أشياء لا تحدث إلا في مصر

بقلم: مصطفى نصر
يا ما في الحبس مظاليم

في 31/12/1969 دخلت مستشفى جمال عبد الناصر، التابعة للتأمين الصحي، لإجراء عملية "شرخ"، أيام كان مديرها الدكتور أدهم النقيب، فجعلها أفضل من المستشفيات الأجنبية في الإسكندرية .
وفي أول يناير 1970 دخلت حجرة العمليات مع عسكري شرطة في متوسط العمر سيجري عملية ناسور. كان التخدير نصفيا؛ فكنت أنا وهو نجلس على مائدة العمليات ونصفنا الأسفل عاريا، وكنا نضحك من منظرنا.
بعد أن زال تأثير التخدير، أخذت أنا وهو نتأوه ونضحك طوال الليل، كان ظريفا، ولديه حكايات كثيرة مضحكة ومسلية. حكى لي عن زميله العسكري الذي اكتشف سرقة دكان في منطقة حراسته، فانتظر أول مار يمر أمامه، وناداه، ودفعه داخل الدكان المكسور، وأدعى بأنه وجده داخل المحل يسرق.
كتبت عن هذه الحادثة القاسية في أول مجموعة قصصية لي "الاختيار" وقد تأثر المرحوم المستشار عزيز بشاي بهذه القصة، ودهش من إمكان حدوثها؛ عندما كتب عنها في مجلة الثقافة، وأنا الآن أندهش من موقفه هذا، فذلك الظلم هو الأساس في تاريخ الشعب المصري، فالوالي سعيد الذي يعدونه صديقا للفلاح، ومحبا لمصر والمصريين، ربط جنديين على فوهتي مدفعين، وأمر بإطلاق القذيفتين، ليتناثر جسديهما فوق البيوت والحقول والشوارع، لمجرد أنهما ذهبا لزيارة أهليهما دون استئذان. وأمر بتجربة مدفع ورد إليه حديثا من أوروبا في ميدان كبير بالإسكندرية، فقال له قائد جيشه:
ـ يا مولانا، نحذر من وجود الناس في ذلك المكان وقت إطلاق قذيفة المدفع.
فقال باستخفاف: لماذا، هو أنا لما استلمت الحكم، كنت مستلم الشعب ده بالعدد؟!
وانطلقت قذيفة المدفع وفعلت ما فعلت، فذلك ليس مهما يموت من يموت، فالناس لا سعر لها ولا ثمن.
وفي وقت جمال عبد الناصر أمير الفقراء، على رأي صديقنا أحمد ماضي، والديكتاتور العادل؛ حدث أن أرادت المباحث العامة القبض على واحد اسمه رمزي في حي من أحياء القاهرة، منتمٍ إلى جماعة الأخوان المسلمين، ولا يعرفون باقي اسمه، فقبضوا على كل من كان اسمه رمزي في هذا الحي، من باب أنه لابد أن يكون بينهم رمزي الذي يبحثون عنه، وهم يعلمون أن الباقين ليست لهم صلة بالموضوع، لكن هذا لا يهم. المهم أن الذي يريدون القبض عليه، تم القبض عليه.
وقد عبر جمال الغيطاني عن هذا المعنى في قصته "هداية أهل الورى بشأن ما جرى في المقشرة"، التي نشرت في عدد خاص من أعداد مجلة "جاليري 68"، كان مخصصا للقصة القصيرة. ثم نشرت بعد ذلك في كتابه "مذكرات شاب عاش منذ ألف عام".
والمقشرة كان سجنا من سجون دولة المماليك، وقد أرسل الوالي إلى آمر السجن بعدد معين من المتهمين، عليه أن يحتجزهم عنده، ويعرضهم عليه في الصباح، لكن المتهمين استطاعوا الفرار من السجن، فأخذ آمر السجن جنوده وذهب إلى السوق القريب من السجن وقبض على الباعة والمشترين، وقدم العدد المطلوب إلى الوالي.
