استراتيجية أميركية لإعادة التوازن للشرق الأوسط

واشنطن ـ من خليل العناني
كومة من البطيخ في يد واحدة

في ظل حال الاضطراب وعدم الاستقرار التي تهيمن على الشرق الأوسط، يسعى مارتن أنديك مدير مركز سابان لدراسات الشرق الأوسط بمؤسسة بروكنجز، وتمارا كوفمان مسؤولة برنامج الإصلاح في العالم العربي في مركز سابان إلى وضع استراتيجية بناءة لإعادة التوازن في منطقة الشرق الأوسط، وذلك في إطار سلسلة (فرصة 2008) التي تهتم بوضع استراتيجيات وسياسات للرئيس الأميركي المقبل.
وقد ركزت الدراسة التي حملت عنوان "إعادة التوازن في الشرق الأوسط.. نحو استراتيجية بناءة للاحتواء" على أن الصدع السني-الشيعي وإعادة رسم الدور الأميركي في المنطقة بات يمثل تحدياً قوياً للرئيس الأميركي المقبل.
ويتطلب التحدي ضرورة العودة إلى العمل على أكثر من مستوى:
أولاً، ضرورة تنشيط دبلوماسية "توازن القوى" وتأكيد الانسجام بين القيم والمصالح الأميركية.
ثانياً، العمل على احتواء الحرب الأهلية العراقية.
ثالثاً، دعم قوى الاعتدال.
رابعاً، منع إيران من أن تصبح قوة نووية، وأخيراً دعم التحول الديمقراطي في المنطقة.

وتشير الدراسة إلى أن إيران نجحت في مد قوس نفوذها من بغداد إلى بيروت مروراً بدمشق، وهو قوس الراديكاليين، بحسب الدراسة، الذي ازداد قوة بسبب أخطاء الولايات المتحدة في المنطقة، وضعف الأداء في العراق، وجمود عملية السلام على الصعيد العربي-الإسرائيلي وعدم القدرة على وقف طموح إيران النووي.
وتلفت الدراسة الانتباه إلى أنه من السذاجة أن يتم تقسيم المنطقة إلى قوى معتدلة وأخرى متشددة فحسب، أو ما بين سنة وشيعة، فالمشكلة التي ستواجه الرئيس الأميركي المقبل معقدة للغاية نظراً لأن الولايات المتحدة لم تعد تتحكم في الإقليم، وسيكون على الرئيس الأميركي الجديد السعي لدعم ائتلاف الاعتدال من أجل كبح جماح إيران في المنطقة.

ان أي استراتيجية أميركية مقبلة في الشرق الأوسط لا بد أن ترتكز على العناصر التالية:
ـ تجديد الجهود الخاصة بحلحلة الصراع العربي-الإسرائيلي وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من فك ارتباط سوريا بإيران.
ـ احتواء تداعيات الحرب الأهلية في العراق.
ـ المفاوضات مع إيران يجب أن تستهدف الحد من طموحها النووي، وعقد مفاوضات ثنائية من أجل تقليل مخاوف جيرانها.
ـ وضع ترتيبات أمنية إقليمية من أجل احتواء الخطر الإيراني ومنع حدوث سباق تسلح نووي في المنطقة، وذلك من أجل حماية الحلفاء من الوقوع تحت مظلة نووية.
ـ وضع أجندة للإصلاح السياسي والاقتصادي قد تساهم في صياغة عقد اجتماعي جديد بين الحكومات العربية وشعوبها.
ـ في الدول الأقل استقراراً يجب التركيز على بناء المؤسسات الديمقراطية، بدلاً من الاهتمام فقط بإجراء انتخابات نزيهة.

