حماس تمخَّضت فولدت فاشية سوداء!

في البحث عن الأسباب التي جَعَلَت قطاع غزة يَسْقُط في يُسْرٍ وسهولة، ومن غير قتال حقيقي، أو مقاومة تُذْكَر، في قبضة "حماس"، في منتصف حزيران الماضي، لا يُمْكننا تجاهل، أو استصغار، طبيعة وقوَّة الدافع الذي يَدْفَع المقاتِل من "حماس" و"القوَّة التنفيذية" التابعة لها، إلى قتال غيره ولاسيِّما المنتمي إلى حركة "فتح"، أو إلى الأجهزة والقوى الأمنية للسلطة الفلسطينية والتي تنتمي غالبية أفرادها إلى الحركة.
لقد تلقَّى مقاتِل "حماس" من التربية السياسية ـ الدينية ما يجعله يَفْهَم مقاتلة وقتل المقاتِل "الآخر"، من "فتح"، ومن منظمات فلسطينية أخرى، على أنَّهما عمل جهادي، له أجر عظيم عند ربِّ العالمين، ويكاد يَعْدِل، إنْ لم يَعْدٍِل، في أهميته الدينية، مُجاهَدة أعداء الله من اليهود المغتصبين لأرض الإسلام في فلسطين، فـ "تكفير" كل فلسطيني ينأى بعقله السياسي عن "أسْلَمَة" الصراع مع إسرائيل، أو يبدي ولو نزر من المَيْل إلى "العلمانية"، وإلى رفض تسييس الدين، أو تديين السياسة، هو الذي بذر بذور الطامة الكبرى في قطاع غزة، وهي هذه "الفاشية" التي تُظْهِر "حماس"، مع "القوَّة التنفيذية" التابعة لها، مَيْلاً قوِّيا ومتزايدا إلى التحوُّل إليها، والتي أسَّست لها، بالتعاون مع أصلها التاريخي، وهو "جماعة الإخوان المسلمين"، من الفكر السياسي المُشْبَع بالسلفية والظلامية و"الطالبانية" ما كان يتعذَّر تَحَوُّله إلى حقائق واقعة قبل تَحَوُّلها من معارَضة إلى سُلْطة، ففي السُلْطة، وبها، يصبح ممكنا أن نرى منظمات "الإسلام السياسي" على حقيقتها العارية المُنَفِّرة للعقول والقلوب من تجربتها في الحُكْم.
مقاتِل "حماس" كان يقاتِل ويَقْتُل الفلسطيني الآخر وكأنَّه يجاهِد في سبيل الله؛ أمَّا خصمه (السياسي) هذا فكان يتهيَّب قتاله وقتله لتوهُّمه أنَّ إثماً عظيما قد يَقْتَرف إذا ما قام بهذا أو ذاك، فانتهى هذا الفَرْق الكبير في قوَّة الدافع القتالي إلى ما انتهى إليه في منتصف حزيران الماضي، وإلى هذا الذي نراه الآن، في قطاع غزة، من صعود لـ "فاشية" لم يعرفها الشعب الفلسطيني من قبل في كل تجاربه السياسية والفكرية.
"حماس" اليوم، وفي قطاع غزة، وبعد سيطرتها بالحديد والنار عليه، ومباشرتها الحُكم فيه على النحو الذي جُبِلَت عليه هي وغيرها من منظمات "الإسلام السياسي"، هي التي شرعت تَحْفُر قبرها بيديها، وتدفع الفلسطينيين، الذين أيَّدوها وتعاطفوا معها، في مناخ استشراء الفساد ومضي إسرائيل والولايات المتحدة قُدُما في إفقاد خيار الحل عبر التفاوض السياسي وزنه الشعبي الفلسطيني، إلى الانفضاض من حَوْلِها، فتَسَرْبُلها بكلمات حقٍّ من قبيل الحرص على منع العودة إلى "الفوضى" و"الانفلات"..، ما عاد في مقدوره أن يُدْخِل شيئاً من "البياض" في هذا "السَّواد" الذي جاءت به إلى قطاع غزة عَبْر ما أسْمته "التحرير الثاني"، فإذا كان "التحرير الأوَّل" قد حرَّر "الاحتلال" من قيوده فإنَّ "التحرير الثاني" قد حرَّر "حماس" من قيود الحقوق والحرِّيات الديمقراطية التي نَعِم بها الفلسطينيون هناك زمنا طويلا.
"حماس" التي عرفها الفلسطينيون ومحضوها الود انتهت مُذْ دفعتها مصالحها الفئوية الضيقة إلى انتهاج سياسة جديدة لا تصالُح بينها وبين المصالح العامَّة للشعب الفلسطيني بأسره، وإذ باعت "المقاومة العسكرية" للاحتلال الإسرائيلي بثلاثين من الفضة هي البقاء في حُكْمٍ (لقطاع غزة) لا يبقي للشعب الفلسطيني إلا ما يشبه الظلال من حقوقه وقضيته القومية.. ومن حقوقه الديمقراطية.
كل تجربة "حماس" مُذْ أحْرَزت نصرها الانتخابي العظيم لَمْ تأتِ إلا بما يقيم الدليل على أنَّها حركة فشلت في أن تؤسِّس للشعب الفلسطيني مقاومة مُجْدية، أو سياسة تَدِين بمصالحه العامَّة الواقعية والحقيقية، و"نجحت" فحسب في أن تَسْتَجْلِب له الكوارث، وفي أن تُقْنِعَه بأنَّ "الفاشية" هي جوهر طريقتها في الحُكم. وعليه، تُظْهِر إسرائيل حرصا على أن يبقى قطاع غزة على ما هو عليه، فالشرُّ الأعظم الذي يمكن أن يلحق بالشعب الفلسطيني وقضيته القومية إنَّما ينمو هناك على يديِّ "حماس"، التي في "تحريرها الثاني" للقطاع جَعَلته في حال أكثر سوءا بكثير من حاله في زمن "الاحتلال".
ولسوف يَخْرُج الشعب الفلسطيني من هذه التجربة مُكْتَسِبا قوَّة، يقاوِم بها كل وهم من قبيل الأوهام التي بثَّتها "حماس"، ومن يشبهها خَلْقا وخُلُقا، في عقول وقلوب فئة واسعة من أبنائه، ولسوف تتأثَّر الشعوب العربية الأخرى إيجابا بهذه التجربة البائسة، فلا تستجير، بعد ذلك، من الرمضاء، أي حكوماتها، بالنار، أي الأحزاب والمنظمات التي تَفْهَم العلاقة بين "الدين" و"السياسة" على أنَّها علاقة زواج كاثوليكي، وإنْ كان في جوهره ودافعه لا يختلف عن "زواج المتعة". جواد البشيتي