لحن شعبي شجي النغم، تطرب لها مسامعنا وتتسع بها آفاق مداركنا لنُفرق بها ما بين مكارم الأخلاق ومفاسدها، ولنُميز من خلالها ما بين الخير والشر، وليجد كل أحد منا المثل الأعلى له في إحدى شخصيات أبطالها، فهذا يجد مثله في شجاعة "أبي زيد الهلالي"، وذاك في عنفوان "عنترة بن شداد"، وذلك في كرم "حاتم الطائي"، أما هذه فتجد مثلها في ورع "رابعة العدوية"، وتلك في فروسية "خولة بنت الأزور"، والأخيرة تتمنى أن تكون في مثل جمال "السفيرة عزيزة" .
هي حكايات لم تستخف بنا لكوننا أطفالاً لا ندركُ الفرق ما بين الواقع والخيال، إنها مستمدة من تراثنا العربي الغني بالقيم الرائعة والمثل السامية في الأزمنة الغابرة، لنستمد منها في حاضرنا القيم والمبادئ، ولنستشرف بها مستقبلنا الآتي، والمليء بالأسرار، لتكون لنا بما فيها من حكمٍ ودروس نبراساً يُضيءُ في ظلمة ذلك المجهول الذي ينتظرنا ويتربص بنا الدوائر، ولنواجه بها تلك المواقف الصعبة التي قد تواجهنا بعدما استخلصناه من عبر.
وهي حكايات ليست كغيرها من تلك الحكايات التي لا تُجدي أطفالنا نفعاً والتي نُقلت إليهم من ثقافات غريبة عن مجتمعنا العربي، وعن ديننا الإسلامي الحنيف بكل ما فيها من متناقضات، أبطالها لا يمثلون إلا أدوار العنف والشر، لتترك فيهم سلوكاً عدوانياً كالضرب والسباب وما هو في حكمهما، أو مشاهد الرعب التي تجعل النوم يُجافي أجفانهم، فتلجأ أمهاتهم إلى إعطائهم تلك المواد المخدرة لعقولهم، ليناموا ملء أجفانهم.
ولكن هيهات لهؤلاء الأطفال أن يناموا، وقد رأوا ما لم يستوعبوه من خيال جامح يفوق مداركهم، في مشاهده إلحاد وكفر يُناقضان ما قد حرص آباؤهم وأمهاتهم على زرعه في مفاهيمهم، وهو أن الله هو الخالق القادر، ومن تلك المشاهد التي يتجسد فيها الإلحاد، عندما يرى الطفل في مسلسلات الرسوم المتحركة ذلك الساحر الذي بوسعه وبمقدوره أن يُخفى قرص الشمس، وفي لمح البصر بالقوة الكامنة في يديه.
وفي مشهد آخر عاطفي بين شخصيتين غير متكافئتين لا شكلاً ولا مضموناً، هذا إذا افترضا جدلاً، أنَّ الطفل سيستوعب مثل هذا المشهد، وإذا ما تجاوزنا كل ما فيه من خروج عن الأدب، وتتمثل هاتان الشخصيتان في شخصية كرتونية لحيوان ما، يتبادل كلمات الغرام مع شخصية كرتونية أخُرى لفتاة، فتختل بذلك موازين الإدراك لدى الأطفال، فيمسون طِوال ليلتهم وهم في حيرة من أمرهم، بين ما قد رأوه من مشاهد غريبة، وما قد حرص آباؤهم وأمهاتهم على بثه فيهم، من روح مكارم الأخلاق والتربية الصالحة التي عمادها مبادئ ديننا الحنيف.
فما أحوج أطفال اليوم إلى تلكم الحكايات التي علمتنا كيف نفرق بين الخير والشر، وكيف نتعامل مع الآخر، بما فيها من بساطة وعفويَّة وسلاسة.(وهي حكايات جداتنا). زياد العيساوي ـ ليبيا ziad_z_73@YAHOO.COM