فلتسمح لنا 'القوة التنفيذية' في غزة!

بقلم: ناصر السهلي

من شأن العنوان أن يوحي الى طلب أن تسمح لنا القوة التنفيذية في غزة التطرق اليها والى ممارساتها التي بُثت بعضها على وسائل اعلام عربية وغربية... المسألة بكل تأكيد ليست على هذا النحو.. فلا يمكن اعتبار أي موقف مما جرى في غزة موقفا حياديا في حالة كالحالة التي أتت على القضية الفلسطينية تشتيتا ونثرا للجهود التي راكمها الشعب الفلسطيني طيلة سنوات التضحية والنضال.
ما من شك بأن جر القضية الفلسطينية إلى مستويات لا تحاكي تلك التضحيات يُعد ضربا من التضحية بالقضية لمصلحة برامج سياسية لا ترتقي بالاصل إلى تلك التوسلات التي يُطلقها كل وطني غيور على قضيته ولا إلى آلام الثكالى والمفجوعين مرتين، مرة بما يأتي عليه احتلال غاشم لا يفرق بين فلسطيني وآخر ومرة بفعل هذه الخيبة التي وصل إليها العقل السياسي القابع في أبراج لا تلامس معاني التضحية التي أتى بها شعب مثل الشعب الفلسطيني منذ 6 عقود في التأريخ الممتد منذ نكبته التي قطعت أوصاله وتركته عرضة في حالات العمل السياسي لمزاجية تنفلت من عقالها كلما إكتملت الدورة الزمنية لعقد من عقود النكبة..
إن تلك المشاهد التي لا يمكن لعاقل أن يقبل بها هي تلك التي نقلت إلينا بدون رتوش حيث تقوم القوة التنفيذية في قطاع غزة بضرب الشباب الفلسطيني المعتقلين في سيارات تتبع تلك القوة... إن أي تبرير يمكن أن يُساق من قبل الناطقين باسم هذه القوة يزيد الطين بلة.
فلا يمكن الصمت على ممارسات الصورة التي يجلس فيها شبان في بعض المركبات ويقوم مسلحون بصفعهم وركلهم بكل قوة وترهيب.
هذه الصورة المقيتة التي تُذكر كل مشاهد بقوة البطش الذي تمارسه أنظمة الحكم القمعية هي بكل تأكيد صورة تزيد من قتامة الحالة الفلسطينية، فلا يمكن سوق التبريرات بأن هؤلاء معتدون بالحجارة على تلك القوة التي كانت تفرق صلاة الجمعة التي تتم في العراء في شوارع القطاع.. فمن شأن تلك التبريرات أن تعطي المسوغ للاحتلال أن يقتل ويستخدم كل بطشه معللا ذلك برميه بالحجارة، بل يمكن له أن يسوق تلك الصور البشعة كدليل على أنه ليس الفاعل الاوحد لهذه الممارسات..
لسنا في وارد الدخول في سجال مع القوة التنفيذية حول منعها تلك الصلوات ولا المراجع التي إعتمدتها في تصوير الأمر باعتباره خروج عن العادة لأنه تم في الهواء الطلق... ولسنا في وارد البحث عن الصلوات التي يدعى لها سياسيا.. فيصبح في غزة صلاة جمعة لـ"حماس" وصلاة أخرى لفصائل "م ت ف".. فتلك صارت مناكفة لا يقبل بها بعد هذا التشرذم عقلا ولا واقعا يُصور ترفا في إختلال معادلة الانتماء للبلد الواحد.
فإذا كان الأمن وبالتالي الامان مطلب شعبي تقول القوة السياسية المسيطرة في غزة أنها تحققه فلا يعني الارتداد بالحريات على النحو الذي شهده القطاع الجمعة 31 آب شيئا سوى عبثية عربية رسمية أخرى لا تمقت شيئا بقدر ما تكره الانسان العربي المطالب بحقوقه الأساسية ومنها حق التعبير.. فإذا كان الشعب الفلسطيني كله يرفض الفساد والفاسدين ويرفض التآمر عليه وبتر ديمقراطيته ولفظ هؤلاء الذين يطعنون بما تعنيه الوحدة الوطنية والاستقواء بالاخر على الذات.. فإن ذلك وغيره الكثير مما رفضه وعارضه الشعب الفلسطيني داخل وطنه المحتل وخارجه لا تبرر لا قمع شبابه وشاباته وعجائزه وقهره على الطريقة القمعية ولا يقبل بالتالي أن تلجم العملية الاعلامية واستهداف الصحفيين بهذا الشكل الغير لائق الذي شهدته ممارسات القوة التنفيذية... ولا يعقل ونحن نعارض سلطة أوسلو وما أتت عليه من ممارسات سابقة أن نقبل بممارسات مشينة ومهينة لكرامة وقيمة الانسان الفلسطيني وهؤلاء الذين يقومون بواجبهم الاعلامي.
