'تعريب' صراع أميركي و'أمركة' صراعات عربية

لا يسع "المراقب الأجنبي" إلا أن يشعر بالعطف على الدبلوماسية والدبلوماسيين العرب، لا بالتعاطف معهم، وهو يراقب كيف يناورون عبثا في مواجهة ضغوط أميركية تستهدف "تعريب" معركة واشنطن ضد إيران و "أمركة" صراعاتهم العربية لإنقاذ عروبة العراق والبحرين والجزر الإماراتية الثلاث المحتلة ناهيك عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من عروبة بعض فلسطين وبعض شعبها، أما "المراقب العربي" فيشعر بالسخط على عجزهم عن مقاومة هذه الضغوط نتيجة فرقتهم التي جعلت كل موازين القوى مختلة ضدهم في كل ميادين صراعاتهم.
لقد أرسل الرئيس الأميركي جورج دبليو. بوش في الأسبوع الماضي وزيري دفاعه وخارجيته، روبرت غيتس وكوندوليزا رايس، في جولة نادرة كونها مشتركة بين الوزيرين إلى بعض عواصمهم برسالة "بسيطة" إلى حكوماتهم: "ادعموا العراق كمنطقة عازلة ضد إيران أو واجهوا العيش في ظل طهران المتنامي... لقد اتخذت الولايات المتحدة الآن الدور الذي كان يلعبه العراق تقليديا كموازن إقليمي لإيران"، طبقا لتقرير في الواشنطن بوست كتبه روبين رايت في 29 الشهر الماضي. وقد نقل الوزيران هذه "الرسالة البسيطة" إلى حكومات مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي الست في اجتماع مع وزراء خارجيتها في شرم الشيخ في 31 تموز/يوليو الماضي.
ووصل مبعوثا بوش حاملين "عصيٌا وجزرا"، إذ تزامنت زيارتهما للمنطقة مع عبور حاملة الطائرات الأميركية "إنتربرايز" قناة السويس في طريقها إلى الخليج العربي لتنضم إلى حاملتي طائرات أخريين هناك حيث حشد السفن والطائرات الحربية الأميركية لا مثيل له منذ غزو العراق في سنة 2003. وبقدر ما يمثل هذا الحشد "عصا" "عسكرية" أميركية تهدد إيران فإنه أيضا يمثل تهديدا لدول المنطقة العربية بإمكانية اندلاع حرب رابعة في إقليمهم خلال أقل من ثلاثين عاما يحاولون الآن جاهدين الحيلولة دون وقوعها لأنه لم يعد في وسعهم ولا في مصلحتهم تحمٌل حرب أخرى يدفعون ثمنها دون أن يكون لهم ناقة أو جمل فيها.
كما لوٌحت واشنطن بعصاها "الدبلوماسية" لهم قبيل وصول غيتس ورايس إلى المنطقة عندما اتهم السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة سلمان خليل زاد السعودية يوم الأحد الماضي: "وعددا من البلدان الأخرى بأنها لا تعمل كل ما تستطيع عمله لمساعدتنا في العراق (ونحن) نتوقع ونريد منهم مساعدتنا في هذه القضية الإستراتيجية أكثر مما يفعلون الآن". ونقلت النيويورك تايمز يوم الخميس الماضي عن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل دهشته ورفضه الصريح لتصريحات زاد، بعد أن أعلن أن بلاده سترسل بعثة دبلوماسية إلى بغداد "لاستكشاف كيف يمكننا بدء سفارة في العراق"، بقوله: "لقد أدهشني ما قاله (زاد)، خصوصا لأننا لم نسمع منه أبدا انتقادات كهذه عندما كان هنا"، وكان الفيصل يشير إلى الفترة التي كان فيها زاد سفيرا لبلاده في بغداد حتى أوائل العام الحالي.
وتعكس تصريحات زاد ورد الفيصل عليها خلافا عربيا سعوديا – أميركيا "عميقا"، حسب وصف النيويورك تايمز، حول العراق، حيث المثال الأحدث لمعركة أميركية تريد واشنطن "تعريبها" بمنح وجه عربي لاحتلالها وحربها هناك. فواشنطن التي تجد من القواسم المشتركة بينها وبين إيران، التي تحشد واشنطن الحشود العسكرية ضدها، ما يكفي ليسوغ فتح قنوات اتصال عديدة مباشرة وغير مباشرة بين الطرفين تُوٌجت بجولتي "الحوار" المباشر على مستوى السفراء في 28 أيار/مايو و24 تموز/يوليو الماضيين اللتين اختتمتا على أمل استئناف الحوار "على مستوى أرفع"، إن واشنطن هذه لا تجد بينها وبين حليفها السعودي المخضرم أي قاسم مشترك يُسوٌغ مقاربة أكثر "صداقة" لكي تتفهم إدارة بوش أن للعرب والرياض "معركتهم" الخاصة في العراق التي تستحيل "أمركتها" لأن مصالحهم الحيوية تتناقض مع أمركة كهذه.
