الصغار يغنون للكبار

بقلم: زياد العيساوي
تشكيل الأطفال

الصغار يغنون للكبار، هذا ما آلت إليه الحال، بعد أنْ كنا نطلب العكس، فقد كنا ولازلنا نطالب الأخيرين بالغناء للأولين مراراً وتكراراً، ليس هذا فحسب، بل وأنْ يتحرروا من ذلك الإطار الضيق الذي درجت عليه أغنية الطفل التي كان قد قدّمها الفنانون الذين التزموا بهذا الجانب الفني بخطاب الطفل من خلال زاوية حادة يكاد أنْ ينطبق ضلعاها، والتي لم تتعدَ توجيهه التوجيه السليم وزرع المحبة وإيداعها في قلبه تجاه وطنه وأبويّه والمدرسة والرفق بالحيوان كذلك، وما إلى ذلك من مضامين عفا عليها الزمن من كثرة ترديدها.
فهي على أهميتها والتزامها بهذا الجانب التربوي المهم في حياة الطفل، إلا أنها باتت متكررة وغدت نُسخاً باهتة لروائع الغناء المعتقة التي أدّاها مغنون مشهورون، مهما حاول أيُّ فنان يأتي بعدهم تقليدهم، فسوف لن يرقى بأية حال من الأحوال إلى ذلك المستوى الرفيع الذي بلغوه. فليس ثمة ما سوف يضيفه من جديد إلى رصيده الخاص، ولا إلى أغنية الطفل على وجه العموم، إذا ما قورن نتاجه بتلكم الروائع التي تعيش في وجدان المستمع.
فماذا عن الأسباب والعِلل ياترى؟ الجديد هو امتدادٌ للقديم، ولأغنية الطفل وكما أسلفنا الذكر تجارب قديمة وناجحة أسست لهذا الفن المعني بقضايا الطفل وهمومه، وشيدت له صرحاً وصل إلى علو معين ثم توقفت عنده، فحريٌّ بكل فنان صاعد من الآن فصاعداً، البناء من السمو الذي بلغه الفنانون الذين سبقوه في هذا الركب.
فكل ما يتم طرحه على ساحة الغناء للطفل الآن، ليس بجديد، وإنما هو تجديد لما سبق، وإعادة تقديم القديم من حيث المضامين ومحاولة إظهاره في حُلة جديدة تختلف عن ذي قبل، لكنَّ هذا التجديد قد يخذل صانعه فيعيد إنتاج ما كان في صورة غير لائقة، ويُذهبُ عنه خصائصه التي امتاز بها، فيبدو لنا جديده كمسخٍ مشوه لنسخته الأصلية التي رسمها الرواد المبدعون ونقشوها بكل تفاصيلها ومعالمها في شرخ الذاكرة، ما من شأنه بالتالي، أنْ يجعل ذلك الصرح الذي عكف الأولون على النهوض به آيلاً للسقوط، حال طمس وإغفال القديم الأصيل، وإتاحة الفرصة للمحاولات التجديدية لتقدم وتبرز عبر وسائل الإعلام المختلفة.
وباستمرار ذلك سنجد أننا بعد حين قد وصلنا أو بالأحرى رجعنا إلى نقطة الصفر، لأنَّ سيرورة هذا الأمر هي من تُفقد هذه المضامين بريقها وأهميتها، فلا تعدو كونها حشواً إعلامياً مبتذلاً ومبالغاً فيه، ليس ثمة ضرورة له ولا حاجة لنا به، فكل ما يُراد به الإدعاء بأنّ هناك من يكرس ذاته لهذا المجال وكفى.
