عدي رشيد يتجول سينمائيا في بغداد: المدينة-الجرح

باريس
معالجة سينمائية لواقع بغداد الباكية

يتحدث المخرج العراقي عدي رشيد عن فيلمه الاخير "غير صالح" ويتطرق الى اليات التصوير وكتابة النص وصعوبات التنفيذ. * في نهاية السبعينيّات وبداية الثمانينيّات بدأت هجرة العراقيين إلى المنافي بحثاً عن الحرية وبعيداً عن الحرب العراقية/الإيرانية، ومع استمرار الأوضاع في العراق وبداية حرب الخليج أول التسعينيّات توطّدت إقامتهم، وعلاقتهم بكلّ مجالات الفنّ والأدب واختار عدي رشيد البقاء في بغداد. في زمن الهجرة القسرية التي اختارها المُثقف العراقي فترة التسعينيّات كنتُ دون العشرين من عمري وكان بي عطش محموم لبناء معرفة تتوغل في عمق وعيّ الإنسان لذاته وجغرافيا بغداد.
وبعد أن كبرتُ قليلاً وتجاوزتُ الخامسة والعشرين بدأت بغداد تضيق بي كما حال كلّ أصدقائي الذين هاجروا أو من كانوا على وشك الهجرة وكلّ على طريقته وإمكانياته المادية.
كنتُ أصحو كلّ يوم وفي رأسي فكرة المُغادرة لأجد نفسي أتسكع من جديد في المدينة والقراءة والعبث مع الأصدقاء ودائماً كانت لديّ صديقة تستحق الانتظار، وقبل الحرب الأخيرة كنتُ قد بلغت الثلاثين وأدركتُ بأنني موجوعٌ بالمدينة وبالإنسان فيها بدون وعي مُسبق بهذا الوجع ولم يكن لشرطة صدام وأجهزته من سلطة عليّ تحديداً فقد حافظتُ على استقلاليتي ولم أعمل في دائرة ثقافية رسمية . * ولكن سلطة شرطة صدام وأجهزته كانت تنطبق على الجميع وتحديداً من حافظ على استقلاليته ولم يكن موالياً للنظام السابق. بالفعل ولكنها سلطةٌ غبية من السهل تجنبها وتحديداً إذا لم تعلن موقفاً سياسياً مغايراً. كان هناك الكثير من مثقفينا الذين استمروا في إنتاجهم الأدبيّ الخالص والحرّ داخل العراق وحافظوا على استقلالية كاملة وأبرز هؤلاء الشاعر الفقيد رعد عبد القادر الذي فتح مديات خاصة للتجريب في القصيدة بدون أن يمدح أو يغني لأحد، وكانت زاويته "أضواء" في مجلة آفاق عربية من أهمّ الزوايا الثقافية في العراق والوطن العربي عموماً.
