في مسرح شاطئ الراحة: المجد للشعر والتحكيم

أبوظبي ـ من أحمد فضل شبلول
لقب مطروح للتداول

حضرت إحدى حلقات التأهيل للقب أمير الشعراء في مسابقة "أمير الشعراء" التي تنظمها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، بالتعاون مع شركة بيراميدا للإعلام بالعاصمة الإماراتية أبوظبي. استثمار اللقب وعلى الرغم من استثمار لقب "أمير الشعراء" الذي لُقب به الشاعر أحمد شوقي باتفاق من الشعراء العرب عام 1927 إلا أنني وجدت أمرا مختلفا عام 2007 أي بعد حصول شوقي على اللقب بثمانين عاما.
وهذا الأمر يتمثل في عدة نقاط، منها أن هناك لجنة تحكيم مكونة من خمسة محكمين مشهود لهم بالأستاذية والكفاءة والنزاهة، من ضمنها ممثل عالمي هو الفنان العربي غسان مسعود الذي قام بدور صلاح الدين في أحد الأفلام الأجنبية الرائعة عن الحروب الصليبية وبيت المقدس، هو فيلم "مملكة الجنة" على ما أتذكر.
وأعتقد أن سبب ضم الفنان غسان مسعود إلى عضوية لجنة التحكيم بجانب زملائه من نقاد الأدب المعروفين (د. صلاح فضل من مصر، د. عبدالملك مرتاض من الجزائر، د. علي التميمي من الإمارات، نايف رشدان من السعودية)، هو الحكم على إلقاء الشاعر، فالشعر في يقيني يظل مرتبطا في أحد أهم جوانبه بفنون الإنشاد والإلقاء.
ولا أعتقد أن على أيام إمارة شوقي للشعر كانت هناك لجنة تحكيم تقوم بمثل هذا العمل الذي تقوم به لجنة تحكيم هذه المسابقة الآن، وإلا كان شوقي أول من يخرج من المسابقة بسبب عدم اتقانه لفن إلقاء الشعر كما نعلم، وكان حافظ إبراهيم هو أمير الإلقاء في ذلك الوقت.
أيضا لم يكن في عصر شوقي قنوات تلفزيونية ومحطات فضائيات تنقل الحدث على الهواء مباشرة لعدد كبير من الدول ليشاهده ملايين المشاهدين والمتابعين في جميع أنحاء العالم إذا أرادوا ذلك. ديكور أندلسي ولم يكن هناك مسرح مجهز بأحدث وسائل التقنية المسرحية والديكور البديع اللافت للنظر، والذي يحاكي في أعمدته الممتدة أمام البصر، أعمدة جامع قرطبة وجامعة قرطبة بالأندلس، وأعمدة قصر الحمراء بغرناطة.
إن تلك الأعمدة والأقواس الهلالية فوقها، هي مزيج من فن الزخرفة الإسلامية، المعبرة عن روح الحضارة الإسلامية بدولة الأندلس العربية، والتي لحسن الحظ لا يزال الأسبان يحتفظون بها حتى اليوم في إقليم الأندلس الشهير الذي يضم عددا من المدن الإسلامية المشهورة مثل: غرناطة وقرطبة وأشبيلية وغيرها.
وقد شاهدتُ جامع قرطبة وجامعتها أثناء رحلتي الإسبانية لحضور دورة ابن زيدون التي نظمتها مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري عام 2004 بمناسبة ألفية ابن زيدون.
لذا عندما شاهدت ديكور مسرح شاطئ الراحة في أبوظبي الذي صممه الشاعر والمهندس الإنجليزي كريستوفر جورج، لتسابق شعراء العربية من الشباب على خشبته المتسعة، أدركت مدى الرابط القوي الذي يربط مسابقة "أمير الشعراء" بتراث الشعر العربي القديم والحديث، ليس فقط بأول حامل للقب في العصر الحديث، وهو الشاعر أحمد شوقي، ولكن أيضا بحامل لقب أمير الشعر الأندلسي ابن زيدون، وهذا في حد ذاته تواصل تاريخي وجغرافي محمود ومنشود بين المشرق العربي والمغرب العربي نحن أشد ما نكون إليه حاجة في عصرنا هذا.
أيضا في عصر شوقي لم يكن السفر سهلا ومتاحا مثل هذه الأيام، فأنت في أقل من ثلاث ساعات ونصف الساعة تنتقل بالطائرة من القاهرة إلى أبوظبي مثلا، وفي أقل من ساعة تكون في بيروت وهكذا.
وبالتالي لم يكن سهلا في عصر شوقي اجتماع مئات من الشعراء الشباب وعشرات الإعلاميين من داخل الإمارات وخارجها ليغطوا الحدث وينقلوه إعلاميا أثناء وقوعه، أو بعده بقليل. تطور الشعرية العربية أما عن الشعرية العربية والذائقة الشعرية، ففي يقيني أنها تطورت كثيرا بعد عصر شوقي، وإلا أصبحنا محلك سر.
