خيارات المقاومة العراقية وخيارات اعدائها!

المقاومة العراقية التي كرست نفسها للوقوف بوجه الغزاة والتصدي لاحتلالهم واعوانهم ومشاريعهم، هي انبل واشرف ما خلص له شعب العراق وهي ضمير العراق الحي وصراطه المستقيم الذي لا يقبل بأقل من تحقيق اهداف التحرير كاملة غير منقوصة، واسترداد الحقوق المشروعة بالاستقلال والسيادة والرفاه والقوة وهي بهذا تساهم باندحار الامبراطورية التي لا تتوقع ان يردعها رادع .
هذا ليس اطراء مفتعلا لحالة حماسية منفعلة بسخونة التطورات والطقس، انما هو اقرار لواقع تؤكده احداثيات الداخل الاميركي وعموم التعثرات التي يعانيها المشروع الاميركي في المنطقة كلها، المتأثر بالحالة العراقية وما تعانيه من تداعيات، فالفشل الذريع هو نصيب الترتيبات الاحتلالية في الداخل العراقي الذي جعل الادارة الاميركية تتخبط وتفقد زمام المبادرة في العراق وفي اغلب بؤر الصراع الدائرة حوله، وشاهد انحسار ما يسمى بالعملية السياسية التي يديرها الاحتلال باصابعه الحذرة الممدودة في جيبه الاخضر وتآكلها وانسداد افاقها هو شاهد اثبات يصعب نقضه.
لقد دخل الاحتلال الاميركي للعراق عامه الخامس والمقاومة في اتساع مضطرد والخناق يضيق يوميا على مساحات المناورة الاميركية واصبح منطوق المعادلة العراقية ينطق بمقاومة سائرة للنصر واحتلال يندحر حتى ان اصوات قوية في الداخل الاميركي اخذت ترفع عقيرتها وكأن لسان حالها يقول "ياريت يا ابو زيد ماغزيت"، لكن التسليم الاميركي بالهزيمة وكما تريدها مقاومة الشعب العراقي ليس بالامر الهين على صانع القرار الاميركي جمهوري كان ام ديمقراطي حيث مصير هيبتها ومصالحها الحيوية لذلك فهي تقاوم ايضا وعلى طريقتها لاحتواء اندفاع التدهور في الحالة العراقية والاكتفاء بالحد الادنى من الاهداف لتتوارى عن الانظار وتنتقل لمرحلة التأثيرعليها من اطرافها وبأقل الخسائر، وهذا ما صرح به ديك تشيني وسماه بالانسحاب المشرف الذي تعمل من اجله ادارة بوش في الوقت الحاضر، وكلما ضاق بها الوقت قبل انتهاء ولايتها نراها تجتهد في تفتيشها عن حلول مركبة ووسطية تحافظ من خلالها على الخطوط الحمر التي لا تريد التنازل عنها وهي:
اولا ـ اخراج العراق تماما من معادلة الصراع الاقليمي بجعله متلقي وبحاجة ماسة لحماية دولية ـ اميركية ـ كحال اي دولة تابعة، وبذر روح المحاصصة والتنازع بين مكوناته وجعلها كيانات شبه مستقلة لا تستطيع مجرد البقاء دون حماية خارجية تكون ضامنة لغياب القوة العراقية الطبيعية بدورها الكبير وبامكانياتها وثرواتها النفطية والبشرية الفاعلة والمؤثرة بالضد من المساعي الاميركية الاسرائيلية للسيطرة والتحكم بالشرق الاوسط ومصيره.
ثانيا ـ في حال فشل او تعرقل تثبيت الهدف اعلاه فهي تسعى لتأخير اي نهوض جديد يمكن ان يتأتى بعد انسحابها الشامل من خلال تحطيم مايمكن تحطيمه من البنى التحتية البشرية والمادية والنفسية والتي يمكن ان تكون مفيدة لاي نهوض عراقي جديد، حيث تبرز سياسة الارض المحروقة والتي يسهل تنفيذها بحكم فاعلية اسلحة التدمير وسهولة خلق الاعذار وخلط الاوراق!
لقد كانت توصيات لجنة بيكر هملتون قاعدة مشتركة بين الديمقراطيين والجمهوريين في محاولة ايجاد انسب الحلول والمعالجات للحالة العراقية بتكتيكات تحقق الاهداف الاميركية وبخسائر لا تذكر حيث سحب تدريجي للقوات الاميركية ينتهي نهاية عام 2008 مع تدويل الوضع العراقي حيث يمكن من خلاله تحقيق الاهداف الاميركية التي لم تستطع تحقيقها بشكل مباشر!