وبينما تريد واشنطن أن يخوض العرب معركتها العراقية نيابة عنها أو رديفا لها فإنها ترفض حتى أن تكون رديفا لهم في معركتهم العراقية لا بل إنها تصر على دعمهم لحكومة نوري كمال المالكي ول"العملية السياسية" التي انبثقت عنها بالرغم من بنيتها ووسائلها الطائفية التي حالت حتى الآن دون أي مصالحة وطنية ودون أي انخفاض لمستوى العنف الدموي، بكل ما يعنيه ذلك من مضاعفات إقليمية تهدد بالامتداد عبر الحدود إلى الدول العربية المجاورة، وبالرغم من أن هذه الحكومة هي رأس حربة النفوذ الإيراني في العراق الذي تتخذ واشنطن منه حجة ل"التحاور" مع طهران من ناحية وللضغط على حلفائها وأصدقائها العرب من أجل إقامة جبهة مع إسرائيل ضد إيران من ناحية أخرى، في محاولة سافرة ل"تعريب" الصراع الأميركي مع إيران وتغييب الصراع الحقيقي للعرب مع الاحتلال الإسرائيلي.
ومن أجل "تعريب" الأميركي و "أمركة" العربي في الأولويات الإستراتيجية العربية جاء الوزيران الأميركيان حاملين "جزرتين" أيضا. فسياسيا كانت إدارة بوش تدرك تماما "عمق" التحفظات العربية في الخليج خصوصا على المطالبة بدعم إستراتيجيتها "ضد" إيران و "مع" العراق الرازح تحت الاحتلال. وكان العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز قد أثار تلاسنا إعلاميا لم يطل بين البلدين عندما وصف الوجود الأميركي في العراق في آذار/مارس الماضي بأنه "احتلال أجنبي غير شرعي"، واقتبس رايت من كينيث كاتزمان من خدمات أبحاث الكونغرس قوله إن "الخوف من إيران لن يكون كافيا للحصول على دعم السعوديين للعراق" لأنهم يعتقدون بأن حكومة المالكي في بغداد تتألف من المجموعات الطائفية المدعومة من إيران وتساعدها وبالتالي فإنها جزء من المشكلة لا جزء من الحل.
وليس للتحفظات السعودية بخاصة والعربية بعامة علاقة بالاتهامات الأميركية للرياض بأنها لا تدعم واشنطن دعما كافيا في العراق أو ضد إيران بقدر علاقتها بإعادة انتشار عسكري أميركية احتمالاتها واقعية في العراق يمكن أن تتركه تحت سيطرة المليشيات والأحزاب الطائفية المدعومة من إيران، مما سوف يُعٌد الساحة العراقية حتما إما لتصعيد الصراع الطائفي فيه أو إلى تفكك العراق كوحدة إقليمية إلى كيانات طائفية وعرقية تحارب بعضها على النفط و"الحدود" حروبا تتسع عبر الحدود إلى جيرانها.
لذلك استبقت إدارة بوش زيارة الوزيرين بـ"جزرتين" الأولى لاسترضائهم باقتراح مؤتمر أو تجمع دولي في الخريف المُقبل لتحريك "عملية السلام" العربية الإسرائيلية لكن بعد أن ضمنت الموافقة الفلسطينية على اقتراحها بجزرة من 80 مليون دولار لدعم الأجهزة الأمنية لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية التي أعادت إسرائيل منذ ربيع عام 2002 احتلال مناطقها والتي قاد التدخل الأميركي السافر في ِشأنها الداخلي حاليا إلى الفصل السياسي والقطيعة الجغرافية بين جناحيها الجنوبي في قطاع غزة والشمالي في الضفة الغربية، لأن واشنطن كانت تعرف مسبقا أن الموافقة الفلسطينية على الاقتراح سوف تضمن الموافقة العربية عليه كون السياسات العربية الرسمية ملتزمة منذ بداية "عملية السلام" بمبدأ القبول بما يقبل الفلسطينيون به وبالتالي فإنها لن ترفض ما يقبلون به.