غير أنه لم يكن هناك منافس للشعر في ذلك العصر، فكان هو أهم أدوات التعبير والترفيه العربية، ولم تكن الصورة قد ظهرت كمنافس قوي وعنيد، وأقصد بالصورة (السينما، التلفزيون، الفيديو، الإنترنت، وجميع وسائل الميديا البصرية).
هذا التطور للشعرية العربية التي أنتجت لنا فيما بعد عصر شوقي شعراء عظاما من أمثال: نزار قباني، ونازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، ومحمد مهدي الجواهري، وعبدالله البردوني، وصلاح عبدالصبور، وأمل دنقل، ومحمود درويش، وأدونيس، والفيتوري والبياتي، وغيرهم، لم تجد مؤسسة كبيرة حاضنة لها أو حاضنة للقب "أمير الشعراء" ورعايته وإعادة إنتاجه بمواصفات جديدة تناسب العصر، وتلقي الضوء على تطور الشعر نفسه، وتقربه إلى الجمهور العربي بعد انصرافه إلى عصر الميديا ونجوم الكرة والفن. مؤسسة البابطين لم تفكر في اللقب وعلى الرغم من قيام مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري بالكويت، بإنجاز الدورات الشعرية المتتالية منذ عام 1989(كل سنتين تحمل الدورة اسم علم من أعلام الشعر العربي القديم والحديث)، وأصدرت معجما مهما للشعراء العرب المعاصرين، وأسست مكتبة مركزية ضخمة للشعر العربي لعلها الأولى من نوعها، ونظمت دورات مجانية لتعليم العروض وجماليات اللغة العربية، وغيرها من أنشطة مشهودة، إلا أنها لم تفكر في إعادة إنتاج لقب "أمير الشعراء" واكتشاف شاعر جديد يحمله. شوقي يخلد بشعره وليس بلقبه وقد أعجبني رأي أحد المشاركين في تحكيم مسابقة "أمير الشعراء"، وهو الصديق الشاعر نايف رشدان، بأن ما خلَّد أحمد شوقي هو شعره، وليس لقبه، وأن الشعر الذي أنجزه شوقي أصبح ثابتا في ذمة التاريخ يشي بشاعريته الكبيرة، بينما "اللقب" ليس ثابتا، وإنما مطروح للتداول، خاصة أنه لقب غير عائلي. لقب أمير المؤمنين وأضيف هنا رأي أحد الأصدقاء الذي أيد تداول لقب "أمير الشعراء" بقوله إن لقب "أمير المؤمنين" ـ وهو لقب أرفع وأسمى ما في ذلك شك ـ كان متداولا بين الحكام العرب المسلمين في وقت من الأوقات.
ليس هناك غبار إذن أن نطلق على شاعر موهوب يحقق الشعرية العربية في أصفى وأحدث وأنقى تجلياتها من خلال نصوصه الإبداعية لقب "أمير الشعراء"، وهو لقب خاضع للتداول في كل عام مع مجموعة جديدة من الشعراء، أو مع مَنْ يتطور أداؤه الشعري إلى الأفضل ممن شارك في هذا العام ولم يحرز اللقب، أو يقترب من مراكزه الأولى. شعراء غير جادين كان البعض يعتقد أن الاشتراك في المسابقة بقصيدة واحدة يرسلها تفوز أو لا تفوز، وينتهي الأمر عند هذا الحد، ولكن اكتشفنا من خلال الفعاليات المتواصلة للمسابقة أن هناك تصفية حقيقية، بناء على قراءة عميقة ومتفحصة لآلاف القصائد التي وصلت إلى منظمي المسابقة (وصل أربعة آلاف وخمسمائة قصيدة من شتى أنحاء الوطن العربي وخارجه).
ثم وقع اختيار لجنة التحكيم على ثلاثمائة شاعر تم دعوتهم إلى أبوظبي للقاء معهم، والتعرف عليهم وعلى ثقافتهم ومناقشتهم في بقية إنتاجهم الشعري، للتأكد من أنهم أصحاب هذه الأعمال.
وقد سمعت، وأنا هنا في أبوظبي، أن هناك من أرسل قصائد باسم زوجته أو أبنائه أو والده، ظنا منه أن الأمر لا يخرج عن كونه قصيدة ترسل بالبريد، (وهي وحظها) فإذا فازت بالمليون درهم، يصبح محظوظا، وإذا لم يفز (ما في مشكلة)، وأن هناك من أرسل قصائده متجاهلا شرط السن الذي حدده المنظمون.
