الكف والطريق

قصة قصيرة بقلم: ساسي حمام
لا أومن بهذه السخافات

طال الطريق واستطال وامتد حتى خلنا أننا لن نصل إلى المدينة الرابضة في قلب الصحراء.
دب القلق في النفوس وران عليها، فتناوم البعض وتظاهر البعض بقراءة الجرائد والمجلات. وتعلقت عيون البعض بهذه الرمال الصفراء الممتدة الى النهاية.
انتهيت من قراءة عناوين الجريدة، طويتها ووضعتها بجانبي. تململ الجالس إلى جواري، طلب الجريدة. نظر فيها قليلا ثم أرجعها إليَّ.
شرع يعلق على بعض الأحداث. لم أرد عليه. غرقت أكثر في صمتي. واصلت عيناي التسكع خارج الحافلة.
بدأ يحدث نفسه عن الطقس وعن الواحات وعن الصحراء وعن فوائد النخلة، وعن...
وعن ... تظاهرت بعدم سماعه ... التفت إلي ورفع صوته ... سقطت الحجب بيننا وتحطمت الحواجز وأصبحت أشاركه الحديث ... نظر إلى كفي وقال متعجبا:
ـ كم هي عميقة خطوط كفك!
جذبت كفي فأردف:
ـ أتعلم أني أجيد قراءة الكف؟ هل تريد أن أقرأ لك كفك؟
ـ لا أومن بهذه السخافات.
أخذ كفي بين يديه عنوة. لم أجذبه. تركته ينظر إليه كما يريد . يتفرس في خطوطه كما يحلو له. يتابع خطوطه إلى حيث يريد.
هذا خط الحياة. إنه قصير. شعرت برجفة تهزني. حياتك قصيرة. ارتعدت فرائصي ... ستعيش على الكفاف ... ماء بارد كالثلج صب فوق رأسي ... الفقر سيكون صديقك الذي لن يفارقك أبدا ... هذا خط الزواج ... شعرت بالحرارة تجتاحني ... انظر ... انظر... ينقطع في مناسبتين ...
ستتزوج مرتين ... لن تعرف السعادة والاستقرار العاطفي ... الحرارة أصبحت لا تطاق ... تدفقت سيول من العرق من كافة مسام جسدي ... جذبت يدي بقوة صائحا في وجهه:
ـ أنت كذاب ... دجال ... تدعي كذبا قراءة الكف ...لماذا أغلقت في وجهي جميع الأبواب؟ أوصدت جميع المنافذ… وأدت جميع الآمال … دفنت جميع الأحلام ...
ضحك وقال بصوت هادئ:
ـ لماذا كل هذا الانفعال؟ ألم تقل أنك لا تؤمن بهذه السخافات؟ ساسي حمام ـ تونس