الساعي والسكرتيرة الحسناء

بقلم: مصطفى نصر
ليس كافيا

يحكون في الإسكندرية عن مدير تحرير مجلة مشهورة، تشغل شقة في إحدى العمارات الكبيرة؛ استطاع أن يقيم علاقات مع أهم المسئولين في الإسكندرية؛ فيزورونه في مكتبه؛ طالبين منه قضاء بعض الحاجات لهم، أو يجمعهم في حجرته الواسعة المطلة على البحر ليشربوا قهوته المحوجة والمرطبات عنده.
يعمل في مكتب المجلة المشهورة عدد قليل من العاملين، صحفيان عملهما منصبا على جمع الإعلانات للمجلة؛ فقلما تجدهما في المكتب، وسكرتيرة حسناء متزوجة من رجل أعمال وسيم، وثلاثة من السعاة يتواجدون جميعهم في الصباح، وواحد منهم يأتي مساء بالتناوب مع زميليه الآخرين.
أحد هؤلاء السعاة دائم الخلاف مع السكرتيرة، فهي مسيطرة على المكتب كأنها مديرته، وهو حاصل على الإعدادية ويذاكر الثانوية العامة من منازلهم، يقرأ الجرائد والمجلات باهتمام؛ خاصة أنها تأتى إلى المكتب دون مقابل، ويحضر ندوات حزب معارض؛ ومن أتباع نائب في مجلس الشعب مشهورا على مستوى مصر كلها بمعارضته الدائمة للحكومة.
ذلك أعطى للساعي قدرة على رفض الإذعان لهذه السكرتيرة، مما أدى به إلى خصم أيام كثيرة من راتبه.
يأتي زوج السكرتيرة إلى المكتب أحيانا، يجالس مدير المكتب، يتحدثان معا عن الأعمال التي يقوم بها الزوج، ويحتاج أحيانا لتدخل مدير المكتب ليسهل له مهمته في التجارة، ومدير المكتب لا يبخل عليه من أجل عيني السكرتيرة الخضراوين الجميلتين.
لا تأتى السكرتيرة مساء إلا نادرا، وإذا جاءت يعرف السعاة أن المكتب هذه الليلة لن يسهر طويلا، فالمدير ينهي العمل من أجلها قبل كل يوم، وينزلون بعد غلق المكتب.
العمارة كبيرة ولها إدارة وحراس؛ منهم مساعد شرطة صعيدي محال على المعاش؛ يرتدى الجلباب والعمة، وإذا جاء زائر لمدير المكتب يصعد معه بالأسانسير، علما بأنه لا يفعل هذا مع كل زوار العمارة، فهو يفعل هذا من أجل المدير الذي يدفع له بسخاء، وحتى إن لم يدفع؛ فالحارس ليس أميا، هو يقرأ الجرائد والمجلات، ويعرف أن المدير صحفي ينشر المقالات في المجلة؛ وتظهر صورته في صدر الصفحة مبتسما، ومعارفه على مستوى كبير من الأهمية، فلقد رأى الحارس بنفسه ضباطا كبارا، سبق أن عمل معهم أيام الخدمة، يصعدون لمكتب مدير المكتب ويجالسونه.
الساعي المعارض يصادق الحارس، ويعطيه الجرائد والمجلات التي تأتي إلي المكتب دون مقابل، ويعطيه الجرائد المعارضة التي يحرص على شرائها من حسابه الخاص؛ ليتسلى الحارس بها في عمله الممل؛ على مقعده أمام الأسانسير.
قال الحارس للساعي الشاب في ليلة من الليالي:
ـ البك يعود ثانية مع السكرتيرة بعد أن تغلقوا المكتب وتذهبوا.
ـ كيف ؟!
ـ لا أدري، ربما ينسيان أشياء في المكتب ويعودان لأخذها.
ـ ربما.
***
تردد الشاب في أن يطلب من زميله الذي عليه نوبة العمل المسائي، أن يعمل بدلا منه، لكنه خشي أن يكتشف المدير اهتمامه بهذا الموضوع، وظل منتظرا حتى جاء موعد نوبته، ليلتها خرجوا جميعا.
حمل، ككل مرة، مجموعة الكتب للمدير، ليضعها في سيارته وأغلق المكتب بالمفتاح، وهبطوا بالأسانسير، ساروا حتى سيارة المدير، فوضع الكتب فوق المقعد الخلفي؛ فالسكرتيرة ستجلس في المقعد المجاور للمدير لكي يوصلها إلى بيتها.
حياهما الساعي وسار، وتابع السيارة وهي تسير أمامه، وكاد يكذب الحارس؛ فالسيارة انطلقت وابتعدت عن عينيه، فوقف للحظات، وإذ بالسيارة تلف وتعود إلى مكانها ويخرج المدير والسكرتيرة، يعودان إلى العمارة وإلى الأسانسير.
سار الساعي الشاب بضع خطوات، ثم أحس بالخوف من مواجهتهما، هو معه مفتاح المكتب لكي يأتي مبكرا لينظفه قبل مجيء الجميع، بذلك المفتاح يمكن مفاجأتهما.
فكر في أن يذهب إلى بيته ككل يوم، وفي الصباح، عندما يقابل السكرتيرة سيشير إلى ذلك في حديثه لكي تفهم أنه يعرف ما يحدث؛ فتخشاه وتكف عن تحديها له.
لكن ذلك ليس كافيا ما دام ليس لديه الدليل. وأسرع بدخول مدخل العمارة الواسع، لم يجد الحارس في مكانه، صعد الساعي بالأسانسير وأحس بارتعاش جسده كله.
أدار المفتاح في (الكالون) ودخل فجأة فوجد المدير بفانلته الداخلية دون شيء آخر غيرها، وهى بقميص نوم قصير عار يكشف عن ساقيها.
أسرع المدير إلى دورة المياه وأغلق بابها خلفه ليخفي عريه، وجلست هي على ركبتيها لتخفى ساقيها، كان فستانها فوق المقعد البعيد؛ غير قادرة على الوصول إليه. نظر الساعي إليها طويلا ثم أسرع إلى الباب وأغلقه خلفه في عنف.
***
في اليوم التالي دخلت السكرتيرة ضاحكة كعادتها، كانت تحمل صندوقا صغيرا. داعبت السعاة الثلاثة؛ خاصة ذلك الذي رآها بالأمس، ربتت فوق رأسه؛ مما جعل الآخران يدهشان لما يحدث؛ وهو لم يبد اهتماما، سأله أحدهما :
ـ ما الذي حدث لهذا التغيير المفاجئ؟!
مط شفتيه ولم يجب.
لم ير الساعي المدير عندما جاء، علم بحضوره عندما دخل زميله قائلا:
ـ حضر القهوة، البك وصل.
لم يخرج من حجرة السعاة لكنه سمع زميله يناديه:
ـ البك يريدك.
سار إليه متباطئا، كانت هي تجلس أمامه، قال المدير في ابتسامة واسعة:
ـ أغلق الباب خلفك.
أغلق الباب، ووضع يديه فوق بعضهما أمامه دون أن يقول شيئا.
فتحت السكرتيرة صندوقها الذي جاءت به، أخرجت بلوفرا من النوع الثمين والذي لم يرتده الساعة من قبل :
ـ ماذا ترى في هذه الهدية؟
وقال المدير محرضا له:
ـ خذ الهدية، أنت مثل أخيها الصغير.
لكنه امتنع عن ذلك وخرج. دخل حجرة السعاة وظل شاردا طوال الوقت. مصطفى نصر ـ الإسكندرية