وكانت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث ولجنة التحكيم التي تحملت أعباء كبيرة، بل تحملت هجوما عنيفا من بعض المشاركين، أكثر جدية من بعض الشعراء أنفسهم، فتم استبعاد هذه الأعمال المشكوك في أمرها، وتعاملت مع الأعمال الجادة التي تنطبق عليها شروط التقدم للمشاركة.
ومن الشعراء الذين حضروا إلى أبوظبي من أقطارهم ودولهم، تم اختيار خمسة وثلاثين شاعرا، يجري حاليا الاستماع إليهم، على حلقات، والحكم على إنتاجهم الشعري الذي يقومون باختياره لعرضه على النقاد والجمهور. لجنة التحكيم 50% والجميل في الأمر أن للجنة التحكيم نسبة 50% في الحكم على قصائد الشاعر، وتترك للجمهور (سواء الموجود في مسرح الراحة بشاطئ أبوظبي، أو الجمهور التلفزيوني المتابع) النسبة المتبقية من الحكم على الشاعر عن طريق التصويت المباشر في المسرح (ونسبة هذا التصويت ستكون قليلة بطبيعة الحال لمحدودية جمهور المسرح رغم ازدحام المكان به)، أو رسائل التليفون المحمول، أو النقال، القصيرة.
وقد حدث أن أخرجت لجنة التحكيم شعراء من المسابقة، ولكن عادوا إليها بناء على طلب أو تصويت الجمهور، ولو كان الأمر بيدي لرفعت نسبة لجنة التحكيم إلى 70% أو 75% لأن التحكيم يتم، كما أرى، على أسس موضوعية وفنية وليست عاطفية.
قد تدخل العصبية القبلية أو التشجيع المتعصب لشاعر معين في حسابات الجمهور، ولكننا في النهاية نكون أمام طقس شعري بديع، وحالة شعرية رائعة تحرك الجمهور (بالملايين) وتدفعه إلى الاستماع والإنصات الشعري كما حدث في مسرح الراحة، بعد أن انصرف معظم هذا الجمهور إلى قنوات الكليبات وقنوات الإثارة غير المبررة، والأفلام المعادة والمكررة.
وصراحة لو كان سني أقل من الخامسة والأربعين، لكنت اشتركت في هذه المسابقة التي تنقل صوتي الشعري إلى ملايين المشاهدين والمتابعين والمنتظرين، والأهم إلى لجنة التحكيم المنتقاة من عدة بلاد عربية التي أثق أنها تقول رأيها بصدق وموضوعية ونزاهة فيما يُلقى أمامها من أعمال شعرية.
وقد اختبرت تلك النزاهة والموضوعية والصدق أكثر من مرة، وكان بجانبي الصديق الإعلامي عبدالناصر نهار، حينما كنت أسرُّ له برأيي صراحة فيما يلقى من قصائد في الحلقة الثالثة، وإذ برأي أعضاء لجنة التحكيم يكاد يقترب من الرأي الذي قلته لنهار، وأنا في حالة من التجرد والموضوعية. حالة شعرية إن هذه الحالة الشعرية من المتابعة والترقب والانتظار التي اجتاحت صفوف الكتاب والمبدعين والمثقفين والإعلاميين، بل والجمهور المحب للشعر في الوطن العربي وخارجه، يقف من ورائها راعي الثقافة في أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، والمثقف والإعلامي محمد خلف المزروعي مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث والطاقم الذي يعمل معه، والإعلامية الناجحة النشطة نشوة الرويني مدير شركة بيراميدا للإعلام والطاقم الذي يعمل معها. نازك ودورها ولعلي في هذا المقام أتذكر بشئ من الحزن والأسى الشاعرة الرائدة المجددة نازك الملائكة التي رحلت منذ أسابيع إلى جوار ربها، قبل أن ترى أميرا جديدا للشعر العربي الذي أسهمت في تطويره وتحديثه عن طريق تبنيها لقضاياه الفنية المختلفة من خلال كتبها التنظيرية (وأهمها: قضايا الشعر الحر، وسيكولوجية القصيدة) وقصائدها التطبيقية، فاتحة بقصيدة "الكوليرا" التي كتبتها عام 1947 شعرية عربية جديدة بعد عشرين عاما من إطلاق لقب "أمير الشعراء" على الشاعر أحمد شوقي.
ولكن ترحل الملائكة بعد ستين عاما من اكتشاف وتقنين بنية القصيدة العربية التفعيلية التي سار على نهجها أجيال من الشعراء بعدها منهم شباب الشعراء المشاركين اليوم في مسابقة "أمير الشعراء". المجد للشعر والتحكيم والشعراء ومازلنا في انتظار حامل اللقب الجديد، ووصفائه من الشعراء (في المراكز الأربعة التالية له)، وليفعل من يفوز باللقب بمليونه ما يشاء، والمجد للشعر والتحكيم والشعراء. أحمد فضل شبلول ـ أبوظبي