ادارة بوش لا تريد انهاء ولايتها بالانصياع لتوصيات توصم الادارة بالفشل وهي ايضا لا تريد تجاهلها تماما لذلك نجدها تصر على انها ما تزال تعمل لتحقيق نصرها وتجاوز مسببات الاخفاق التي حصرها قادة الجيش بالاعداد غير الكافية للقوات، فعمل بوش على زيادتها باكثر من عشرين الف وبذات الوقت عمل على تنفيذ بعض توصيات بيكر بالتفاوض مع الايرانيين وبالضغط على الحكومة العراقية لمحاربة الميليشيات العدوة والعمل باتجاه تحقيق مستوى مرضي من المصالحة الوطنية اضافة الى محاولات حثيثة لاحتواء المقاومة العراقية وحاضنتها الاجتماعية ـ القبلية!
ادارة بوش تلوح ايضا بمكاسب موعودة ومعقودة ومكتسبة ومنها عقود النفط التي سيشرعنها قانون النفط العراقي الجديد وايضا اهمية العراق كقاعدة لمواجهة الطموحات الايرانية المتمددة!
هذا كله لن يرضي الشارع الاميركي الذي يدفع ثمن الحرب من دمه وماله والذي لم يقتنع بمواصلتها لكلفتها ولان اسبابها لاتعنيه كثيرا، فلا القاعدة ضعفت او اجتثت ولا خطر الارهاب قد زال العكس من هذا تماما، حتى سلاح الدمار الشامل الذي كان فزاعة الحرب ثبت وباليقين انه ذريعة كاذبة، وهنا يلعب الحزب الديمقراطي لعبته بصب النار على الزيت بضغوطه الاعلامية والسياسية والاجرائية ولاغراض انتخابية واضحة، واخر الامثلة على هذا الدور الديمقراطي ما صرح به رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الاميركي أيك سكلتون محذرا ادارة بوش من ان بقاء القوات الاميركية في العراق وحربها هناك هو الهاء للقوات الاميركية عن حربها الحقيقية، واضاف ان قواته عالقة في العراق والقاعدة تنمو وتستعيد قوتها في افغانستان وهذه مخاطرة ستراتيجية يجب الانتهاء منها!
ان بوش وادارته تسعى لانسحاب مريح يستبقي قواعد ثابتة في العراق لتثبيت حكم اعوانها فيه ولضمان مصالحها النفطية والاستراتيجية، حتى لو استدعى خيارها هذا التفاوض مع المقاومة واشراكها في السلطة مقابل موافقتها على شروط استبقاء قواعد متفق عليها في الشمال اوالوسط، وهذا ما ذهب اليه السفير الاميركي كروكر اثناء شرحه للموقف امام 90 عضوا من اعضاء مجلس الشيوخ عبر دائرة تلفزيونية مغلقة حيث قال وبالنص : ان اي انسحاب وبدون شروط قد يخلق مناخا مريحا للقاعدة وان القوات العراقية لم تبلغ بعد درجة تؤهلها للاعتماد على نفسها او يمكننا الاعتماد عليها! خيارات المقاومة العراقية ليس هناك اشد وطئة من سلاح الفرقة عندما يستخدم بين المقاومين انفسهم بعد تحقيق هدفهم المنشود فكيف سيكون الامر اذا حصلت الفرقة قبل تحقيقه؟
انهم ومن حيث لا يشعرون ينقذون المحتل المغتصب ويوفرون له فرصا سانحة لتحقيق ماعجز عن تحقيقه عسكريا، هذا درس تعلمناه من مختلف تجارب مقاومات شعوب العالم، فالخصم وغالبا ما يكون هنا المحتل الغاصب يلعب على هذا الوتر خاصة عندما تضيق به السبل فهو لا يتوانى عن استخدام التفاوض كشكل من اشكال الاستدراج!
يفاوض هذا الطرف وليس ذاك او يشيع ـ مناقصة ـ للتفاوض ويمتحن من خلالها شروط وتناقضات طروحات المتقدمين واحيانا يلعب عليها بأشاعة اجواء من عدم الثقة فيما بينها، واحيانا يذهب بعيدا مع طرف منها ويتفق معه على خطوات عملية منها مثلا وقف العمليات ضده ولاجل مسمى من قبل هذا الفصيل او ذاك ليعيد هو حساباته ويطابقها بين حساب البيدر والحقل وفي كل الاحوال فان هكذا منحى يصب لمصلحة الخصم الذي لم يعلن نيته بعد للاستجابة ولو الاولية للمطلب المشترك لكل فصائل المقاومة الوطنية المعنية اي الانسحاب الكلي ودون شروط!
