الموريتاني ولد الطالب يتأهل لـ 'أمير الشعراء'

كتب ـ أحمد فضل شبلول
مئذنة البوح

أكثر من ثلاث ساعات متواصلة من الشعر والنقد والموسيقى والغناء والتصفيق الحار للشعراء الخمسة المشاركين في الحلقة الأولى من المرحلة الثانية (وقبل النهائية) من مسابقة "أمير الشعراء" التي تذاع على الهواء مباشرة من مسرح شاطئ الراحة بأبوظبي، على قناة أبوظبي وقناة "أمير الشعراء"، وترعاها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وتنفذها شركة بيراميديا. إضافات جديدة وقد شهدت هذه الحلقة إضافات جديدة ومتميزة لم تكن موجودة في الحلقات السابقة، مثل معارضة كل شاعر من الشعراء الخمسة لقصيدة "أراك عصي الدمع" لأبو فراس الحمداني في حدود ثمانية أبيات، وأراء لجنة التحكيم في هذه المعارضات، إضافة إلى المشاركة الأساسية لكل شاعر على حدة.
ومن هذه الإضافات أيضا إعطاء الفرصة للشعراء أنفسهم ليقولوا انطباعاتهم عن شعر زملائهم في الحلقة نفسها، وإن كنت لا أحبذ هذه الطريقة التي ربما تعطي الفرصة لظهور آراء شخصية بحتة قد تكون غير متوازنة بسبب التنافس الشديد بين الشعراء، وهذا ما لاحظته من أحد الشعراء الذي لم يعجبه شيئا من شعر زملائه، بينما كان بعضهم شديد الذكاء فلم يعط أي ملاحظة سلبية على زملائه، فكلهم جيدون.
وفي حقيقة الأمر أن هؤلاء الشعراء وزملاءهم في الحلقات التالية، يشاركون باعتبارهم شعراء وليس باعتبارهم نقادا، وقد يتورط أحدهم في رأي نقدي انطباعي سلبي سريع يقوله عن شعر زميل آخر، فيقوم هذا الزميل برد الصاع صاعين عندما تعطى له الفرصة للتعقيب على هذا الزميل.
لذا لم أحبذ هذه الإضافة الجديدة، بقدر ما حبذت وسعدت بفقرة المعارضة الشعرية، التي تحيي تقاليد شعرية كادت تندثر، فالمعارضة تثبت مقدرة الشاعر على تفاعله مع النصوص الشعرية العربية القديمة، وتثبت أيضا ثقافة الشاعر اللغوية وقدرته الموسيقية أو العروضية، لأنه يجاري أو يعارض القصيدة القديمة على نفس البحر الشعري أو الوزن والقافية والروي.
ولعلنا نتذكر أن بعض روائع أحمد شوقي كانت في معارضته لقصائد قديمة، مثل قصيدته "نهج البردة" التي عارض أو جارى فيها قصيدة "البردة" للإمام البوصيري، وقصيدته "مضناك جفاه مرقده" التي عارض أو جاري فيها قصيدة "ياليل الصب متى غده" للحصري القيرواني، وغيرها من المعارضات لأبو نواس "حامل الهوى تعب / يستخفه الطرب" وغيره من الشعراء القدامى. حنين عمر ومحمد قراطاس يتأهلان للمرحلة التالية ومع تقدم حلقات المسابقة يقل عدد الشعراء المؤهلين للمرحلة النهائية التي سيصل إليها ست شعراء فقط، يخرج واحد منهم، ويحصل الخمسة الباقون على المراكز من الأول إلى الخامس، ويحمل الأول لقب أمير الشعراء وجائزة المليون درهم إماراتي.
فمن بين 35 شاعرا تأهل 15 شاعرا، عرفنا أسماء 13 منهم في الحلقة الماضية، وفي حلقة الجمعة اختار الجمهور المتحلق حول قناة أبوظبي بامتداد الوطن العربي وخارجه عن طريق رسائل المحمول إس إم إس، شاعرين ليتأهلا مع الـ 13 وهما: حنين عمر (من الجزائر) ومحمد قراطاس (من سلطنة عمان).
وبذلك يكتمل عقد الخمسة عشر شاعرا، يشارك خمسة منهم في كل حلقة من حلقات المرحلة الثانية وعددها ثلاث حلقات، ويصعد من كل حلقة شاعران (تختار لجنة التحكيم واحدا، ويختار الجمهور الآخر)، بحيث يصل إلى المرحلة الأخيرة ستة شعراء (من الحلقات الثلاث).
