وكان الدكتور علي جمعة قد أفتى بـ ..

أفتى مفتي مصر علي جمعة في مسألة "تولِّي المرأة رئاسة الدولة"، فأكَّد في فتواه، التي وُصِفَت بأنَّها "فتوى رسمية"، ونشرتها صحيفة "الأهرام" الحكومية، أنَّ هذا الأمر غير جائز شرعا؛ "لأنَّ من سلطات رئيس الدولة إمامة المسلمين في الصلاة شرعا، وهي (أي تلك الإمامة) لا تكون إلا للرجال".
المفتي، حتى يُسْمَع، أبدى شيئا من "المرونة الحضارية"، فقال في فتواه "الرسمية": "إذا كانت الحقوق السياسية، بمفهومها الشائع، تشمل حق الانتخاب والترشيح وتولِّي الوظائف العامة، فإنَّ مبادئ الشريعة لا تمانع في أن تتمتع المرأة بحق الانتخاب والترشيح، وفي أن تتولَّى الوظائف العامة ما عدا وظيفة رئيس الدولة".
وعليه أجاز المفتي، إذ أجازت له مبادئ الشريعة، التي لا مصلحة له في تأويلها (حتى الآن) إلا كما أوَّلها في فتواه، للمرأة أن تصبح قاضية.
ولمَّا كان "الرجال" في مجلسي "البرلمان"، أي مجلس الشورى ومجلس الشعب، لا يملكون من سلطة القرار (السياسي) إلا ما يقل عمَّا تملكه المرأة من "سلطة" في "بيت زوجها، أو في "بيت أبيها"، أجاز المفتي للمرأة الترشيح في الانتخابات لعضوية هذا المجلس أو ذاك، "على أن" تُوَفِّق بين عملها العام هذا وبين حق زوجها وأولادها.. عليها؛ وعلى أن تبتعد عن السفور، والتبرُّج، و"الخلوة غير الشرعية (مع الرجال)".
ما أعلمه علم اليقين أنَّ ما يتحدى المفتي على أن يفتي فيه، وتحتاج "الرعية" إلى سماع رأيه (أو رأي الشرع عَبْر رأيه) فيه، هو مسألتي "الرئيس الأبدي" ولو تأبَّد حكمه بفضل "نظام ولاية تِلْوَ الولاية"، و"حق الابن في أن تكون رئاسة الدولة، أو الوظيفة العامة العليا، جزءا ممَّا يَرِث عن أبيه".
المفتي كان "علمانيا" في الأمر السياسي الذي لرئيس الدولة مصلحة في "عَلْمَنَتِه"، فالمواطنون (المصريون) المسلمون لا يحق لهم، ولا يجوز، أن يدخلوا المعترَك الانتخابي، ترشيحا، إذا ما كانوا ينتمون إلى حزب سياسي "يقوم على أساس ديني (إسلامي)"، فـ "الدولة لا دين لها"، وإنْ اتَّخَذت، في دستورها، الإسلام مَصْدرا للتشريع!
لماذا لم يتجرأ المفتي على التكلُّم بالكلام غير المباح؟! لماذا لم يُجِبْنا، في فتوى رسمية أو غير رسمية، عن السؤال الآتي: "هل يحق لحزب سياسي (أو للرجال من هذا الحزب) يقوم على أساس ديني (إسلامي) الترشيح في الانتخابات البرلمانية والرئاسية؟"؟!
إذا كان جوابه الذي نَفْتَرِض هو "كلا، لا يحق له؛ لأنَّه يقوم على أساس ديني"، فلماذا جَعَلَ "الإمامة" شرطا لـ "الرئاسة"؟!
ولماذا لم يَدْعُ رئيس الدولة، الذي ما مِنْ سلطة إلا ويمارسها، إلى ممارسة "سلطة الإمامة"، فلا نحن، ولا المفتي ذاته، رأيْنا رئيس الدولة يَؤُمَّ المسلمين في الصلاة، ولو كانت صلاة الجمعة أو العيد؟!
المفتي، بجعله "الإمامة" شرطا لـ "الرئاسة"، لم يَحْظر على المرأة فحسب أن تصبح رئيسا للدولة، بل حَظَر ذلك على "المصري غير المسلم"، وكأنَّ البند الأوَّل في جدول "الإصلاح السياسي والديمقراطي" الذي نتغنى به هو "لا يجوز لغير المسلم، أي لغير الرجل المسلم، أن يصبح رئيسا للدولة"!
المفتي كلُّه غيرة وحرص على شرف المرأة الذي قد يصبح أثرا بعد عين في "الخلوة غير الشرعية" مع الرجل، ومع ثالثهما إبليس؛ ولكنَّه لم يُظْهِر الغيرة والحرص على "الشرف السياسي" الذي يبيعه، بثلاثين من الفضة أو أقل، الرجال الرجال من ممثِّلي الشعب والأمة في المجالس المنتخَبَة!
والمفتي، قبل أن يحلِّل ويُحرِّم في مسألة "رئاسة الدولة"، كان ينبغي له، شرعا، أن يوضح لنا ويؤكِّد أنَّ "الجمهورية"، برئاستها وبرلمانها بمجلسيه، هي من "الحلال السياسي" في الإسلام، وأنَّ رئيس الدولة هو في منزلة "الخليفة السياسي" للنبي، الذي كان يَؤُمَّ المسلمين في الصلاة، ويتدبَّر أمور دنياهم بين صلاة وصلاة.
لقد حان لمجتمعاتنا أن تنأى بحياتها السياسية والعامة عن المُفْتين وفتاوهم الرسمية وغير الرسمية، فالإفتاء في تاريخه السياسي لم يكن إلا مصالح سياسية شخصية وفئوية ضيقة تُلْبَس لبوس الدين.. لبوس الحلال والحرام! جواد البشيتي