وأنت تعلم كما كلّ مثقفينا الذين هاجروا ولأسباب مختلفة بأنّ سلطة شرطة صدام الثقافية كانت بلهاء، وأكرر تحديداً إذا ما تجنبت الاحتكاك بمؤسّساتها لأسباب تخصّ جنيّ المال والنجومية كما تورط الكثير من مثقفينا الذين بقوا وبعض الذين هاجروا. * وفيما يتعلق بهوية البطل الحقيقيّ في فيلمه "غير صالح": المُصور "زياد"، المخرج "حسن"، الزوجة "ميسون"، الشخصيات/الشهادات، الكاميرا داخل الفيلم، الشريط الخام المُنتهية صلاحياته منذ أكثر من عشرين عاماً، المونتاج المُتشظي، الحارة التي صورتَ فيها، أو (بغداد) التي شقها النهر نصفيّن.. قال رشيد: أعتقد بأنها المدينة (بغداد) لستُ متأكداً ،وحدات القياس عندي مضطربة وربما كلّ ما ذكرت في سؤالك يتحالف من أجل هذه المدينة-الجرح . * وحول زقزقة العصافير في المشهد الأول من الفيلم إذ كانت ضربات البيانو الحادّة تمتزج بها مع ضجة الشارع والجيران، وفيما يخص خطورة التعمد باضافتها على شريط الصوت في فيلم يتحدث عن سقوط نظام وقيام حرب او انها جزء من الفضاء الصوتي للمشهد.. أكد المخرج العراقي عدي رشيد: طبعاً. لقد تمّت إضافة هذا المُؤثر أثناء تصميم البناء الصوتيّ للفيلم، إنه ـمن وجهة نظريـ شكلٌ من أشكال الديالكتيك الفيلمّي: البحث عن المُضاد من أجل هارمونيةّ خاصة، وهي معادلة غاية في الخطورة تنجح مرةً وتفشل مرات. *مع شريط خامّ انتهت صلاحياته منذ أكثر من عشرين عاماً، وفيما يتعلق بالتوقعات بأن تكون النتيجة المشهدية للفيلم تتابعات شاشة سوداء، إضاءة برقية متلاحقة، خطوط، وأطياف أشخاص.. نفى رشيد قائلا:
* لا والسبب يعود إلى ذكاء وموهبة مدير التصويرزياد تركي، هذا الفنان القادم من عدسة الفوتوغراف وعشق الضوء أينما كان. بدأ زياد تجاربه على الخام بقطع عدة أقدام من الفيلم ووضعها في كاميرا فوتوغراف، وعرّض الفيلم للضوء ضمن تدرجات لونيّة معينة وبعدّة فتحات للعدسة.
بعدها، حمّض الفيلم وطبعه بنفسه وسجل ملاحظات كان وحده يعرف أسرارها ومن ثمّ وضع 400 قدم في الكاميرا السينمائية وجرّب التعريض على ضوء النتائج التي حصل عليها من تجربة الفوتوغراف وأرسلناها إلى المعمل في بيروت فجاءت النتائج مثلما توقع زياد بالضبط وبدأنا العمل. * وفما يتصل بتعمد اختيار جماليات سينمائية معينة.. قال رشيد: بالنسبة للصورة، الجماليات الموجودة في الفيلم هي نتاج حتميّ ومدروس لنقاشات استمرت لأشهر مع مدير التصويرزياد تركي. كنت أحياناً أتطاول على اختصاصه وبدوره كان يتطاول أحياناً على اختصاصي للحصول على تلك الجماليات . * وحول وجود سيناريو جاهز قبل التصوير وارتكاز الشهادات على نصّوص مكتوبة: لم نعمل على سيناريو متكامل كان موقع التصوير الرافد الأول بالنسبة لنا، كان لدينا شخصيات بنيناها بدقة، أنا والشاعر فارس حرّام والسينمائي الشاب حيدر حلو.
كانت هذه الشخصيات تتحرك في فضاء ضيق جغرافياً (محدودية الإمكانية الإنتاجية) لكنها وفي نفس الوقت تحركت في فضاء روحي لا متناه وهو حبنا وإخلاصنا لها.
بالنسبة للشهادات كتبت بعضها ودرستها جيدا وتركت البعض الآخر للشخصية المُتحدثة. * الأسباب الدرامية في اختيار شخصيات بعينها دون غيرها من خلق بغداد: بدءاً من شخصية حسن (مركز الحكاية) كنا نحاول تلمّس أبعاد الشخصيات كي نعرفها جيداً ولا نبتعد داخل مُغريات الدراما كنا نبحث عن الصدق في كلّ مفصل من مفاصل حركة الشخصية وكان لابدّ لهذه الشخصيات بأن تُمثل الجغرافيا التي تعيش فيها والتي إنطلقنا منها صورياً لقد أردنا التحدث عمّا نعرفه جيداً. * وحول الثقافة السينمائية والمخزون البصري لعدي رشيد ومساهمة المونولوغ (المُناجاة) بإضفاء مسحة أدبية شعرية وأحياناً مسرحية تُذكرنا خاصةً بأفلام الموجة الفرنسية الجديدة وفيها تتجلّى بوضوح "سينما مؤلف" تصلح للقراءة والمُشاهدة وأنت الذي تخيّرت البقاء في بغداد سنوات الحرب والحصار.
