وجوه زهرة النرد

بقلم: زياد العيساوي
احتمالات

رأيتُ ذات مرةٍ أربعة فتية فى ريعان الشباب يحملقون إلى أعلى نحو شيءٍ معين، ثُم يتهافتون إليه راكضين، أي حيثُ المكان الذي يسقط فيه على الأرض، ثم يلتفون من حوله، والغريب في الأمر، أنهم كانوا يذكرون أرقاماً عشوائيةً قبل أن يسقط ذلك الشيء على الأرض، وبعد ذلك كان كل واحد منهم يندبُ حظه ويقول "يالحظى السيء.".. "هكذا."
شدّني هذا الأمر الغريب وأثار فضولى وجعلني أدنو منهم شيئاً فشيئاً من باب إرضاء الفضول، وعندما اقتربتُ منهم وجدتُهم يعدون العُدة لتكرار التجربة، وكانت فى راحة يد أحدهم قطعةٌ صغيرة جداً مصنوعة من مادة اللدائن لها ستة أوجه، وفي كل وجه منها عددٌ من النقاط تبدأ من الرقم واحد حتى الرقم ستة، أي أنَّ عدد هذه النقاط كان بعدد الأوجه، ولعلَّ القارئ قد عرف ماهية هذه القطعة التي أقرب ما تكون فى شكلها الهندسي إلى المكعب، وهو شكلٌ فراغي ذو ثلاثة أبعاد، وله ستة أوجه وتُعرف هذه القطعة بزهرة النرد.
على أية حال، قام من كان يحمل تلك القطعة في راحة يده بإطلاقها إلى أعلى، وأخذ كلٌ منهم يذكر الرقم الذي أختاره كتعويذةٍ لجلب الحظ الجيد أو شيءٍ من هذا القبيل، وبعد بُرهة سقطت سقوطاً حراً على الأرض، ثُم ارتفعت قليلاً إلى أعلى، فعادت بعد ذلك لتسقطَ على الأرض ولتستقرَ بها الحال على أحد وجوهها الستة، فأنطلق الفتية نحوها وكنتُ معهم، المدهش في الأمر، أن الوجه الذى استقرت عليه زهرة النرد لم يكُن من بين الأوجه الأربعة التي اختارها هؤلاء الفتية، بل حمل رقماً آخرَ، فقال أحدهم نادماً "كنت على وشك اختيار هذا الرقم، لكني للأسف عدلت عن اختياري في آخر لحظة."
أما الآخرون فتذمروا، وأصبحوا كعادتهم يندبون حظهم السيء، برفس الأقدام وعضّ الأصابع، وتشاءم ثلاثة منهم من الرابع الذي كان يقذف زهرة النرد إلى أعلى، وقالوا معاً "إنَّ سوءَ الحظ الذى يُلاحقنا يرجع إليك"، لا غرو في أن ما قاله الثلاثة للرابع في سياق العبارة السابقة هو تشاؤم، وهو من الشرك الأصغر.
وبعد ذلك قاموا باستبداله بواحدٍ منهم ليقومَ بقذف القطعة إلى أعلى، وطلبتُ منهم أن أكونَ خامسهم، أي أن أشاركهم هذه اللعبة، فلم يُمانعوا، واختار أربعتهم الأرقام الخاصة بهم، ولم يبقَ لي إلا أحد الرقمين الآخرين، فاخترتُ أحدهما، وبينما هي تصعد إلى أعلى، أصبح الجميع يتمنى أن تسقط على أي وجه من الوجوه الخمسة التي اخترناها، ولكن من دون جدوى، فقد استقرت زهرة النرد على الوجه الوحيد المتبقي، وحسبما يقولون، يبدو أنَّ سوء الحظ قد طالني أيضاً.
لكني لم أفعل فعلهم ولم أندب حظي مثلهم، فقد أدركت السبب الذي يجعل النتيجة تأتي مخيبةً للأمل، ذلك أن عدد الاحتمالات الواردة يفوق عدد الاختيارات المحتملة، ما معناه أن عدد الاحتمالات الكلية مساوٍ لعدد أوجه زهرة النرد الستة، ونحن خمسة متسابقين، أي أن إجمالي عدد اختياراتنا هو خمسة اختيارات، لذا يتوجب علينا أن نكمل النقص في العدد بمشاركة شخصٍ آخر، ليتساوى عدد الاحتمالات المختارة مع عدد الاحتمالات الكلية.
وهذا ما حدث، حيثُ إننا أشركنا متسابقاً سادساً معنا، وبطبيعة الحال لم يكُن هناك مناصٌ من أن تستقر زهرة النرد على أحد الوجوه المختارة أرقامها، لأننا قد وضعنا الاحتمالات كافةً، وجعلنا عدد الاحتمالات المختارة يتساوى مع عدد الاحتمالات الكلية.
من هذه اللعبة، نستنتج أنه علينا أن نضع كل الاحتمالات المتوقعة بخصوص أيِّ أمرٍ، فلا نُفرط في التفاؤل ولا التشاؤم كذلك، بل لزامٌ علينا ألا نغلب أحدهما على الآخر، كي نستعد لتلقى نتيجةَ أيِّ أمرٍ بشجاعةٍ وصبر. زياد العيساوي ـ بنغازي (ليبيا) Ziad_z_73@yahoo.com