قد يحاجج البعض بما ذهبنا إليه آنفا بأنها مؤامرة وتربص من الطرف الآخر لجر قطاع غزة نحو تصادم آخر... فليكن، أليس من الافضل أن يكون الشعب الفلسطيني حكما طالما الكل يتغنى بمستوى وعيه وادراكه بدل معاملته معاملة الشعب الغير راشد وكأنه يحتاج لهذه الوسائل التي لم نكن ولا نريد أن نراها يوما تمارس بحقه لا على أيدي السلطة ولا على ايدي من يعارضها... فالشعب الفلسطيني الذي دفع وما يزال يدفع اغلى ما يملك حفاظا على حقه التاريخي بظننا لن يقبل استمرار هذا التجاذب الداخلي الذي يزيد من مأساته بيد ابنائه.
ثمة خلل ما لا نستطيع أن نصمت عنه ولا أن نكون في خانة المحايدين الذين يرون قمع ولو 10 من ابناء شعبهم وهم صامتون... فالقضية تجاوزت المناكفات وربما تفكر بعض القوى بأنها قادرة على ممارسة ما تراه مناسبا دونما تساؤل.. وهو ما لا يمكن السكوت عنه.
إذن، وأمام هذه الانعطافة القابلة للتصاعد الاكثر جهنمية في تصادم قادم وأكثر دموية في غزة، وخصوصا مع النفخ الأمريكي والصهيوني في رماد الاستنكاف الغريب عن الدخول في حالة حوار وطني، فليس للاسابيع القادمة أن تكون كما الاسبوعين الماضيين في غزة.
فليكن لمن أراد أن يُصلي في العراء أن يفعل.. وليكن لمن يريد أن ينتقد "حماس" أن يفعل، كما أُنتقدت كل فصائل العمل الوطني وتجربتها التاريخية، دون كل تلك الهالات المقدسة التي يصبغها بعض الاتباع على مرجعيتهم ومراجعهم السياسية التي ينتمون لها... وإذا كانت فلسطين أكبر من الكل فليكن ذلك ممارسة... وإذا كان الشعب الفلسطيني قد أثبت في الانتخابات الاخيرة أنه قادر على التمييز بين الصالح والطالح ، ولا يمكن أن يقبل من كل قياداته وفصائله وقواه ، على مختلف مشاربها، أن تعامله هذه المعاملة المستهينة به والناظرة إليه نظرة " الاداة" في اختلافات قراءتها المختلفة على البرنامج والمشروع.
وقد لا يستطيع عاقل أن يفهم المعنى من وراء التغني بالديمقراطية ثم بتر هذا التغني ليكون في الحدود الضيقة جدا والتي ستكون كارثة لو كانت على طريقة ذاك الذي جلس بين مريديه ليردد في نشوة زائفة بأنه سيفعل كذا وكذا لإفشال التجربة الديمقراطية.
نحن نعرف بأن القوة التنفيذية بممارساتها تلك إنما تشوه ما تطرحه مرجعيتها السياسية ممثلة بحركة حماس ومشروعها الذي تطرحه على الشارع الفلسطيني... ليس هذا فحسب بل إن حركة حماس التي كانت تهاجم تعامل شرطة السلطة معها لا يجب ، ومن باب الحرص على مستقبلها،أن تسمح باعادة الكرة على أيدي "شرطة القوة التنفيذية" وذلك قبل أن تفلت الامور ونصل إلى حالة من الاحتقان والتصادم التي لا يتمناها فلسطيني حريص على قضيته!
عليه، فلتسمح لنا القوة التنفيذية... إن تلك الممارسات بعيدة عن قيم الشعب الفلسطيني... بل إننا نملك الجرأة الادبية لنقول بأنها ممارسات لا تتساوى حتى والتراث الكفاحي لحركة حماس التي نكن لها الاحترام والتقدير.. فإذا كان تيارا سلطويا ما يخطط لتفجير الوضع في غزة فليست هذه هي الطريقة الانجع لمواجهة هذا التيار... ولا نفهم لما لا يفتح حوارا مباشرا بين حماس وبقية الفصائل في غزة للاتفاق أقله على تجنب الوقوع في فخ الفوضى والانفجار الجهنمي الذي ندرك بأن أصابع غير بريئة تعمل للوصول إليه سرا وعلنا! ناصر السهلي