كان كل ما تناولناه حتى هذه اللحظة مجرد تمهيد للإجابة عن ذلك السؤال الذي قدَّمنا لهذا المقال به، ونتيجةً لهذا التمهيد المستفيض ثمة سؤال يطرح ويكتب نفسه: ما هو الجديد المقترح إذن؟
في التراث الشعبي، تبدو أغنية الطفل ماثلة للأسماع لكل باحث ومهتم بها، وأجلى ما تكون وضوحاً في غناء الجدات والأمهات لأحفادهن وأبنائهن، فقد اتخذنَّ من هذا الفن وسيلة للتربية والتلقين من خلال حكايات مغناة، بها يحببنَّ إليهم فعل الخير وينفّرنهم من عمل الشر، فضلاً عن الإستعانة بها على جلب النوم إلى أجفانهم المضناة بالسهر والأرق، من دون اللجوء إلى استعمال المواد المخدرة لعقولهم، التي لها مردود سلبي على سلامتهم، فينومنهم بواسطة ترديد تلكم الروائع الغنائية المتواترة جيلاً بعد جيل على مسامعهم بسلاسة، فيأتي النوم إليهم صاغراً ورغماً عنه.
وهذا ما درج عليه الفنانون الذين أعطوا هذه الأغنية نصيباً وافراً من فنهم، وقدموه في قوالب غنائية مموسقة تنطبق عليها كل المواصفات الفنية اللازمة، فتذاع عبر وسائل الإعلام المرئية منها والمسموعة، ونقبل بها بكل ترحيب، ومن ذلك ما غنتـه السيدة فيروز، فلهذه الفنانة العربية الملتزمة، والتي حرصت على أداء كل الألوان الغنائية من حيث المضامين والمقامات الموسيقية باعٌ طويل في هذا المجال الذي نتحدث عنه، فأعمالها أكثر من أنْ تُحصى. أغنيات فيروز وصباح وليس على سبيل الحصر بل المثال، نذكر لها أغنيتها الذائعة الصيت والمقتطفة من أحد أشرطتها الخيالية التي تقول في مطلعها "يلا اتنام يلا اتنام لذبحلك طير الحمام." وهي تخاطب طفلتها ريما أو ريمة، لست أدري دقةً، أي التسميتين هي الصحيحة، ولكني أُرجح المنتهية بالتاء المربوطة، مستغلةً الأسلوب الماثل في التراث الشعبي الذي كنا قد نوهنا إليه فيما مضى.
وهذا الأمر يبدو جلياً من خلال مضمون كلمات المطلع الذي دوناه، فقد تم أداء هذا العمل كما لو أنه كان عملاً تراثياً، على الرغم من أنه قد أُعدَّ له لحناً وكلمات خاصة به من إبداعات الأخوين رحباني، ذلك أنّ هذه الأغنية جاءت في شكل سردي، ولم تُوظف لأجلها الآلات الموسيقية، فهي مجردة من كل هذه الأشياء.
وتستمر السيدة فيروز في ترديد ترنيمتها في محاولة منها لتسلية ريمة، حتى النعاس، لكنها لا تلبث أنْ تستدرك، أنْ ما جاء في كلماتها وقع الفزع على الطفلة المرهفة الإحساس، فتعود عن وعدها لها في موضع ثانٍ قائلة "روح ياحمام لا تصدق بس أضحك على ريمة."
وما بين ماجاء في المطلع وفي المذهب الأخير يكمن تتاقض صارخ وصريح، لكنه لم يأتِ محض صدفة بل هو مقصود، فكأنها أرادتْ أنْ تشغل الطفلة، بأنْ تختلق لها هذه المشكلة المتمثلة في هذا الأمر الرهيب، وهوَّ ذبح طير الحمام من عدمه، كي تُنسيها كُلَ ما لاقته من مواقف صعبة ومشاهد مفزعة طوال يومها الحافل بالأحداث، فتصبح هذه الأغنية بكل بُعدها القصصي وبكل شخوصها، شغلها الشاغل، ولا تلقي بالاً لشيء إلا لها، بهدهدات ساحرة ومثيرة للنعاس، تنساب إلى مسامعها إلى أنْ تغرق الطفلة في نومها.