وفي حلقة الجمعة تبارى أول خمسة شعراء في المرحلة الثانية هم: الوليد الشهري (من السعودية) وخالد السعدي (من العراق) وروضة الحاج (من السودان) ومحمد علاء عبدالمولى (من سوريا) ومحمد ولد الطالب (من موريتانيا). جيكور والسياب ألقى الوليد الشهري قصيدة عن جيكور وسياب العراق، حياه عليها الفنان غسان مسعود، وحيا من خلالها شجاعته وتوهج إلقائه وحضوره المميز ما بين وجع السياب ووجع العراق.
واختلف نايف رشدان مع الشاعر على عنوان قصيدته، ولكنه لاحظ أن الشاعر جمع في قصيدته بين الشكلين العمودي والتفعيلي.
بينما أوضح د. صلاح فضل أن مدخل الشاعر للقصيدة مدخل شعري أصيل، وأن الشعراء رايات الأمم ورموز أمجادها. وأشار فضل إلى أن الشاعر الشهري تحدث عن جيكور باعتبارها السياب، وتدخل في تفاصيل تورطه قليلا، مثل حديثه عن جيكور وبغداد باعتبارهما درَّتين، مع أن جيكور تلك القرية الصغيرة مسقط رأس السياب، تختلف عن بغداد.
وأضاف د. صلاح فضل أن الشاعر كان في وسعه أن يستلهم روائع أخرى للسياب مثل "غريب على الخليج" وغيرها.
أما د. علي بن تميم فقد أشار إلى أن الشاعر يلتقط رمزا مهما في شعر السياب، وهو جيكور، ويحاول النص أن يستدعي نفس الثنائيات التي استخدمها السياب، وقد نجح في أن يصور السياب ويعيده لنا مرة أخرى.
وعلق د. عبدالملك مرتاض قائلا "نحن بصدد استكشاف شاعر كبير شيئا فشيئا."، وقال للشاعر "إنك أحسنت التوظيف جيدا، وكأنك نسجت نصك على بعض شعر السياب." غريب المرافئ أما الشاعر خالد السعدي (من العراق) ويعيش حاليا في دمشق، فقد قرأ قصيدة بعنوان "غريب المرافئ" وقابله جمهور المسرح بتصفيق حاد، وقال له نايف الرشدان "أنت بطل عراقي وليس مجرد شاعر، وترى الجرح وتستطيع أن تلمسه، وأنت عبرت عن تعلقات بالأمل، وتعبر عن أوجاع الغربة، وغربة الروح."
وأشاد د. صلاح فضل بالشاعر الذي يملك طاقة شعرية جبارة وصورا شعرية بديعة لا نظير لها، على الرغم من نبرة اللوعة التي تتسم بها القصيدة. وأشار فضل أن الشاعر يرصد تغير الأهل وتغير الذات وتغير الناي، وأن الفكر الشعري الناضج هو الذي يرصد تحولات التاريخ، غير أن في قصيدة السعدي رؤية مثبتة على الواقع.
ويرى د. علي بن تميم أن القصيدة تتخذ شكلا غريبا يغري القارئ، فتجره القصيدة وتدخله في عذاباتها. وأشار ابن تميم إلى استدعاء الشاعر لشهريار وشهرزاد وأنه كان استدعاءً نمطيا جدا، وهناك تناص مع أبيات شعرية من الشعر القديم.
أما د. عبدالملك مرتاض فقال للشاعر "عودتنا على قرض الشعر الجميل، فأنت تحمل بركانا في قريحتك تفجره شعرا حيا نابضا عن محنة العراق الشقيق، تستدعي من خلاله كل أنواع التراث العربي والإسلامي."
وأضاف قائلا "لديك صنعة شعرية وتحكم باللغة تحكما دقيقا، وأنت صوت شعري هادر."
أما الفنان غسان مسعود فقد ألمح إلى أنه ليس مع الحزن كطريقة للحياة، وعلينا أن نبحث عن علة الحزن، لا أن نعيش الحزن. ثم أضاف أن القصيدة محكمة البناء ومدهشة.
وهنا يعلق الشاعر خالد السعدي قائلا "مغادرة الحزن هو النشاز، لأنه واقع العراق الآن." الخنساء وفي ظلها يستريح القصيد ثم قرأت الشاعرة روضة الحاج (من السودان) قصيدتها "وفي ظلها يستريح القصيد" وأهدتها إلى الخنساء قائلة في ثنايا القصيدة "لنا الله يا أصدق الشاعرات / ويا أشعر الأنس والجن / ويا أعذب الشاعرات."
ويعلق د. صلاح فضل قائلا "أنت تملكين بالبداهة شعرية آسرة، وتحافظين على منظور الأنثى، فلو قال رجل إنه يطرز بيت الشعر، لعافت النفس تعبيره."
