أخبث عمل قامت به الأنظمة الاستبدادية في بلداننا

أتذكر حادثة طريفة حدثت لي قبل عقد من الزمان إذ جمعتني الصدفة باثنين من السعوديين في بلد عربي حباه الله بجمال الطبيعة وحبا شعبه بقسط وافر من الحرية التي تفوق ما هو متاح لنا من حرية في دولنا الخليجية مجتمعة، وذلك للاستجمام والراحة. رحلتهم هذه تأتي بعد أن استلما كامل حقوقهما المالية من شركة ارامكو النفطية التي صرفا فيها عصارة شبابهما وبعد أن شاخا وحصلا على حصتهما التقاعدية حينها قررا السفر. أثناء جولتنا السياحية ومشاهدتنا لبعض المناظر الجميلة وانسيابية حركة الناس وتصرفاتهم بشكل عفوي وحر، وبناء على تلك المشاهد دار حديث سريع بيننا عن قيمة الحرية وأهمية الجمال في حياة الإنسان، بما يتناسب مع الأجواء، وكنت أقول لهما: من حسن حظ هذا الشعب انه يتمتع بقدر كبير من الحرية والجمال مع أن وضعه الاقتصادي مترد وضعيف بالمقارنة مع الحالة الاقتصادية عندنا. ولكن هذا الشعب يعيش في راحة بسبب الحرية وحاله عكس حالنا أي أننا كشعب نتمتع بالرفاه الاقتصادي ولكن لسوء الحظ فان حصتنا من الحرية اقل من حصة الحيوان المقيد في حظيرته.
بادر أحدهم، وكرد فعل على مقارنتي "السخيفة"، بالقول "فطسني وأكلني". ومع أن هذه العبارة واضحة ولا تحتاج إلى توضيح، ولكن زميله تكرم علينا بشرحها دعما لحكمة رفيق دربه قائلا: المهم أن نعيش في رفاه؛ نأكل أحسن الطعام ونلبس أفضل الثياب وننكح أجمل النساء، والله يغربل الحرية إلى ما بتأكلنا عيش". قلت لهما: صدقتما، وليس مهما أيضا أن تكون معيشتنا أشبه بمعيشة الكلاب أو الحمير! المهم أن نعيش أوليس كذلك؟ أجابا بصوت واحد: نعم هو كذلك!
في ظني أن اخطر عمل قامت به الأنظمة الاستبدادية في بلداننا، التي تقلص تأثيرها في عالمنا المعاصر بالمقارنة مع الحقبة الماضية، أنها عملت بكل فاعلية على تغييب وعي المجتمع بحقوقه. وقد نجحت إلى حد كبير في هذه المهمة. دليل ذلك وجود شريحة واسعة من أبناء مجتمعنا تفاضل بين الحرية والخبز وترجح الخبز على الحرية. في الحقيقة هذا مؤشر على أن النظام الاستبدادي قد نجح بالفعل في انجاز مهمته القذرة تلك وبامتياز، وان شعبا بهذا المستوى من التفكير لا يستحق الحرية، ليس لان الحرية حق مكتسب يجوز للنظام أن يسلبه إياها متى ما شاء أو يمنحه إياها متى ما أراد. لا، فالأمر ليس كذلك! وإنما المشكلة راجعة لإدراك المجتمع وعدم إدراكه ومن ثم بكيفية مطالبته بها أي أن حصول المجتمع على كامل حريته الموهوبة من الله مرهونة إلى حد كبير بهذا المعطى، فالمجتمع الذي لم يدرك بعد قيمة الحرية من جهة، وغير مستعد لان يدفع ثمنها من جهة ثانية، فهو لا يستحقها وان كانت حق أساسي وأصيل وهذا يعني أن هنالك ثمة مسافة كبيرة بينه وبين الحرية، فاستحقاقه لها مرهون بتجسير تلك المسافة، وباستعداده لدفع الثمن المقابل لها.
غياب الوعي المجتمعي بحق الحرية، وعدم وجود إرادة المطالبة بهذا الحق الأساس والأصيل، وعدم الاستعداد لدفع الثمن المقابل لتلك الحرية، تلك هي أسباب جوهرية تجعل من المجتمع بلا حرية. فعلى سبيل المثال: إذا لم يعلم الإنسان بأنه يمتلك مائة مليون دولار قد سلبت منه فان جهله هذا سيجعل من حقه هباء منثورا أو أشبه بالسراب. وإذا صار عنده علم بان حقه ضعف المبلغ المذكور ولكنه لا يمتلك أي نوع من الإرادة والفعل للمطالبة به، فهل سيتمتع بحقه أو ببعض منه، وهل سيمنحه أحدا إياه؟
الجواب: كلا وألف كلا. فعدم علمك بحقك مصيبة كبرى وعلمك بحقك دون مقدرتك على امتلاكه أو الاستمتاع به مصيبة ثانية وان كانت المصيبة الأولى أعظم بالمقارنة مع المصيبة الثانية، لان جهلك ببعض حقوقك فيه خدش لأدميتك وكرامتك بينما علمك بحقوقك دون التمتع بأدناها ظلما وجورا لا يقلل من شأنك، بل يرفع من قدرك وآدميتك شريطة أن تكون لديك إرادة المطالبة بكامل حقوقك غير منقوصة حتى النهاية دون كلل وملل وتعب.
لعل الإصرار على المطالبة بكامل الحقوق غير منقوصة بعد الوعي بها هو اقصر وأفضل الطرق لنيلها، بحسب رأي الإمام علي (ع) القائل "لنا حق فإن أُعطيناه.. وإلا ركبنا أعجاز الإبل، وإن طال السرى". وفي نهاية المطاف إذا لم تحصل على كامل حقوقك فستحصل على بعضها، وإن لم تحصل على أي جزء منها ووافاك الأجل المحتوم فموتك بشرف وعز وأنت تطالب بحقك أفضل من حياة بلا حقوق وبلا مطالبة لأنها حياة الذل والعار، ووفقا لقاعدة الأمام علي (ع) الهامة حيال الحقوق المسلوبة، فان الحق الذي وراءه مطالب لا يضيع بينما الحق المبهم أو المهمل هو حق ضائع لا محال له. محمد الشيوخ
باحث سعودي M_shayook@hotmail.com