لاحظ الموقف العبثي في قصة مستمدة من التراث، وعندما تحدثت في ذلك مع الأستاذ جمال الغيطاني، وكنا نجلس في قهوة قريبة جدا من محطة سكك حديد الإسكندرية في انتظار القطار الذي سيقله إلى القاهرة. حكى لنا جمال أن هذه القصة استمدها من حادثة حقيقية حدثت في الإسكندرية ورواها له الأستاذ المرحوم سعد الدين وهبه أيام كان ضابطا صغيرا في قسم العطارين.
إذ وقف مع باقي القوة التي ستنقل عددا محددا من المعتقلين إلى معتقل أبي قير، لاحظ سعد الدين وهبة أن المعتقلين وزوارهم قد تداخلوا معا، فبعض المعتقلين يقفون ويتحدثون في طرقة القطار مع بعض الزوار، وبعض الزوار يجلسون مكان المعتقلين، علما بأن ليست هناك قيود أو زي موحد يميز المعتقلين، فقال سعد الدين وهبه لقائده:
ـ يا فندم حا نعرف المعتقلين بتوعنا إزاي؟
فأجاب القائد في استخفاف: إحنا مالنا، إحنا لينا 300 معتقل وخلاص.
وبالفعل تم احتجاز 300 رجل، بصرف النظر إن كان معتقلا أو زائرا فهذا لا يهم أحد.
وقد عبر سعد الدين وهبه عن هذه الحكاية التي عاشها بنفسه، في مسرحيته "ذات الفصل الواحد "بابا زعيم سياسي" التي تحكي عن الزعيم السياسي المشهور والذي حقق بطولات سياسية ووطنية عظيمة، ثم أحس بنهاية أجله. فاستدعى ابنه ليحكي له عن سره الخطير، فهو لم يكن يهتم بالسياسة، وإنما أقحم فيها دون إرادة منه. فقد تم القبض على زعيم المعارضة للحزب الحاكم في وقت من الأوقات، وأودع قسم الشرطة، لكنه استطاع الهرب.
وفي الوقت الذي مر فيه صاحبنا بالصدفة أمام قسم الشرطة، فقبضوا عليه وادعوا بأنه زعيم المعارضة المطلوب القبض عليه، وحدث حادث غريب، فقد سقطت الحكومة في اليوم التالي، وخرج الرجل الذي قبضوا عليه بالأمس محمولا على الأعناق، فقد تولى الحزب الذي ينتمي إليه الحكم، وأصبح الرجل مهما، ثم وزيرا، ثم رئيسا للحزب.
***
قبل تطبيق نظام البطاقات الشخصية والعائلية في مصر، كانت الأمور تمشي اعتمادا على شيخ الحارة، فمن يتم القبض عليه، يأتون بشيخ حارتهم للتعرف عليه، وكان من المتبع أن يأتي شخص ينادي على قريب له أو صديق، ويقول له وهو واقف في الشارع:
ـ أنا قاصدك في خدمة. بكرة عندي قضية في المحكمة الفلانية علشان مخالفة وأنا مش فاضي ياريت تروح بدلا مني.
ويذهب الآخر بدلا منه، ويدعي أنه هو. ويدفع قيمة الغرامة التي سيحددها القاضي.
والذي فعله بديع خيري ونجيب الريحاني في مسرحيتهما "30 يوم في السجن" ليس غريبا، فقد كان سائدا. وحتى بعد تطبيق نظام البطاقات الشخصية، كانت الأمور تسير في فوضى عجيبة، فالسيدات اللائي تمارسن الدعارة تذكرن أسماء غير أسمهائهن عند القبض عليهن، وأحيانا تذكر الواحدة اسم امرأة تعرفها تكون مغتاظة منها، خاصة أن العقوبة تكون أكثر تشددا في الحالة الثانية أو الثالثة، ففي كل مرة تدعى اسما مختلفا.
والأوراق التي يذكر فيها أسماء المتهمين عادة ما تكون ثلاثية، مما يؤدي إلى القبض على آخرين ليست لهم أية صلة بالموضوع، وهناك أمثلة كثيرة لذلك، كان آخرها المرأة التي قضت في السجن ثلاثة وثلاثين يوما، لأن اسمها يشبه اسم امرأة أخرى زورت في شهادة ميلادها، صغرت نفسها لكي تتزوج شابا صغيرا وهاربة من تنفيذ سبع سنين سجن.
