أنزور يرد على الرسوم الزور .. وليبيا تُنْقِذْ 'سقف العالم'

اللاذقية (سوريا)
ليبيا تحمست للعمل بعيدا عن أي اعتبار تجاري

منذ سنوات أراد تقديم أعمال ذات نوعية مختلفة وذات رسالة، فقدم "البحث عن صلاح الدين" وبعدها قدم "الحور العين" و"المحروس" و"المارقون"، وكلها أعمال ذات مغزى واضح وتعالج قضايا داخلية وخارجية.
في أغلب أعماله، صار المتميّز الذي يحلق طائراً في سماء الوطن العربي بجواهره وجوارحه وكواسره، ليرسي دعائم الدراما العربية، ويرنو بها بعيداً في العلياء وسط الفضاء والفراغ الذي تعانيه.
ظل يعمل ليرسم معالم الدراما الحديثة بأسلوب جديد، يتناول فيها أعمال جادة ليخرج بها من تقوقعها بين جدران الاستوديو إلى ما يعرف بـ "دراما التصوير الخارجي"، وهو إلى جانب ذلك لا يصنع دراما حقيقية فحسب بل يهدف إلى أكثر من منحى، ويخدم جوانب عديدة.
قدم لنا ـ من خلال أعماله ـ الطبيعة الخلابة التي رزق الله بها بلاد العرب والتي لم تنتبه اليها إلا من وراء رؤياه، وحوّل الدراما العربية من دور التغني بأمجاد العرب فقط إلى التفاعل مع الحاضر ورسم صورة لمستقبل قضايا الأمة.
وجدته الجماهير قريباً منها وصارت تتعاطى معه لما تميّز به من ثورة وتمرد على الواقع الدرامي من خلال كسره للقوالب الفنية الكلاسيكية التقليدية الركيكة، ولما لمسته فيه من الشجاعة في الطرح والإصابة في الرؤى.
وبعد أن صار مميّزاً لتبنيه مشكلات البلاد العربية، وتناوله ـ في دراما مميّزة أيضاً ـ قضايا شعوبها المتعددة من قهر وظلم واستبداد و"تطرف"، يخوض هذا العام حالة من التحدي بلغة الفن في عمل جديد كُتِبَ عنه الكثير والكثير من كثيرون، ولكن في لقاء معه خص به ميدل ايست أونلاين فضلنا أن يحدثنا عن مراحل إنتاج العمل والمُلابسات التي أحاطت به لنضع أمام الجميع الحقائق على لسان مخرج العمل المبدع نجدة إسماعيل أنزور.
كان اللقاء معه مطولاً، لأن الوقت ليس ملكه، فتارةً يجيب على تساؤلاتي وتارة أخرى يطلب من الجميع الصمت ويبدأ بالعدد خمسة إيذاناً ببدء تصوير المشهد الموالي، ويصمت الجميع، ولعمري حتى شقشقة الطيور على قمم الأشجار.
نقدمه بأنه متحدي للواقع، لا يعرف شيئاً اسمه المستحيل، حازم وجدي في عمله، يتمتع بشخصية لا تميل إلى الهزل المفرط ولا إلى الشدة المتطرفة ولكنها عنوان بين ذلك، له كاريزما تفرض نفسها على الجميع بمختلف شخصياتهم، قوي الإرادة، روحه لا تخشى أحداً في طرح ما يؤمن به من أفكار وما يراه من رؤى إلا من خلق فيه تلك الروح.
مع الأستاذ نجدة، عليك أن تجهز نفسك للمغامرة التي يعشقها، فكل لقطة يصورها ينفذها بأقصى صور الإبداع التي يخترقها بكل ألوان المغامرة، لا يروق الأمر له ولا يؤمن بالإبداع إلا إذا تم التحضير له وتنفيذه بشكل متمرد على الواقع المرير، و إلا إذا صار الممثلون والفنيون وكل الطاقم المصاحب داخلين بجو المفاجآت الإبداعية الأنزورية، كما لا نذيع سراً ـ بعد إذن الأستاذ ـ إذا نصحناكم بمسك أعصابكم وأيضاً شرايينكم وهو يقود بكم السيارة من أعلى سفح الجبل أو بالعكس مع الاعتراف أيضاً بمتعة المغامرة معه.