شخصياً، أنا إبنٌ شرعيٌّ للحركة الأدبية في بغداد التسعينيّات والتي يعترض البعض عليها، لقد تعلمنا من أدبيات السينما أكثر من المُشاهدة لعدم توفر الأفلام، وكانت الرواية والنقد الحديث والفنّ التشكيلي الروافد الحقيقية لثقاتنا السينمائية.
شاهدنا بعض أفلام الموجة الفرنسية الجديدة ولكننا لم نُكمل درس المُشاهدة بل واصلنا القراءة والتأمل.
بصرياً، أنا مأخوذٌ بالفنّ الشعبي وبغضّ النظر عن مصدره، بالنسبة لي هذا الفنّ هو المصدر الأول، مثلاً: حرارة ألوان البساط الذي تصنعه جداتنا هو من الغنى بحيث يمنح عينيك تهذيباً من نوع خاصّ، تحديداً في مدينة أحالَ الصيف المُرعب كلّ ألوانها إلى الكاكي المُصفر. كنا نفتش عن اللون حتى في تشكلات القمامة ونحن نعود إلى منازلنا بعد يوم من التسكع في مقاهي شارع الرشيد والباب المُعظم. * وحول اقتراب الفيلم من المسرح حيث انه من اوله الى آخره إختطافٌ للتسجيليّ لجعله روائياً وإلتفافٌ على الروائيّ لجعله تسجيلياً: كان ذلك رعباً مونتاجياً وعلى طاولة المونتاج يبدو كلّ شيء مرعباً، لقد صورت أحلامك والمونتاج هو جغرافياً السرد، لذا كنت كالممسوس وانا أقطع وأرمي أجزاء من الفيلم كان كل شيء بالنسبة لي تسجيلياً وبذات الوقت كل شيء متخيلاً إنه مطبّ روحي أكثر منه تقني وأنا غضٌّ أمام قسوة دقة إنجاز فيلم طويل.
كنت أربط أجزاء من الفيلم وأشاهدها مجرداً من أيّ شيء وغالبا كنت أفشل لكنني أتقنت تلك اللعبة في الوقت المناسب، وهنا عليّ بأن أذكر دور حبيبتي فرات الجميل والصديق المخرج الألماني توم نكفر وهما يمارسان دور الركائز النفسية والروحية لإمساكي بمفاتيح اللعبة كنت أريد إستغلال التسجيلي كأداة طيّعة من أدوات سرد المُتخيّل وكنت أرغب الإمساك بالمُتخيّل وتشكيله كحادثة وقعت في ذاكرتي التسجيلية كان ذلك أعظم ما تعلمته من تلك التجربة السينمائية. * وحول الاعتماد على حركات كاميرا مدروسة مُسبقا ًاو استلهامها في لحظات الإنجاز مباشرةً وأياً كانت الطريقة، كانت تلك الدّقة بحاجة إلى إعادات كثيرة لتصوير لقطة ما مع كمية قليلة من الخام الفاقد الصلاحية. كانت إستراتيجية متبادلة مع مدير التصوير، والمُنتج ماجد رشيد،فقد قسمنا العمل على ضوء الخام المُتوفر(9000 متر)، وهي كمية محدودة لإنجاز فيلم روائيّ.
لذا، ففي بعض المشاهد كنت محاصراً من قبل ماجد وزياد بكمية محدودة من الخام، وحسما التصوير بإعادة واحدة لا أكثر، وذلك لكي يوفرا لي حرية الإعادة في اللقطات التي أحرّك فيها الكاميرا، ووفق البنية الحسّية للوعيّ باللقطة، لقد كان توفيراً حسابياً منهما لتحقيق طموحات صغيرة في الإحساس المُكثف بالحركة داخل مجال اللقطة لديّ. * وفيما يتعلق بميول عدي رشيد الى كاميرا سوبر 8، إذ لم يتورط المونتاج كثيراً بإلتزام قواعد مونتاجية حكائية، حيث يُظهر لنا -في بعض الأحيان- القطع نفسه، تلك الومضات التي نشاهدها كثيراً في أفلام السوبر 8، والمُستخدمة سابقاً في الأفلام العائلية، وحالياً في السينما التجريبية.