الغريب في الأمر أن الاسم الرابع للمرأة المظلومة يختلف عن الاسم الرابع للمدانة، لكن هذه أمور تافهة لا تهم أحد، ما هي المشكلة امرأة ستسجن خطأ، هذا ليس مهما فحياة الناس لا تساوي شيئا.
وعندما ذهبت لتركيب تليفون، استخرج الكمبيوتر عددا من التليفونات باسمي مع أني وقتها لم أكن امتلك تليفونا واحدا، وذهبت إلى امرأة أمينة لملفات المشتركين، استخرجت ملفات لكل أرقام التليفونات المنسوبة لي، وكتبت عنوان كل مشترك وعمله فإذ بهم حلاق وترزي، ومصلح بوابير جاز، ليس فيهم واحد عليه الطلى، ووقعت وقتها على إقرار بأنني لا أمتلك تليفونا واحدا.
مع أن الأمر سهل للغاية، فكل أصحاب التليفونات التي عليها مشكلة؛ اسمهم الرابع يختلف عن اسمي الرابع ، لكن الأوامر أن يلتزموا بالاسم ثلاثيا لا رباعيا.
وحدث أن وقف شاب ملتح أمام بائع فول وفلافل، وكان البائع يمازح فتاة طوال الوقت، والشاب الملتحي يلح عليه بأن يعطيه طلباته وهو لا يسأل، إلى أن دبت مشاجرة بينهما. وفي المساء جاء البوليس للقبض على ذلك الشاب الملتحي، وفي التحقيق سألوه: من أمير جماعتكم؟
وكان لابد أن يذكر اسما وتذكر بائع الفول والطعمية الذي تشاجر معه في الصباح، والذي كان يمازح الفتاة طوال الوقت دون مراعاة للأخلاق وللدين، فذكر اسمه على أنه أمير الجماعة. وتم القبض على الرجل الذي ظل محبوسا لعدة أيام إلى أن ظهرت الحقيقة.
واتصلت في صباح يوم جمعة في أوائل التسعينيات بزميلي في العمل الذي نقل إلى مصنع تابع لشركتنا، لكي يسمع سهرة إذاعية لي بإذاعة الإسكندرية، فقالت زوجته: لقد قبضوا عليه فجر أمس.
زميلي هذا لا يهش ولا ينش، وماشى بجانب الحائط، كما يقولون، وليس له لا في السياسة ولا حتى في الدين، لماذا يقبض عليه؟
قلت: لماذا؟! قالت الأمر متعلق برقم تليفون.
أخذوه من بيته وعصبوا عينيه في مساء يوم خميس وظل أسبوعا إلى أن أفرجوا عنه، لأن إرهابيا مشهورا يعيش في لندن اتصل بأمه، فسجل الكمبيوتر نمرة زميلي هذا، ولسوء الحظ اسم والد زميلي هذا "عبد العزيز" وأم الإرهابي تزوجت بعد والده رجلا اسمه عبد العزيز، ولها منه أولاد آخرون، فظنوا زميلي أحد أخوته من أمه.
الطريف في الموضوع أن زميلا لنا في الشركة، أقاربه يعملون في الجهة التي قبضت على زميلي هذا، قال لأقاربه: مالقيتوش غير ده وتمسكوه؟، ده ما بيدافعش عن نفسه.
فقالوا: إحنا حسينا بأنه غلبان، لكن المشكلة أن عادة ما يكون هذا الغلبان رئيسا للعصابة.
***
ذهبت في الستينيات للسؤال عن الضريبة العقارية لبيتنا والمسماة بـ "الويركو" في حي وسط الإسكندرية، فقال لي الموظف: ادفعوا بدلا ما نعملوللكم قضية تبديد.
وتتساءل في دهشة، ما صلة الضريبة العقارية بقضايا التبديد؟!