ومثل هذا المضمون الذي تناولناه بالعرض والقراءة في أغنية السيدة فيروز، موجودٌ بشكل واسع فيما قُدَّم في تلك الحقبة، ولا ننسى في هذا المقام أغنيات كثيرة تأتي على شاكلتها وتُعتبر نماذجاً لهذا اللون الغنائي القائم بذاته، منها مثلاً أغنية "ماما زمنها جاية" للراحل محمد فوزي، و"أكلك منين يابطة" للموسيقار فريد الأطرش، ومن غناء الفنانة صباح، وسبب نجاح هذه الأغنيات كما أرى، هو أنها قد اعتمدت الجانب التربوي بالأساس واقتصرت عليه، هذا ما نلحظه سمعاً من خلال مضامينها، فلكل منها شأن تربوي معين. عود على بدء نعود للإجابة عن السؤالين الفائتين بخصوص سرِّ عدم نجاح أيَّ فنان يُعيد هذه المضامين في الرُّقي بأعماله إلى مصاف الأغنيات التي ذكرناها، وبصدد الجديد المقترح في مجال أغنية الطفل، فسر عدم النجاح، هو أنَّ هذه الأعمال دخلت في مسار دائرة الإعادة المفرغة من حيث المضامين، فكأنهم اتخذوا العبارة التي تقول "التكرار يعلم الشطار." مأخذ الجد، وجعلوها منطلقاً لهم، ومع ذلك أصبح الطفل لا يُعير هذه المعاني اهتمامه، لذا طالبنا الفنانين الجدد بتقديم الجديد.
والجديد الذي نعنيه هنا، هو إيجاد مضامين وعناوين غير مستهلكة مع الإبقاء على رصانة القديم وجديته، فعجزوا عن تحقيق مطلبنا هذا، الذي هو مطلب الطفل أصلاً، وبعد فترة وجيزة انحرف مسار هذا اللون الغنائي إلى مسار آخر، بدأت عوالمه تتشكل على مراحل.
فبدلاً من أنْ يُغيروا من جوهره وألاّ يستخفوا بالأطفال، حدث ما لم يكُن بالحسبان، فقد استغل جمال صوت الطفل الملائكي في غير صالحه ووظِف في أداء الأعمال العاطفية التي لاصلة له بها، فكانت المرحلة الأولى، هي تشكيل الأطفال في مجموعات صوتيه تقف وراء المطرب، وتردد خلفه كلماته مثل بغبغاوات تنطق بما لا تعرف معناه.
شيئاً فشيئاً، أصبح الواحد منهم يشكل ثنائياً غنائياً صُحبة أحد المطربين المشهورين، إلى أنْ تمادى بهم الأمر ووصل إلى مرحلة لا تطاق، لمّا غدا الطفل يقف على خشبة المسرح منفرداً ليغني للكبار ما كتبوه ولحنوه لأنفسهم، وصار السواد الأعظم من الصغار يُردِّد مثل هذه الأغنيات في البرامج الإذاعية ومنتديات الطفولة، والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة، ولا أودَّ ذكر أية واحدة منها، لكنك تستطيع معرفتها لو مازحت أحد الأطفال، وسألته أنْ يُغني لك شيئاً مما يحفظ، فسوف يُسمعك إحداها متقناً إياها ومتفنناً في أدائها، فعند استماعك إليها، قد يبدو لك من الوهلة الأولى أنها تحمل مضامين اجتماعية، إلا أنك ستكتشف هذه الحقيقة ولا ينطلي عليك الأمر، ذلك أنها كُتبت بصيغة المتكلمين وأُدُيت بصورة جماعية، ومع ذلك دُست فيها معانٍ تجيش بالعاطفة، كما يُدس السُّم في العسل، فأغنية الطفل براء منها. الخاتمة سؤال أودُّ طرحه: هل كان علينا أنْ نكتفي بتلكم الروائع وألا نطلب بدائل عنها؟ لأنّ القناعة كنز لا يفنى، فحمداً لله أنْ ترك لنا الرواد، الأحياء منهم والأموات، رصيداً زاخراً من العطاء، نترحم على الأخيرين، ونسأل الله عمراً مديداً للأولين، إنْ كان طلبنا سيحيل أغنية الطفل إلى هذا المآل . زياد العيساوي ـ ليبيا Ziad_z_73@yahoo.com