لم أشاهد أيّ من تجارب التجريبييّن، ولكنني تعرفتُ عليها من خلال أدبيات السينما التي كانت تصلنا بين الحين والآخر، لكن أسلوب القطع الذي إعتمدته في الكثير من مفاصل الفيلم يخرج عن دائرة التوغل بالشكلانية في السينما ويدخل عندي كوحدة أساسية من وحدات الربط المتين لمفاهيم أدوات الربط المثالية للسرد في تجربة حكائية خاصّة، مثل تجربة هذا الفيلم.
كنت أريد سحب المُتلقي من وعيه المُجّهز بأنه يشاهد فيلماً أو ما يُطلق عليه ستانسلافسكي "النشاط الإسقاطيّ" أو "التماهي" كما عند أرسطو، وهي صيغةٌ تلقي الحدث بصيغة المضارع إلى الإحساس بأنّ ما يشاهده حقيقةً وقعت في صيغة الماضي، وقد ساعدني هذا الأسلوب كثيرا ً. * وفيما يتعلق باستخدام إبداعية مونتاجية للربط ما بين الأحداث المُتشظية ولو كحيلة في "غير صالح" حيث ساهمت العناوين الداخلية بتقسيم الفيلم إلى مَشاهد كحال المسرح، والآن، أصبحت جزءاً من الصياغة الدرامية والسينمائية للفيلم، وكانت مثل الفواصل، النقاط، علامات الإستفهام، والتعجب في نصّ أدبيّ: كمتلق مجرد للفيلم، أجدني أتعامل مع تلك اللوحات الكتابية كوحدات تشظيّ مُضافة للتشظيّ المُعلن عنه كبناء، وكصانع للفيلم، كنتُ أكتبها كما لو كانت عناوين فرعية لذات الحكاية، أحيانا كنت أرفعها وأشاهد الفيلم بدونها فأشعر بأنه كان "الوزن" بالمعنى الفيزيائي للكلمة، تلك اللوحات أكسبته الوزن، والسكينة كما أعتقد. * كان الشاهد رقم 1 شخصاً حقيقيّاً، والشاهد رقم 2 ممثلاً يقف أمام الكاميرا يلقي نصّاً تضمّنه السيناريو، كما استعنت بأشخاص عاديين يمثلون أدوارهم متذرعاً باللقاءات والشهادات معهم، وكما توضحت المُبالغة في أداء البعض، قدم الفيلم بشكلّ عامّ أداءً -غير معهود في السينما العراقية- هادئاً تلقائياً يتضافر مع حضور ممثلين محترفين. فيما يخصّ التمثيل، لا أجدني راضياً عما أنجزته، أشعر بالممثل سمر قحطان في دور المخرج حسن يمتلك أكثر، لكنني كنت بعيداً عن لحظة إستنفاره بالشكل اللازم، والسبب نقص خبرتي في إدارة الممثل والظرف الإنتاجي المُرعب مع باسم الحجاز الذي مثل شخصية الموسيقي المريض، فشلتُ بالكامل وفشل هو من بعدي، باقي الشخصيات تحركت بحرية، لإحساسها بأنها بعيدة عن المركز، وهذا ما حدث مع ماجد رشيد الذي مثل شخصية زياد وحيدر حلو في شخصية المعتوه، كانا حرّين وتلقائيين إلى درجة فاجئتني، وأدركتُ الدرس جيداً بأن أخطر ما في إدارة الممثل هو سلبه لحريته. * وحول مريم عباس في دور الزوجة ميسون والخشية من اثارة الغيرة لدى حبيبته فرات، قال رشيد: بل العكس، فرات سوف تغضب إذا لم أتحدث عن مريم، لأنها هي التي اختارتها لهذا الدور، وقد اختارتها مسبقاً لتنفيذ فيلم قصير من إخراجها لم يُنجز لأسباب إنتاجية، مريم عباس ممثلةُ ممتازة