المحتل يكيد ويتصيد التناقضات، وكلما افشلت المقاومة كيده وحرمته من فرص المراوغة ولملمة اوراقه كلما نجحت هي في تضييق الخناق عليه، وهذا الامر يتطلب الارتفاع بمستوى العمل المقاوم عسكريا وسياسيا الى درجة نوعية وكيفية بحيث تتجسد الوحدة الميدانية بضربات نوعية موجعة تؤجج صيحات الداخل الاميركي وفي توقيتات متسلسلة وعلى مواقع مختلفة اضافة الى قطع الامدادات عن القواعد العسكرية المتباعدة.
ان السعي لتشكيل نواة جيش التحرير العراقي السري الذي سيكون نواة لوحدة عناصر فصائل المقاومة المسلحة، ومنتسبي الجيش العراقي السابق هو عمل وطني مقاوم ملح باعتباره عمود فقريا للجناح العسكري لحكومة ما بعد التحرير، وبالتزامن مع السعي لتشكيل الجناح السياسي للمقاومة لوطنية والاتفاق على مشروعها الوطني الذي تتصدره اولوية تحرير العراق من المحتلين وتصفية تداعيات احتلالهم واقامة جبهة وطنية عريضة لكل القوى السياسية والاجتماعية المقاومة والمساندة لها في الداخل والخارج لتكون بمثابة جمعية وطنية عمومية تتحلق حول مركزها الجناح السياسي لفصائل المقاومة الميدانية كل هذه التدابير شروط مطلوبة لتكليل جهود العمل العسكري وقطف ثماره التي ستكون حتما سياسية تتطلب من يتعامل معها بحرفية بواسطة جهاز سياسي واعلامي معد سلفا يكون واجهة المقاومة بكل فصائلها ومنظماتها ومخول للحديث باسمها!
ان الذي نشرته صحيفة الغارديان نقلا عن ممثلي كتائب ثورة العشرين وانصار السنة وحماس العراق من تشكيل مكتب سياسي يمثل سبعة فصائل مقاتلة ومنفتحة على اي فصيل وطني يقاوم المحتلين واعلانها عن السعي لتشكيل جبهة وطنية عريضة ببرنامج وطني محوره طرد المحتلين واقامة نظام حكم وطني يستند لارادة الشعب الحقيقية هو امر يبشر بالف خير ويعكس الشعور العالي من المسؤولية لدى هذه الفصائل، وما يفرح اكثر انهم لا يربطون بين هذه الخطوات المطلوبة اصلا وبين مايشاع عن مفاوضات مرتقبة بين الاميركان والفصائل المقاومة، ان اللهاث وراء المفاوضات يجب ان يكون خيار اميركي لانقاذ قواتها من ضربات المقاومة ولا مجال للمساومة على الانسحاب غير المشروط انه خط احمر لايختلف عليه اي عراقي مقاوم اصيل وما دور المفاوضات هنا الا تحصيل حاصل لوضع ترتيبات الانسحاب ومواعيده ومتابعته وتحت اشراف وطني ودولي!
لقد كان لتصريحات الدكتور عبد اللطيف هميم الامين العام لجماعة علماء العراق اثر من نوع اخر حيث ورد في حديثه المتداول والمنشور مايلي: المشكلة لم تعد الان في هزيمة الاميركان وانما هل المقاومة قادرة على الانتصار على نفسها؟!
فهذا الرجل الخير قريب من اجواء المداولات واذا كان الامر بهذا السوء فمعنى ان الطريق ما تزال طويلة امام الانتصار الحقيقي لشعبنا، فالنصر ليس بهزيمة المحتلين وهزيمتنا مع بعضنا بسبب صراعات السلطة والنفوذ انما النصرالحقيقي في هزيمة المحتلين واقامة البديل الوطني القادر على صيانة البلاد والعباد من شرور الاقتتال الداخلي لتتجه الجهود نحو البناء والانماء ومعالجة التركة الثقيلة من الماسي والخراب والدمار ليسترجع شعب العراق عافيته بنظام وطني ديمقراطي قوي مستقر يسترجع للعراق مكانته وحقوقه.
لا عهد للاميركان ولا عهد لكل مفرق للجماعة الوطنية المقاومة، وحساب الذي ينحاز لمصالحه الضيقة على حساب الوطن وفي هذا الوقت بالذات كحساب اذناب المحتلين الذين يتربصون بالمقاومة وعناصرها خدمة لاسيادهم ولمصالحهم غير المشروعة، واليوم تتضاعف موجبات تصعيد كل اشكال المقاومة كما تتضاعف واكثر من اي وقت مضى موجبات الوحدة ورص الصفوف ونكران الذات من اجل مصلحة العراق وشعبه! جمال محمد تقي