التاريخ موعدنا مع الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة

كتب ـ عبدالمنعم عبدالعظيم
انفعال بالرؤية العصرية

البحرُ موعدنا
وشاطئنا العواصف
جازف
ولا تأمن لهذا الليل أن يمضي
ولا أن يُصلح الأشياء تالف
هذا طريق البحر
لا يُفضى لغير البحر
والمجهول قد يخفى لعارف
جازف
فإن سُدّت جميع طرائق الدُّنيا أمامك
فاقتحمها
لا تقف
كي لا تموت وأنت واقف.
محمد إبراهيم أبوسنة
***
هذه المرة لم يكن "البحر موعدنا" فقد كان موعدنا ساحة التاريخ بين ربى معابد الأقصر. كان دليلنا يطوف بنا آثار أعرق الحضارات الإنسانية وكانت قافلتنا تضم رموز الحركة الأدبية فى مصر ونخبة من صفوة مثقفيها.
كان للتاريخ عمق جديد وعبق مميز مع أولئك الذين يستطيعون النفاذ عبر الزمان والمكان بروح شفافة ونفس وثابة وأحاسيس صادقة وخيال حالم وعمق واعي وإدراك متفتح.
ولعل أجمل ما في الرحلة أن تجمعك الخطوات مع هذا الحالم العملاق المتدفق صبا وفكرا المهذب في حياء بالغ شاعر مصر الكبير محمد إبراهيم أبوسنة الذي استطاع أن يحفر له مكانا متميزا في الحركة الأدبية في مصر والعالم العربي، فلا توجد مكتبة أدبية لا تضم ديوانا من دواوينه، خاصة أشهر دواوينه "البحر موعدنا" الذي حصل به على جائزة الدولة التشجيعية في الشعر1984 وكذلك وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى. مكان الحركة الشعرية في مصر أسأل شاعرنا الكبير عن مكان الحركة الشعرية في مصر من حركة الشعر المعاصرة باعتباره أحد قممها.
فيقول "إن الحركة الشعرية في مصر بأجيالها المتعددة، وتياراتها الجديدة ربما كانت الآن أكثر الحركات الشعرية في العالم العربي عطاءً وحيوية وثراءً خاصة وأن الحركة بعد أن فقدت عددا من كبار شعرائها أمثال صلاح عبدالصبور وأمل دنقل استطاعت أن تواصل إبداعها في حدود الإضافات الفنية التي يحاول شعراء الأجيال المختلفة التركيز عليها."
ويضيف أبوسنة قائلا "تلحظ الآن أن جيل الستينيات هو الذي يملىء الساحة، وقد صدر لعدد منهم أعمالهم الكاملة، وتواصل الأجيال التالية خاصة جيل السبعينيات بلورة تجاربهم ونضوج أصواتهم. وأستطيع أن أقول إن الساحة الشعرية تمتلىء الآن بالتجارب المتطورة لشعراء الأجيال المختلفة، بينما يسود الساحة الشعرية العربية بعض الاضطراب."
ثم يقول "إن إيقاع حركة الشعر العربي آخذ في البطء والفتور إلى حد ما باستثناء حركة شعر المقاومة الفلسطينية الذي يواصل ازدهاره المطرد في ظل أصوات متميزة مثل محمود درويش وسميح القاسم." رأي في الحداثة وعن رأى الشاعر الكبير في تيار الحداثة يقول "بداية لاشك أني أتعاطف مع تيار الحداثة لأني جزء من هذا التيار، وإن كان مفهومي للحداثة يختلف بالطبع عن مفهوم الأجيال الجديدة، فأنا لا أفهم أن الحداثة انقطاع عن السياق الشعري العربي، فالحداثة في رأيي هى انفعال بالرؤية العصرية وتجسيد هذه الرؤية بأدوات جمالية جديدة تشمل الصورة واللغة والبناء الفني، ورفع الحائط الرابع من الفنون المختلفة بحيث تتدفق عناصر من عناصر من التجارب الفنية المختلفة في التجربة الشعرية مثل التأثير من المسرح والرواية والموسيقى والانتقال بالقصيدة العربية من الأغراض، وهذه الحداثة في نظري انغماس في حاضر لا يمكن فصله زمنيا وتاريخيا ولغويا عن الماضي والمستقبل." مكانة الشعر العربي عالميا أسأله عن مكانة الشعر العربي في حركة الشعر العالمية باعتباره أحد رموز المهرجانات العالمية للشعر فيقول "إن العالم لا يزال متعطشا للاستماع إلى الشعر الجيد، وأن مهرجانات الشعر العالمية وضعت الشعر العربي في دائرة الضوء العالمية. ذلك أن أي حركة شعرية تريد أن تسعى إلى التطور والتحرر والارتقاء لابد لها من التفاعل الخلاق مع حركة الشعر العالمية، خاصة وأن الشعر في مصر مثل الشعر العربي في كثير من هذه المحافل، ولكن هناك بعض السلبيات في هذه المهرجانات تتعلق بعدم وجود ترجمة جيدة حتى يتابع الآخرون الشعر العربي.
ثم يؤكد الشاعر أبوسنة أن الشعر العربى رغم ذلك حقق إنجازا عالميا وأصبح من الممكن أن يقارن بالشعر العالمي فإنه وإن لم يصل إلى العالمية إلا أنه يرقى إليها.