إن المؤتمر الدولي المقترح للسلام العربي الإسرائيلي لا يمثل مسعى أميركيا جادا لإحلال السلام الذي لم تفعل القوة الأميركية الأعظم أي شيء جاد لإحلاله طوال الستين عاما المنصرمة بقدر ما يمثل جهدا يندرج في سياق مساعي واشنطن لبناء جبهة عربية إسرائيلية في مواجهة إيران، إذ أي إضافة سيضيفها مؤتمر كهذا إلى اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق في الأوسط التي تضم أميركا وروسيا وأوروبا والأمم المتحدة والتي فشلت في مهمتها حتى الآن، وهل تنوي واشنطن فعلا تعزيز هذه اللجنة بمواقف الصين والهند وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي من الصراع العربي الإسرائيلي، ناهيك عن تعزيزها بتبن جاد لمبادرة السلام العربية التي تطرحها جامعة الدول العربية ؟ ثم بأي جدية سينظر العرب إلى مؤتمر كهذا يتم التحضير له بمعزل عن دول إقليمية معنية مباشرة بالسلام الإقليمي مثل تركيا وإيران، ناهيك عن الدعوة له في السياق الأميركي لعزل إيران وسوريا من جهة ولتعميق حالتي الانقسام الوطني في فلسطين ولبنان من جهة أخرى.
"والمشكلة، كما هو الحال غالبا في الشرق الأوسط، هي أن الدبلوماسيين غالبا ما يصنعون المؤتمرات كبديل لصنع السلام" كما قال مراسل الشؤون العالمية في الـ"بي.بي.سي." بول رينولدز في تقرير له في الأول من الشهر الجاري، وهذه هي بالضبط سياسة "إدارة الصراع" التي تنتهجها واشنطن حيال الصراع العربي – الإسرائيلي منذ نشأ هذا الصراع وهي السياسة التي أجهضت كل مصداقية لمبادرات السلام الأميركية لدى العرب، وتبدو واشنطن الآن بـ"جزرة" مؤتمر السلام الذي تقترحه مُصٌرة على استمرارها في "أمركة" الصراع العربي – الإسرائيلي وإدارته على طريقتها لا بل تبدو مُصٌرة على فرض هذه "الأمركة" على العرب طوعا أو كرها.
أما "الجزرة" الثانية التي استبقت بها إدارة بوش زيارة غيتس ورايس فتمثلت في حزمة عسكرية قيمتها 70 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة وزعتها ك"معونة" من دافع الضرائب الأميركي بمبلغ 13 مليارا لمصر و30 مليارا لإسرائيل وكـ"مشتريات" لدول مجلس التعاون الخليجي الست تدفع ثمنها هي نفسها من عائداتها النفطية، ليس لتعزيز موقفها في حماية عروبة البحرين أو لتحسين شروط تفاوضها لاسترجاع الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران أو لموازنة النفوذ الإيراني الذي يستظل باحتلالها للعراق بل لتعزيز الجناحين العربي والإسرائيلي للجبهة المرجوٌة التي تضغط على العرب لإنشائها صفا واحدا مع المحتل الإسرائيلي للأراضي العربية ضد إيران. إنها تسعى جاهدة بالـ"جزر" والـ"عصيٌ" معا لـ"تعريب" مواجهتها مع إيران و"أمركة" المواجهة العربية مع إسرائيل.
إن موافقة تل أبيب على مبيعات أميركية لأسلحة متطورة و "ذكية" للعرب، في ضوء المعارضة الإسرائيلية القوية لصفقة مماثلة شملت طائرات "أواكس" للرياض في ذروة الحرب العراقية – الإيرانية عام 1986 -- تلك المعارضة التي نجحت في تعديل بعض بنود تلك الصفقة -- مؤشر يكشف أن الجبهة الحقيقية التي تسعى واشنطن إلى إنشائها هي جبهة أميركية – إسرائيلية إقليمية تكون الأساس والمهيمن على شرق أوسط جديد يعمل الحليفان الاستراتيجيان لإقامته دون ملل أو كلل، لذلك كان متوقعا أن يؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت: "إننا نفهم حاجة الولايات المتحدة إلى دعم الدول العربية المعتدلة وهناك حاجة إلى جبهة متحدة بين الولايات المتحدة وبيننا فيما يتعلق بإيران".
ولفت النظر أن الوزيرين الأميركيين افترقا بعد استقبال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لهما في جدة ليواصل غيتس جولته في عواصم عربية بينما توجهت رايس إلى مقابلة القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية، افتراقا كان ينبغي له أن يكون معكوسا لكي يذهب وزير الدفاع الذي يمثل "العصا" الأميركية إلى إسرائيل وتذهب وزيرة الخارجية التي تمثل "الجزرة" الأميركية إلى العواصم العربية، فإسرائيل المتحدية للقوانين والشرعية الدولية باستمرار احتلالها للأراضي العربية منذ أربعين عاما هي التي بحاجة إلى العصا، سواء كانت أميركية أم غير أميركية، لا العواصم العربية المخلصة في صداقتها للولايات المتحدة والملتزمة التزاما حرفيا بكل قرارات الشرعية والقانون الدولي، باستثناء واحد هو تلك المتعلقة بالصراع العربي – الإسرائيلي حيث تبدي مرونة قصوى تبلغ حد القبول بالتسويات على حساب هذه القرارات. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com