الأمر سهل للغاية، فالمحصل عندما يضيق بممول، يخرج ورقة من مكتبه ويعمل محضر حجز وهمي، يكتب فيه الأشياء التي تكون عادة في بيوت المصريين: سرير، ودولاب، وترابيزة.. الخ، ويكتب هذا المحضر بتاريخ سابق، ويمضى زميلا له وعسكري موجود في المكتب، ويخرج في نفس الوقت ورقة أخرى من مكتبه بتاريخ اليوم تفيد بأنه ذهب إلى المكان الذي حجز فيه على الأثاث، فلم يجده، ويتحول الأمر إلى قضية، ويفاجأ الممول بالشرطة تطالبه بتنفيذ الحبس لمدة شهر، ويبحث الممول حينذاك عن طريقة يسدد بها المبلغ، وتحدد له جلسة، تكون نتيجتها، عادة، إيقاف تنفيذ الحكم.
وهذه الإجراءات تتبع على أية ديون للدولة.
***
وفوجئ رئيس الشئون القانونية بإحدى الشركات، بأن عليه حكم شهر، ولأنه لا يعرف شيئا في هذه الأمور، فمنذ أن حصل على ليسانس الحقوق وتعين في الشركة؛ وهب كل وقته لخدمة رؤساء الشركة الذين تتابعوا في فترة رئاسته للشئون القانونية، فقد أعطى الورق لمحامي عنده له خبرة في مثل هذه المسائل لبحث الموضوع، واتضح بأن رئيس الشئون القانونية هذا مشترك في ملكية بيت في الريف، وحصل عليه رسم قضائي يتجاوز العشرة جنيهات بقليل، فحجز المحصل حجزا وهميا على كرسي، ثم لم يجده (كما شرحت من قبل) وكانت النتيجة الحكم شهرا.
وبالطبع فعل المحامي المستحيل مع القاضي لكي يلغي هذا الحكم ولا يكتفي بإيقاف التنفيذ كالعادة، فالمتهم مهم، ولا يستحق هذا.
وقلت للمحامي الذي حكى لي القصة: أنتم كمحامين، لماذا لا تفعلون شيئا لمنع هذه الإجراءات؟
فقال لي: كيف نحاول منعها ونحن المستفيدين منها؟!
***
في انتخابات مجلس الشعب قبل الماضية، حدث في حينا شجار كبير بين مؤيدي رجلين، فصدرت التعليمات لضابط في قسم الشرطة التابع له الدائرة التي حدث فيها الشجار، أن ينزل بقوة ويقبض على محدثي شغب الانتخاب. فجاء الضابط بالبوكس فورد، فرأى في طريقه ثلاثة من الشباب يجلسون فوق الرصيف وهم يشربون البيرة، وعندما لمحوه آت من بعيد جروا واختفوا، فوقف أمام القهوة التي تملك المقاعد التي كان يجلس عليها الثلاثة، وصاح في صاحبها:
ـ إزاي تنزل بيرة للزبائن، مش عارف أن ده ممنوع؟
وكان صاحب القهوة يجلس مع صديق له في مواجهة قهوته، فوقفا احتراما للضابط، وأقسم صاحب القهوة بأنه لا يعرف أنهم كانوا يشربون البيرة، ثم نظر إلى عامله الذي يقف في القهوة وقال له: ما قلتليش ليه يا ولد، إنهم بيشربوا بيرة؟
وإذ بالضابط يتمسك بأخذ الولد معه. فقام صاحب القهوة وصديقه يقبلان رأسه ويديه، وهو مصر على أخذه قائلا: أنا عايزه.
وأخذه معه بالفعل واختفى الولد عدة أيام، ثم أفرجوا عنه بعد الانتخابات فسألته: ما الذي فعلوه معك؟
قال: كان البوكس فورد مليان بشباب قابلهم الضابط في الطريق، وما أن دخلنا القسم، حتى قدمنا إلى ضابط المباحث قائلا: هما دول إللي بيعملوا شغب الانتخابات.
الضابط لم ينزل لمكان يتقاتل الناس فيه، ويرمي بعضهم بعضا بالمقاعد والطوب, لماذا يتعب نفسه، والحل بسيط، شباب جاهز يحل المشكلة. مصطفى نصر ـ الإسكندرية