وحساسة ومتمكنة من أدواتها وتنشد البحث والتطور دائماً، أتمنى العمل معها مرةً أخرى . * لم ترغب بأن تتكلم شخصياتك كثيراً أو أن تصنع فيلماً ثرثاراً، ولهذا نشاهد الشاهد رقم 3، الجنديّ الذي التقطه "المعتوه" بداية الفيلم في لقطةُ متوسطة لا يتكلم فيها، زخات رصاص، هدير مروحيّات، وموسيقى فقط، بينما تترك الشاهد رقم 4 لتُدخلنا إلى وجدان حسن المجروح من خلال أغنية عراقية مُوجعة، كما تترك(المعتوه) في الشهادة رقم 5 يتحدث بمفرده، لتُغرقنا من جديد في شجون الأغنية. الشهادات هي هذيان المرعوب، كانت تحدّثُ المُتلقي قبل أن تتحدثَ إلى الكاميرا، إنها صيغة المُواجهة البدائية والإستجابة غير الواعية عند الإحساس بالخطر وهكذا كان حال الشخصيات، ولهذا السبب الجندي لا يتكلم، هو يلقي شهادته بنظرة لا أكثر أو فلنقل يواجه رعبه. *وحول صلاحية الموضوعية للسيطرة على فكرة الفيلم إذ لم تكن الكاميرا شاهداً مُحايداً، إنها ذاتية إلى حدّ "لا أخلاقيّ". كما الحرب، السينما ليست أخلاقية بالمرّة ضمن مفهوم التدنيس وقدسية مداعبة المُحرّم، الصورة هي الزمن برّمته أو كما يقول جودار: السينما هي 24 صورة للحقيقة في الثانية.
لقد تحطم المفهوم الأخلاقي على يدّ الانطباعيين، والسينما هي الوجه الأكثر قسوةً للسخرية من هذه البنى، أن تكون موضوعياً في زمن كهذا وفي ظرف كالذي عشناه في العراق معناه بأن تغرقَ في ذاتيتك، ويا حبذا أن تكون داعراً. * وفيما يتصل بشهادة المخرج حسن قبل أن نتوقع الشهادة رقم 5. لا شيء في هذا الفيلم صدفة، لقد جاءت شهادة المخرج حسن في مكانها الذي إحتاجها إيقاع الفيلم، لا يوجد مكان محدد لأيّ شيء، حتى عند أرسطو الموقع هو في مكان الضرورة لوجوده وغالباً ما يعتمد على إيقاع الصانع ووعيه بدون شك، هنالك الكليشيهيات السينمائية والسردية التي ترسّخت عبر آلاف الأفلام والكتب ولكن لكلّ عمل قانونه الداخلي حتى وإن كان غايةً في الأرسطية والمنطقية السردية، في هذا الموقع أردت حسن بأن يلقي كلمته ويمضي وقد فعل. * عندما توجّه حسن مباشرةً إلى المتفرج في شهادة "مسرحية"، تخيّر بأن يتخلى عن مونولوغه الداخلي(مناجاته) ليتوجه إلى الكاميرا/المتفرج، ويقول: لماذا أصنع الفيلم ولمن، هذا الفيلم يؤرقني، عليّ أن أتوقف، لن أكمله، لن أكمله. دورك، كنتَ تفكر مسبقاُ بمتفرج مُتخيّل، مُضمر، أو مُرتقب. كنتُ أفكر بمتلق مثلك أعلن شراكته ووعيه بجرح الإنسان وموته، كنتُ أفكر بأن أحتضن أصدقائي وأعترف لهم بأني أضعف من الوقوف وراء كاميرا في ظرف كهذا ولقد نجحت في الاعتراف عبر صمودي قربها. *خلال الفترة الزمنية للفيلم، هناك إستدراجٌ متواصل للمتفرج إلى لعبة "الفيلم داخل الفيلم" أو "الوهم والإيهام" وهو المبدأ الذي إنطلقت منه فكرة "السينماتوغراف" نفسها.