ويضيف فضل "إنك ترفعين لواء الإبداع الجميل، لكن جروحه تملي عليك الندب، مثلما كانت تندب الخنساء."
ويطلب منها د. صلاح فضل أن تحافظ على المنظور الأنثوي الجميل المشحون بالمشاعر فيفجرها، قائلا لها "إن مستقبل الشعر الأنثوي أصبح في يدك."
ويعلق د. علي بن تميم على أن نص روضة الحاج يحاول كسر الصمت أو الخروج على ظاهرة الصمت عند المرأة, وأوضح أن هذا النص يستدعي الظاهرة الأورفيوسية (نسبة إلى أورفيوس في الأساطير اليونانية). كما أشار إلى أن الشاعرة تنحاز لمسألة البصيرة عند المرأة فتستدعي زرقاء اليمامة، وأوضح أن الخنساء ظهرت في هذا النص بصورتها النمطية.
أما د. عبدالملك مرتاض فقال "كان إيقاعك آسرا ساحرا مع التغاضي عن بعض الهنات اللغوية."، وأشار إلى أن الشاعرة استحضرت التراث العربي الإسلامي وأسقطت حياة الخنساء على حياتها وعلى محنة هذا العصر.
الفنان غسان مسعود قال للشاعرة "اليوم تنتصفين للمرأة من الرجل، وقطعت عناقيد كرمة البوح."
بينما قال نايف رشدان "يزداد شعرك ألقا وبريقا ولمعانا، وتنساب الجمل لديك انسيابا مبهرا." مفرد الشاعر مثنى الحب الشاعر محمد علاء عبدالمولي (من سوريا) ألقى قصيدة بعنوان "مفرد الشاعر مثنى الحب"، أشار د. علي بن تميم إلى قوتها ولكنها لم تنزل إلى البئر وتنشل ماء الشعر. كما أشار إلى طغيان الذهنية وطغيان التجربة التي تذهب إلى اللامحدود، وتهتم بالمعرفة أكثر من الصورة، وأن الفتى العربي (في القصيدة) غريب الوجه واليد واللسان.
د. عبدالملك مرتاض قال للشاعر "رحلت إلى عالم ثم غامرت فيه، ولكنك لم تستطع الخروج منه، وقصيدتك جميلة لكنها مثالية جدا، واستحضرت فيها القيم الآتية من الماضي، وقد بالغت في إقحام هذه القيم. وأن طول القصيدة أوقعك في النظم بعض الشئ، غير أن لك صورا جميلة، ونفسك الشعري طويل، ولك قدرة على التحكم في اللغة."
وأشار الفنان غسان مسعود إلى صعوبة القصيدة، وأن فيها تحديا كبيرا، وفيها عشق للغة، وأن الشاعر يذهب إلى أقصى المجاز في اللغة، وأوضح أن الشاعر يخرج من المادي اليومي إلى الذاتي جدا."
الشاعر نايف رشدان أشار إلى استحضار الشاعر للأدب العالمي القديم والتراث العربي في قصيدته، وأن بها حضورا ذاتيا متساميا.
د. صلاح فضل أشار إلى نص الشاعر نص جميل وقوي وطويل وعنوانه يذكرنا بعنوان أدونيس "مفرد بصيغة الجمع"، ولكن الشاعر ينحو منحى آخر مختلفا عن أدونيس.
وقال للشاعر "أنت تدين بدين الحب مثل ابن عربي، ومع ذلك أشرت إلى صريع الغواني الذي لا يدين بدين الحب، وهذا تناقض جميل في صلب الشعرية، ويؤكد أنك شاعر متوهج." ولد الطالب ومئذنة البوح الشاعر محمد ولد الطالب (من موريتانيا) ألقى قصيدة بعنوان "مئذنة البوح" أشار د. عبدالملك مرتاض إلى توظيف النار أو سرقة النار كما في الأساطير اليونانية، ولو وظف الشاعر النار العربية لكان أفضل.
ثم قال للشاعر "حاولت أن تجمع العالم كله في واحد، وتوظف الأسطورة اليونانية إلى جانب الرموز العربية، فعجمت وعربت وأقدست وبغددت." ثم أشار إلى إعجابه الكبير بالقصيدة.
وقال الفنان غسان مسعود "الشعر عندك ليس ترفا، ولكنه مشروع وموقف، ومن الواضح أنك منحاز إلى قضايا وطنك."
أما الشاعر نايف رشدان فقد قال "بهذا النص تبرهن على أن الشعر في موريتانيا يتعامل مع الأشكال الشعرية الجديدة، وهذه القصيدة غصن مثمر في الشجرة الوارفة، وأن الصمت في شعرك كان أكثر جلبة. وهذا النص يعيد لنا النماذج الشعرية الكبيرة."