المكان: مشقيتا، أحدى ضواحي اللاذقية، ذات الجبال الشاهقة الخلابة في الجمال والغارقة في خضرة أشجارها المثمرة والأخرى الصنوبرية، مناظر طبيعية خَلقها وبَرّئها وحاميها رب الكون، هناك بالقرب من "الكواسر" المنطقة التي سميّت على اسم المسلسل الرمضاني الذي أخرجه، وهناك ليس ببعيد من بيت "شقيف" المعلق في الهواء كان اللقاء.
المناسبة: تصوير أحداث مسلسل جديد، أيضاً لموسم رمضان، كما عود جمهوره ومحبيه والعالم.
الموضوع: مسلسل "سقف العالم"، الذي كتب له السيناريو والحوار الكاتب والصحافي القدير حسن م. يوسف. • بدايةً هل لك أن تعرفنا بـ "سقف العالم"؟ "سقف العالم" مسلسل تلفزيوني من ثلاثين حلقة، تدور أحداثه حول موضوع تطاول صحيفة دنماركية بنشر رسومات مسيئة للرسول الكريم، وهو اسم بدلالتين، الأولى أن منطقة اسكندنافيا كانت تسمى سابقاً بسقف العالم، والثانية أن الحضارة الإسلامية كانت منذ ألف عام قد وصلت هناك لسقف العالم من خلال "رسالة بن فضلان" التي أعدها شاب بغدادي سجل فيها تجاربه ومشاهداته أثناء رحلة قام بها في عام 921 م إلى تلك المنطقة (الدنمارك حالياً). • وإلى أي شيء يهدف "سقف العالم"؟ المسلسل رسالة لعالمين، العالم العربي والإسلامي والعالم من غيره، ليعرف كل منهم ماضيه وحاضره، هو رد حضاري وحقيقي بلغة الفن على تطاول الغرب على مقدساتنا، ليتذكروا من هم وكيف كانوا، نريد أن نقول لهم أن العرب والمسلمين كانوا بسقف العالم، نريد أن نقول لهم عليهم أن يحترموا الأديان الأخرى وعقيدتنا ولا يسيئوا لنا ويحترموننا لأننا لم نسئ لهم ونحترمهم، نريد أن نقول لهم أن "حرية الرأي" ـ كما يدعون ـ لا تعتدي على هوية الآخرين. • عذراً، كيف يكون لعالم الغير وهو بالعربية؟ العمل بالعربية ولكن سيكون مترجم للإنجليزية (subtitled). • للتوضيح ـ أستاذ نجدة ـ ماذا تعني برد حضاري وحقيقي؟ يجب أن نعي قضية هامة، لو لم نكن في هذا الوضع الممزق وهذا الفساد والانهيار لما تطاول الغرب علينا، والمخفي أعظم، والقادم ألعن، فأنا لا أستغرب إذا هُدِمَ المسجد الأقصى ـ لا قدر الله ـ لا يكون هناك رد! ففي ظل هذا التخبط والخلط يجب أن نعيد رسم الصورة ونقدم أنفسنا للعالم من جديد، لا أن ننتظر عرض صورتنا من الغير الذي يرسم المؤامرات بعناية فائقة ضدنا، علينا أن نقدم هويتنا بأسلوب حضاري في عمل فني يعتمد على الحقائق، حتى نقطع الطريق أمام عرض العدو الذي رأينا نتائجه من أحداث عصفت بعالمنا الإسلامي في ردود متخبطة عشوائية وغير مدروسة تسيء لنا أحياناً أكثر مما تخدمنا.
الرد الحضاري معناه بعيداً عن الارتجال، هذا الرد يحمل فكرة ومبادرة للحوار بيننا وبين الآخرين، هذا الحوار مبني على أسس تاريخية تكشف عن تاريخ الإسلام وكيف وصل في يوم من الأيام إلى سقف العالم.