ولكن في ضوء حركة الأدب العالمي عموما فإن الشعر لم يتبوأ المكان الذي تبوأته الرواية حيث إن الشعر يدور في متاهات ميتافيزيقية أوروبيا وشرقيا، ولأن الرواية أقرب إلى المزاج العالمي، ولديها القدرة الخاصة أكثر من الشعر لتجسيد التجربة الشعورية لأمة من الأمم من خلال بعد ملحمي وفي نقل صورة دقيقة لمجتمع من المجتمعات، ومع هذا فإن أشعار أدونيس ومحمود درويش عالمية بكل المقاييس، ولدينا شعراء بارزون مثل أحمد عبدالمعطي حجازي، ومحمد عفيفي مطر، وفاروق شوشة، لهم تجربتهم الكبيرة. الحركة الشعرية بجنوب الصعيد وحول انطباعات الشاعر الكبير عن الحركة الشعرية بجنوب الصعيد قال "سبق أن عبرت عن هذا أثناء زياراتي لسوهاج وقنا والأقصر، واستمعت بشغف وتعاطف إلى عدد مميز من هذه التجارب الشعرية لشعراء الجنوب، وأستطيع أن استشرف المستقبل دون أن يكون ذلك مجاملة، إن الشاعرين أحمد فؤاد جويلي، وحسين القباحي، يشيران إلى موهبة أصيلة يتلمسان بقوة وبراعة طريق المستقبل."
وأضاف "ويمكننى أن أضيف إلى هذه الأسماء أسماء أخرى، وإذا كان ثمة غموض في شعر أحمد جويلي، فإن ذلك يعود إلى العناصر الجديدة في تجربته الشعرية، وكل عنصر جديد في حاجة إلى مزيد من التفاعل والكشف على أساس أن التجربة الشعرية الجديدة استشراف رؤية جديدة غير مسبوقة تصيب المتلقي بقدر من الصدمة أو الدهشة أو الغموض." شعر المناسبات وعن القيمة الفنية لشعر المناسبات من وجهه نظر الشاعر الكبير يقول "أنا لست من أنصار الشعر الذي يلقى بسرعة، ولا يستنبط الحدث استنباطا عميقا بحيث يكشف عن أغواره، ويتلمس الوجدان، وينفذ بإشارات إلى المستقبل."
وأضاف "إن الشاعر يستبطن الحدث بطريقة أكثر شمولا من الإعلام والسياسة، وأنا عموما لا أؤمن بالنبرة الدعائية، ولكن أؤمن بعمق التجربة وصولا إلى شفافية تثير الوعي، وتضيف مساحة جديدة من الكشف والديمومة في التفاعل مع الحقيقة الإنسانية." المسرحية الشعرية في مصر مصابة بالإحباط وعن تجربته في كتابة المسرحية الشعرية قال "كان لي تجربتان في كتابة المسرحية الشعرية في السبعينيات، فكتبت "حمزة العرب"، و"حصار القلعة"، ولكني لم أجد التشجيع لكتابة المسرحية الشعرية، والتي تحتاج لوقت وجهد وعناء. كما أن القائمين على المسرح لا يجيدون عرض المسرحية الشعرية التي تحتاج إلى إمكانيات فنية متميزة وجهد خاص من الممثلين، ولعل التخوف القائم من عرض الشعر على المسرح يكمن في ذلك التيار السائد لشراء الجمهور عن طريق العروض السهلة وعدم القدرة على التعامل مع النصوص الجادة. وأستطيع ان أقول إن حركة المسرحية الشعرية في مصر مصابة بالإحباط."
مازلنا ننتقل بين مروج هذه الحديقة الفكرية الجميلة الغناء المليئة بالعاطفة الجياشة والكلمات الرقيقة الحلوة. وفي رؤية شفافة يقول شاعرنا الكبير محمد إبراهيم أبوسنة "إن الأداء الدرامي يغلب على الطابع الشعري العالمي في الغرب والأداء الدرامي الغنائي سمة ميزت شعر جنوب غرب آسيا" مشيرا إلى المؤتمر الدولي للشعر الذي حضره في كوالا لامبور." أنا ضد الإرهاب الشعري ويؤكد الشاعر أنه ضد الإرهاب الشعري والقوالب الجامدة، من حق الشاعر أن يكتب ما يشاء ومن حقنا أن نقبل أو نرفض.
ويقول إنه يحب الشعر الجيد ويحب القراءة لشعراء كثيرين وشعراء يحب مصاحبتهم، ويعود إلى قرائتهم من القدامى والمحدثين، يحب محمود درويش، ومن القدامى أبي الطيب المتنبي وأبي فراس الحمداني.
ويضيف إنه يقرأ الشعر الأوروبي وتشده المدرسة الإسبانية وشعراء أميركا اللاتينية.
يشدني من الحلم الجميل الذي جمعني مع شاعر مصر الكبير في ربى مدينة الألف باب، نداء سائق السيارة ليسلبني ماكنت أتمنى من استكمال هذا الحوار فقد كان على موعد مع الجمهور الذي كان ينتظره في قصر ثقافة الأقصر على أحر من الجمر. عبدالمنعم عبدالعظيم محمد
الأقصر ـ مصر
Monemazim2007@yahoo.com