البحث عن استراتيجية فعالة تشير الدراسة إلى أن الرئيس الأميركي الجديد، بغض النظر عن اسمه، سيكون مضطراً للبحث عن استراتيجية فعالة من أجل حماية المصالح الأميركية في المنطقة. ويجب أن تبدأ هذه الاستراتيجية من خلال فهم ما يحدث هناك على أرض الواقع، ثم تحديد ما يمكن للولايات المتحدة القيام به.
وفي هذا الإطار يجب الالتفات إلى أمرين مهمين؛ الأول هو طبيعة التنافس القوي بين السنة والشيعة، والذي ظل كامناً تحت السطح لقرون عديدة، وقد ظهر الآن بسبب القتال الطائفي في العراق، وهو ما أحدث انقساماً بين تيارين كبيرين أحدهما شيعي بقيادة إيران، والثاني سني بقيادة السعودية ومصر. وكل تيار يحوي بداخله متطرفين ومعتدلين، وهو ما يدفع الولايات المتحدة حتماً لدعم المعتدلين لمواجهة المتطرفين.
أما الأمر الثاني؛ فهو انخفاض قدرة الولايات المتحدة على التأثير في مجريات الأوضاع بالمنطقة.
وجدير بالذكر أن التأثير الأميركي في سياسات المنطقة وصل لأقصى مراحله أوائل التسعينات بعد الغزو العراقي للكويت.
ولكن الوضع الآن تغير تماماً حيث تعاني الهيمنة الأميركية على المنطقة من انحسار ملحوظ، متأثرة في ذلك بالوضع المزري في العراق، فضلاً عن إهمال ملف الصراع العربي الإسرائيلي، في الوقت الذي ازداد فيه تأثير بعض القوى الأخرى مثل الصين وروسيا.
هذا الضعف الأميركي في مساحة التأثير في المنطقة يفرض على الرئيس المقبل العودة لاستراتيجية توازن القوى، حتى مع عيوبها الأخلاقية التي يمكن أن تنتج عن تطبيقها.
كما يفرض أن تبحث الإدارة الأميركية المقبلة عن اقترابات وطرق جديدة لحل مشاكل المنطقة.

أهداف استراتيجية ملّحة يشير واضعا الدراسة إلى أن هناك مجموعة من الأهداف الاستراتيجية الملّحة التي يجب على الرئيس الأميركي المقبل العمل على تحقيقها من أجل حماية المصالح الأميركية في المنطقة، وتتمثل هذه الأهداف فيما يلي:
• احتواء الحرب الأهلية في العراق، من أجل منع وصول الانفجار الداخلي إلى بقية أرجاء المنطقة العربية.
• دعم قوى الاعتدال في العالم العربي، والتي يمكنها أن تقف في مواجهة النفوذ الإيراني، وتمنع انتشار التيارات الراديكالية في المنطقة. وهو ما يمكن تحقيقه من خلال دفع عملية السلام بين العرب وإسرائيل، وتقوية التحالف بين الطرفين من أجل مواجهة إيران.
• منع إيران من تطوير سلاحها النووي، وإيجاد إطار أمني لمنع تداعيات أي سباق للتسلح في الشرق الأوسط.
• دعم سياسات التحرير الاقتصادي وتوسيع نطاق الإصلاح السياسي كي يتوافق مع تطلعات شعوب المنطقة، ما قد يقلل من النزعات الراديكالية في البلدان التي ترتبط بعلاقات تحالف مع الولايات المتحدة.