وهنا، أرغب بإستدراجك أيضاً إلى كشف الحقيقة، ألم تكن إشكالية الشريط الخام الفاقد الصلاحية من نسج خيالك وكانت من تركيبة السيناريو نفسه، كما الحال عندما أوهمت المتفرج بأنك لن تكمل الفيلم، ولكننا شاهدناه متحققاً؟
أين الوهم، وأين الحقيقة، لقد شاهدتُ جثةً لمواطن عراقي في يوم 13/4/2003، احترق نصفها ونهشت كلابٌ سائبة النصف الآخر، وعلى مقربة منها طفلٌ يتغوّط، وجنديٌّ أميركي يسأل عن معنى كلمة "أشطح"، بينما عاهرةٌ قبيحة جداً تقول له: (...) بخمسة دولار.
فيزيائياً، شاهدتُ ذلك المشهد، ولكنني أرفض تصديقه حتى هذه اللحظة، هل كان وهماً؟ أم حقيقة؟ كلاهما؟ لا يهمني، عنق الفيلم كان حقيقة، لكن هل تعتقد بأنني أكملتُه فعلاً؟ * لمْ تُعد تجسيد ذلك المشهد، خسارة، يُذكرني بأفلام المخرج الإيطالي فلليني، وأكثر من ذلك أول فيلم سورياليّ "كلبٌ أندلسيّ" لمخرجه لويّ بونويل. لو حدثتكَ عن كلّ تفاصيل ذاكرة الحرب والحياة في بغداد لقلتَ لي اجمعها في فيلم، وستتخلق سورياليتك الخاصة، وهذا ما أفعله الآن، أكتب ولنقل أتقيأ كلّ تلك الذاكرة على ورق محموم، سري حتى هذه اللحظة، ولا أدري هل سيكون سيناريو فيلم، أم مسودة لرواية، أم يوميات. لا أدري فعلاً، إني أكتب لأتخلص من كوابيسي، لكنّ فعل الكتابة نفسه كابوسٌ مهلك، صحتي ليست على ما يرام بسبب ذلك. * وحول تأخر الفيلم في الكشف عن قوات التحالف إذ انه وبعد 42 دقيقة من المدة الزمنية للفيلم، يُركز حسن عدسة الكاميرا الفوتوغرافية على الشارع المُطلّ من شباك منزله، لنشاهد من بعيد عربات عسكرية أميركية، ومن ثم يعود صوتياً إلى مونولوغه الداخلي في مناجاة شعرية. أولئك الممسوخين الذين يرتدون الكاكي المُرّقط هم وجهٌ من أوجه المأساة وليست كلها، أردت العبث بالقبح الذي بداخلنا أولاً قبل التوجه إلى الخارج، هم سيخرجون حتماً ولكن هل تنتهي أزمتنا بخروجهم؟ وفيما يتعلق بتصوير الفيلم على مراحل متعاقبة واتصال ذلك بكتابة المشاهد. لقد استغرق تصوير الفيلم 32 يوماً، توزعت على سبعة أشهر. كنا نخططُ لمجموعة مشاهد، ولكن لحظة الكتابة الفعلية تمّت في موقع التصوير وهنا يبرز دور كلّ من فارس حرّام وحيدر حلو، كنا نتلمس الضرورة فيما يجب أن يُقال، نجحنا كثيراً، وفشلنا أكثر. يستمر(حسن) بتصوير شوارع بغداد وحاراتها وأبنيّتها المُهدّمة بدون مونتاج أو بطريقة توحي لنا إختفاءه كما حالة التصوير بكاميرا سوبر 8 حيث لا تقف الكاميرا أمام موضوعها كثيراً خشية انتهاء شريط الفيلم في البكرة، وبدون مؤثرات خارجية غير صوت الكاميرا ودوران