الرد الحضاري الذي نعنيه هو ـ أيضاً ـ وضع النقاط على الحروف حتى نبين لماذا عملوا قصة الرسوم، ونكشف بلغة الأرقام والحقائق العلمية الدامغة من كان وراء ذلك. • على ذلك، هل نقول على أن هذا العمل تاريخي أم هو سياسي؟ هو عمل سياسي بدون شك، وهو عمل فكري رصين، ودعوى هادفة، لكن الحقائق التاريخية تظل شاهداً أيضاً لدعم موقفنا الثابت ودحر ادعاءات الباطل. • طالعنا في كثير من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية أخبار وتفاصيل كثيرة ومتضاربة حول إنتاج المسلسل وميزانيته، وفي هذا اللقاء نود أن توضح ذلك للجميع وبصدر رحب؟ سأحكي بالحقائق والأرقام، وأحط النقاط على الحروف. • نبدأ بميزانية المسلسل، التي قيل عنها "مبلغ ضخم"، وقيل 2,5 مليون دولار، وقيل 8 مليون دولار، وقيل 10 مليون دولار، وقيل أن ليبيا دفعت التكلفة بالكامل، أين الحقيقة؟ لا توجد حقيقة في كل ذلك، الحقيقة أن تكلفة الإنتاج في حدود مليوني دولار، والدعم كان بنسبة 50% بين كل من القناتين. • إذن من هو المنتج الحقيقي للمسلسل؟ العمل من إنتاج شركة "المها" للإنتاج الفني، وسوف يعرض حصرياً على قناة الجماهيرية الليبية الفضائية والقناة الفضائية اللبنانية للإرسال LBC. • باعتبار أن تعاونكم في السابق كان دائماً مع LBC، كيف أتت قصة مشاركتها مع القناة الليبية؟ شكراً على هذا السؤال الذي انتظرت كثيراً حتى أوضحه، بسبب ما كثر فيه من لغط وأحاديث من هنا وهناك وتفاسير لا أول لها ولا آخر، والحقيقة أننا كنا في وقت سابق قد اتفقنا مع LBC على عرض المسلسل حصرياً، وبعد أن بدأنا بالتصوير تفاجئنا بأن شركات الإعلان والدعاية التي ستقوم بدعم القناة من خلال الدعايات تشترط علينا أن يكون بطل المسلسل من مصر وطلبت منا القناة ذلك، ولأن كل الأدوار الرئيسية والشخصيات آنذاك قد تم تحديدها والاتفاق بشأنها، ومشاهد المسلسل كانت قد وصل التنفيذ فيها إلى ما يعادل النصف تقريباً، فلم نتمكن من تلبية الشرط ورفضناه، رغم أنه بالمبدأ يوجد بالمسلسل فنانون من مختلف الدول العربية وما عندنا اعتراض على أي ممثل من حيث الجنسية، ثم عرضوا علينا أن يقوم بدور "بن فضلان" الفنان المطرب اللبناني عاصي الحلاني، ومع احترامي لهذا الفنان في مجاله إلا أن اختيارهم يبين المسخرة بعينها، يريدون أن يفرضوا سياسات مرسومة لتتفيه العمل والدراما السورية على وجه الخصوص.
لقد رفضت ذلك بشدة لأني ببساطة لا أقبل فرض السياسات، ولا أقبل أن يكون العمل الفني رهين أمزجة شركات الدعاية والإعلان، وقلت لهم إذا قبلنا بذلك فإنكم ستطلبون مني العام المقبل أن أعطي هيفاء وهبي مثلاً دور "رابعة العدوية". • من هي هذه الشركات، ولماذا تشترط ممثلا مصريا بالتحديد؟ شركات إعلانية معروفة مسيطرة على توزيع الإعلانات في العالم العربي، والمعروف أن الإنتاج الدرامي بحاجة مطلقة للتوزيع حتى يعيد رأسماله على الأقل، وهذه الشركات تشترط مثلاً على الأعمال السورية أن يتم خلطها بعناصر مصرية وعلى الدراما المصرية خلطها بعناصر سورية حتى تفقد كل من الدراما السورية والمصرية هويتها وخصوصيتها وتصير دراما هجينة، وكل ما يحدث في الواقع هو جزء من الحصار السياسي على الدراما في كل من مصر وسوريا. ‏ • طيب، كيف كان موقفكم، وإلى أين وصلت الأمور؟ اعتذرت قناة LBC عن دعم المسلسل بالكامل، وتوقف التصوير، وأصبحنا في مشكلة، لكن والحمد لله هناك في عالمنا العربي من هو على استعداد للدفاع عن الرسول الكريم، وبدون شرط ولا قيد ولا فرض سياسات، لقد أبدت ليبيا استعدادها الكامل لدعم العمل، وأقول بكل الصراحة والأمانة أن ليبيا بالفعل أنقذت "سقف العالم". • كيف كان ذلك؟ حدث ذلك بمحض الصدفة أثناء لقاء جمعني بالأستاذ نوري الحميدي وزير الثقافة والإعلام الليبي لمناقشة أعمال وتعاون آخر، حيث سألني عن العمل الرمضاني المقبل، فحكيت له القصة، فعرض علي دعم المسلسل ضمن احتفالية طرابلس عاصمة الثقافة الإسلامية، والحقيقة لولا العرض الليبي فإن المسلسل كاد أن لا يرى النور في رمضان. • هل نقول أن ليبيا تعاطفت مع مشكلتك، وأنقذتك؟ ليبيا رأت أن المسلسل ذو قيمة، وليبيا لم تدعمه لمجرد العرض أو تريد من وراءه نشر الإعلانات والدعايات، وليبيا لا تسيطر عليها شركات الدعاية والإعلان، ليبيا نظرت للأمر بصفة التبني للفكرة والموضوع، الحقيقة أن في ليبيا التعامل سهل وبسيط وبدون تعقيدات، وفي ليبيا يحترمون ويقدرون الأعمال الهادفة، وليبيا دولة إسلامية تحمست لعمل يدافع عن الرسول الكريم، ويفضح المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام، وبالمناسبة ليست هذه المرة الأولى التي تعاملت فيها مع ليبيا، فقد قدمت القناة الليبية العام الماضي مسلسل "المارقون" أيضاً لقناعتها بالفكرة والموضوع وليس تعاطفاً معي أو لإنقاذ العمل. • يقال أن ليبيا أيضاً اشترطت عليك أن يكون بالمسلسل ممثلون ليبيون، ويقال بالتحديد اشترطوا ثلاثة ممثلين، فكيف تقول بدون قيد أو شرط؟ لا .. ليبيا لم تشترط، ولكن أنا طلبت منهم ذلك لأسباب خاصة تتعلق بتحضيري لتجربة أخرى قادمة مع ليبيا، وكان بهدف التعرف عن قرب على قدرات الممثلين الليبيين. • كيف تم الاختيار؟ ببساطة تحدثنا مع رابطة الفنانين الليبيين وهم رشحوا لنا الممثل عيسى أبوالقاسم. • لكن معروف عنك اختيارك للممثلين بعناية فائقة، فكيف قبلت اختيارهم دون تعليق، ألا يعتبر ذلك في حكم الشروط؟ هم رشحوا، وأنا قبلت بعد ما التقيت بالسيد أبوالقاسم، وعرفت أن الموهبة موجودة، والتجربة والخبرة لا تنقصه خاصة بالمعايير التلفزيونية، ,كان فقط بحاجة للتشجيع والدعم حتى يظهر قدراته، ولو كان عندي مشكلة كنت من أول يوم طلبت تغييره دون مجاملة لأحد، وغدا بعرض المسلسل سيتأكد صدق ما أقول. • هل لنا أن نعرف ما هي التجربة القادمة التي تحضر لها مع ليبيا؟ بالتأكيد .. هو مشروع عمل سينمائي ضخم، عمل عالمي لا يخص ليبيا وحدها، قصته وفكرته تنطلق من ليبيا، هو رسالة إنسانية لكل العالم، عمل بإذن الله سنشارك به في سباق المهرجانات السينمائية العالمية. • نختم بسؤالنا عن مستوى النجاح المتوقع لـ "سقف العالم"، ماذا تقول عنه لجمهورك العربي؟ أعده بتقديم مسلسل سيقلب الموازين في وطننا العربي حتى يعرفوا تاريخهم الذي لم يعرفوه من قبل، أعده بتقديم حقائق مذهلة تنشر لأول مرة عن الموضوع، أعده بالإجابة على كل التساؤلات التي تدور في رأس كل مواطن عربي من حيث الأهداف الحقيقية من وراء نشر رسوم مسيئة لرسولنا الكريم، وأعده بتقديم الجاني لعدالة الذهن العربي، وأعده أخيراً برد علمي حضاري وبمستوى فني يليق بأهمية الموضوع. مشاهدة فيديو عن المسلسل