أميركا والعرب.. مصالح متناقضة تشير الدراسة إلى أن ثمة تناقضاً في المصالح بين الولايات المتحدة والعرب، فعلى الرغم من التحذير "السني" الذي جاء من خلال مصر والسعودية والأردن من وجود هلال شيعي في المنطقة، إلا أن الولايات المتحدة لم تعر اهتماماً للأمر في البداية. حتى جاءت حرب لبنان في صيف 2006 ووضحت طبيعة العلاقة بين سوريا وحزب الله وإيران. وإصرار سوريا على إفشال جهود مصر في صفقة إطلاق الجندي الإسرائيلي جلعاد شليط.
ويرفض العرب، بحسب الدراسة، أن يمتد النفوذ الإيراني من مجرد منطقة الخليج، إلى أن تصبح طهران وسيطاً في العديد من الملفات العربية كما هي الحال في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية.
كما يستنكر العرب امتداد الهلال الشيعي من طهران مروراً بالحكومة العراقية، فضلاً عن العلاقة مع العلويين في دمشق وحزب الله في لبنان.
وحسب الدراسة فقد كانت حرب لبنان تعبر في حقيقتها عن صراع بين معسكرين كبيرين، كليهما يحمل رؤية مختلفة لمستقبل الشرق الأوسط.
المعسكر الأول يضم حسن نصر الله وأحمدي نجاد وكلاهما لديه رؤية تقوم على تحويل الإقليم إلى جبهة مقاومة ضد إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الأنظمة العربية.
أما المعسكر الثاني فيضم بداخله قادة الدول العربية السنية مثل مصر والسعودية والأردن (حلفاء الولايات المتحدة)، وهم يرون أن التهديد الإيراني يتم على مستويات مختلفة، ليس أقلها تأثير خطابات نجاد ونصر الله على الشارع العربي. ناهيك عن تهديد الأمن الإقليمي للدول العربية التي تشترك مع الولايات المتحدة في مظلة أمنية واحدة.
لذا يشعر القادة العرب بأن الطريق الوحيدة لوقف انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة هو أن تقوم الولايات المتحدة بدعم الحكومة اللبنانية، ودعم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فضلاً عن دفع عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومنع إيران من التمدد في العراق ووقف تطوير برنامجها النووي.
ولكن في المقابل فإن القادة العرب لا يتفقون مع واشنطن في نظرتها لبعض المتطرفين السنة، وبحسب الدراسة فإن حماس لا تبدو حركة متطرفة بالنسبة للقادة العرب، كما أن التودد إليها وتحسين العلاقة معها قد يؤدي إلي فك ارتباطها مع إيران.
كما أن هؤلاء القادة ضد قمع المقاومة السنية في العراق، والتي من شأنها أن تؤدي إلى زيادة النفوذ الشيعي هناك.

أجندة دبلوماسية تلفت الدراسة الانتباه إلى أن ضعف الوضع الأميركي في المنطقة زاد احتياج الولايات المتحدة إلى مساعدة الأخرين، فقد ثبت فشل المقولة الشهيرة للرئيس بوش "من ليس معنا فهو ضدنا".
ونتيجة للوضع المتأزم في العراق، ونتائج حرب لبنان، يجب الاعتراف بعدم نجاعة الأداة العسكرية في حل مشاكل المنطقة، لذا يجب العودة إلى الأداة الدبلوماسية.
ربما قد يفهم البعض أن اللجوء للدبلوماسية معناه الضعف، كما هي الحال مع إيران، ولكن لا بد من الاعتراف أن جميع ملفات الشرق الأوسط في حاجة لقدر من الدبلوماسية كفن لإدارة قواعد اللعبة هناك.
ـ ويمكن تطبيق الدبلوماسية من خلال المحاور التالية:
ـ إيجاد تحالف مناظر للتحالف الإيراني-السوري-العراقي-حزب الله.
ـ اتباع دبلوماسية حذرة مع إيران تقوم على الضغط من أجل وقف برنامجها النووي، ومحاولة دفع عملية السلام العربي-الإسرائيلي.
ـ إقناع الحلفاء العرب بضرورة بذل المزيد من الجهد في مجال الإصلاح السياسي والديمقراطي.
ـ إيجاد شكلي مؤسسي يجمع بين العرب المعتدلين والولايات المتحدة من أجل مواجهة التيارات الراديكالية.
ـ زيادة الجهود المالية والاقتصادية لتشجيع التحول الاقتصادي والسياسي في الدول الصديقة مثل مصر.
ـ اختبار مدى جدية تحول الإسلاميين نحو الاعتدال.(تقرير واشنطن)