الشريط في علبته أو دورانه في جهاز العرض، مرةً أخرى أعيدك إلى أسلوب التصوير بكاميرا سوبر 8 لتحدثني عن ذلك الاختيار أعود إليك بإجابتي عن الفعليّن المضارع والماضي في السينما، لحظة التلقي التقليدي هي محاولة لإقناع المُشاهد بأنّ ما يشاهده يحدث الآن، بمعنى ما يقدم له هو في صيغة الفعل المُضارع، لكنني أردت ممارسة نوع من البرشتية، لأبقي المتفرج جالساً في كرسيه وهو يعي هذا، لكنك تشاهد فيلماً حدث الحدث فيه بعيداً عن "الآن"، وهذا الأسلوب في القطع ساعدني كثيراً لتحقيق تلك الرغبة . وحول طرح الفيلم لقضية انحسار دور المُثقف وتزايد لدور المعتوهين حيث المشهد ما قبل الأخير جاء أمام منزل عربيّ يفصل بين شارعين، حيث يمضي حسن في الشارع الأيسر باتجاه عمق الصورة، ومن الشارع الأيمن يتقدم المعتوه نحو مقدمتها. أغلب أزقة بغداد القديمة تتشابه، كنا نبحث عن منظور أركلُ فيه حسن من الفيلم، وفجأةً وجدت ذلك الركن وقد كتب عليه "دار للبيع"، ما أثارني فعلاً بأنك لا تستطيع تميّيز أيّ دار كون المنظور مثلث بالكامل، وبسرعة نصبنا الكاميرا وصورنا اللقطة كما شاهدتها في الفيلم وهي ليست تهميشاً لدور المثقف في المجتمع، بل ركله بالكامل، ليبتعد عن الحياة ويتركها للساسة وأشباه الساسة ولمجرمي الماضي ولصوص الحاضر، لقد أضعت وطناً فلا تحدثني عن دور المُثقف. بعد أن يستمع حسن إلى الشاهد رقم 6-فُضّة زوجة الشيخ تتعب الشخصيات، وينهك المخرج حسن، ويصل إلى درجة عالية من الإحباط، والانهيار، يتكوّر في زاوية منزله أو مكان خرب، تماماً مثل أيّ شخصية أخرى، ويكشف مسرحياً عما في داخله: هذه ليست سينما، هذا ليس فيلماً، لقد خدعتك الحربُ مرةً أخرى، هذا ما يخلفه الحلم والذكريات. نعم، هذا ما يُخلفه الحلم والذكريات، شريط "غير صالح" للعرض بالمرّة، إنه ليس فيلماً، وما يقدمه ليس سينما، فشل بأن يكون أيّ شيء، سوى حجزاً لذاكرة مغتصبة من قبل ذكور العالم، وأشباههم. * في المشهد الأخير، المخرج حسن متكورٌ في غرفة يتحدث إلى الكاميرا، ويقول: أكرهكم، أنتم السبب، أنتم السبب لكلّ ما وصلنا إليه حقيقةً أكرهكم، من أنتم.. آه، من، من أنتم، من؟ بكلّ صراحة يا(عدي)، من هؤلاء الذين تكرههم إلى هذا الحدّ، وكانوا السبب لكلّ ما وصلتم إليه؟ وهل فيلم يحبّ شخصياته، يمكن أن يكره؟ سؤالك غريب بصيغة "كلّ ما وصلتم إليه"، من تقصد بـ"أنتم"؟ وهل "أنتم" المُعاكسة بمعزل عن هذا الخراب؟ ألا تكرههم مثلما أفعل؟ كلهم؟ وبدون استثناء؟ هؤلاء صيغة"المُفترس" في ذات الإنسان، أكرهه فيكَ وفيّ وفيه.