د. صلاح فضل قال "شعرك يلهب المشاعر، وكيف تبوح من فوق مئذنة، والبوح عادة ما يكون همسا؟"
ثم أشار إلى قصيدة أمل دنقل لا تصالح، وقال للشاعر "من حقك ألا تصالح مثل أمل." وعن لغة الشاعر قال فضل "تمتاز لغتك بعرامة وقوة وتماسك في موقفك."
د. علي بن تميم قال إن هذا النص أعقد من ذيل الضب، ويستحضر قصيدة أمل دنقل لا تصالح، أو مقتل كليب أو الوصايا العشر، وخاصة عبارة أمل "هل يصير دمي بين عينيك ماء." وأنت تقول هذا المعنى أيضا. ومع إشارة النص إلى قصة يوسف عليه السلام، وزهير بن أبي سلمى، فإنه يحاول أن يستخدم قناعين هما قناعا برومثيوس وزهير، ويحمل النص رسالة السلام ورسالة التسامح إلى العالم. طقس آخر ثم انتقلت الحلقة إلى طقس آخر بغناء الفنان وليد توفيق، وحبذا لو كانت الأغاني المقدمة من المطربين المشاركين في الحلقات بالعربية الفصحى، انسجاما مع مسابقة "أمير الشعراء" المخصصة لشعر الفصحى، وانسجاما مع لغة القصائد الملقاة. 5 أبو فراس ومع فقرة المعارضات الشعرية يرتفع سخونة الشعر والأداء، ويقف الشعراء الخمسة معا على خشبة المسرح ويختار ظافر العابدين أول المعارضين لقصيدة أبو فراس الحمداني، فكان محمد ولد الطالب الذي قدم معارضة بعنوان "الشاعر الفخر"، بينما اختار الوليد الشهري عنوان "العاشق الشرقي"، ويقرأ خالد السعدي معارضه تحت عنوان "خيمة الأحزان"، ثم تشارك روضة الحاج ومحمد علاء عبدالمولى.
ويرى الفنان غسان مسعود أننا بصدد خمسة أبو فراس.
وأشار د. صلاح فضل أنها تجربة بديعة جدا، فالنص واحد، ولكن كل واحد من الشعراء الخمسة عندما أبدع غنى على ليلاه، فنص الطالب فيه زهو الشعر وكبرياؤه، ورمز الفخر، ونص علاء فيه عبادة الحب فهو يتحدث باسم الهوى في الشعر، وتتخيل روضة الحاج نفسها محبوبة أبو فراس الحمداني، ونص خالد السعدي كله شجن وحزن، ويعزف الوليد الشهري لحنا بديعا على وتر أبو فراس يبرز خصوصيته.
وهكذا يعلق أعضاء لجنة التحكيم على هذه الإضافة الجديدة لحلقات "أمير الشعراء"، ويشير د. علي بن تميم إلى أن السعدي اتخذ من أبو فراس الحمداني قناعا، ويتحول الشهري إلى عاشق، ويجعل عبدالمولى أبو فراس الحمداني دالا في النص، ويستدعي ولد الطالب أبو فراس الحمداني عن طريق وصفه من الخارج وإدخاله في الواقع المعاش، ويعطي تجربة السجن تفسيرا مختلفا.
ويعلن ظافر العابدين عن القصيدة التي سيجاريها أو يعارضها شعراء الحلقة القادمة وهي للشاعر السمؤال بن عادية التي يقول فيها: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ** فكل رداء يرتديه جميلُ وعن طريق القرعة يسحب الفنان وليد توفيق خمسة بطاقات لشعراء الحلقة القادمة ليكونوا: عبدالكريم معتوق (الإمارات) ياسر الأطرش (سوريا) حازم رشك التميمي (العراق) الشيخ أبو شجة (موريتانيا) حنين عمر (الجزائر). ولد الطالب يتأهل للمرحلة التالية والجمهور يختار روضة الحاج ثم تحين اللحظة المرتقبة بإعلان اسم الشاعر الذي اختارته لجنة التحكيم من الشعراء الخمسة للتأهل إلى المرحلة القادمة، فكان الشاعر الموريتاني محمد ولد الطالب الذي حصل على نسبة 46.6% من نسبة الـ 50% المقررة للتحكيم، بينما اختار جمهور مسرح شاطئ الراحة الشاعرة السودانية روضة الحاج التي ستنتظر مع الشعراء الثلاثة الآخرين تصويت الجمهور العام عن طريق رسائل المحمول القصيرة إس إم إس، في حين كان الشاعر امرؤ القيس هو شخصية الحلقة من الشعراء القدامى التي يسأل عنها الجمهور بأصوات شعراء الحلقة. أحمد فضل شبلول