النفوذ المصري بين واقع التهميش وفرص النهوض

بقلم: سيد يوسف

لم يفاجئنا ما نسب إلى جريدة "وول ستريت جورنال" الأميركية أن مصر فقدت نفوذها الذي كانت تتمتع به في السابق وتخلت عن زعامتها السياسية للعالم العربي، في وقت باتت فيه حليفًا محوريًا وضروريًا للولايات المتحدة حيث بات واضحا أن الدور السياسي لمصر أخذ يضمحل- حقا- من الدور الفاعل إلى السمسار إلى التهميش وهو في طريقه – إذا استمرت نفس السياسة الضبابية الحالية – إلى التلاشي ويُسْتَدلُّ على ذلك بعدة مؤشرات من ذلك:
* صعود نجم العربية السعودية في مقابل أفول الدور المصري وظهر ذلك جليا في رعاية اتفاق مكة في ملف هو من صميم ملفات الدور المصري (فلسطين).
* عجز مصر في السنوات الأخيرة عن أن يكون لها دور فاعل مؤثر في المنطقة العربية ولعل هذا ما حدا بالإدارة الأميركية إلى اقتطاع 200 مليون دولار من المعونة الأميركية حيث وكما يرى بعض المراقبين أن مصر لم يعد لديها ما تقدمه لأميركا وجدير أن نسوق ها هنا رؤية د.حسن نافعة حيث يرى أن قدرات مصر على المساومة قد اضمحلت بسبب ضعف قدرتها على التأثير إذ لم يعد لديها ما تقدمه للإدارة الأميركية في منطقة ملتهبة، ففي الماضي كانت مصر دولة وراءها عمق عربي هائل، وبالتالي كان ثمن التأثير في سياساتها غالياً جداً، أما الآن فالإدارة الأميركية ترى أن التأثير في السياسة الخارجية المصرية لا يستحق ثمناً عالياً لأنها لا تملك أن تقدم شيئا، ويرى نافعة أن دولاً مثل إيران وسورية لهما قدرة على التأثير في مجريات الأمور في المنطقة كقدرة مصر، وبالتالي بات هناك فراغ يحتاج دوراً مصرياً لملئه ولا تستطيع مصر أن تمارسه الآن.
* غياب دور الخارجية المصرية حتى في صميم أدوارها من حيث تعاطيها مع ملف مذبحة الأسرى المصريين على يد العصابات الصهيونية أو حتى صيانتها لدبلوماسييها كما في الكويت والعراق (إيهاب الشريف نموذجا).
* تعرض مصر لعدة نكسات على المستوى الخارجي مثل: صفر المونديال، وسجلها غير المشرف في مجال حقوق الإنسان، وترتيبها فيما يخص حرية الصحافة، وشفافية الفساد، وتقييم الجامعات.
* غياب الدور المصري الفاعل في أزمات الدول المجاورة والتي تمس أمنها القومي مثل أزمة دارفور السودانية، ومخطط تقسيم العراق، وضعف الدور المصري في ملف لبنان (ما عرف بالحرب السادسة) فضلا عن صمت مصر المريب فيما يتهدد أمنها القومي في ما يخص مياه النيل.
ويستشهد الذين يرون أن فعالية الدور المصري ما تزال فاعلة ومؤثرة بمؤتمر شرم الشيخ الأخير الذي بحث مسألة دعم عباس ضد حماس مؤكدين أن الخطاب المصري سار عكس النهج الصهيوني وهو استدلال فيه جدل فبعض المحللين يرون أن انعقاد المؤتمر في حد ذاته في ظل ظروف كتلك التي نشهدها وبالشكل الذي جرت به الدعوة يسيء إلى دور مصر أكثر مما يفيده، فالمؤتمر بدا كلقاء حلفاء ضد طرف وهو ما سوق له الإعلام الغربي بمحاصرة حماس.
فرص النهوض إذا توافرت إرادة حقيقية فاعلة (وهو أمر محل نظر) فإن هناك عدة فرص حين تُستغل يمكن أن تثمر نهوضا فاعلا ولو على المدى البعيد من ذلك مثلا:
(1) ضبط الشأن الداخلي:
الحق أن التدهور الاقتصادي الحاد وما يتبعه من فقر مدقع (عدد فقراء مصر يقترب من أربعين مليونا) قد ساعدا بلا شك علي تدهور مركز مصر السياسي فضلا عن ضعف واضح الملامح في إرادتها السياسية، ولعلنا نشير هاهنا إلى عدة مفردات قد تسهم في السير نحو ضبط الشأن الداخلي نذكر منها.
* العمل على تحقيق الضبط الاجتماعي وهو من صميم عمل السلطات ونقصد بالضبط الاجتماعي تحقيق الأمن والهدوء والرفاهية لكافة فئات المجتمع بغض النظر عن اختلاف الأصل أو الديانة أو المكانة الاجتماعية وذلك من خلال سيادة القانون ومن خلال الفصل الجاد بين السلطات فلا تتغول سلطة على أخرى كما هو الوضع الراهن من حيث تغول السلطة الأمنية.
* وقف السفه الحكومي فيما يتعلق ببيع أصول القطاع العام سواء للأجانب أو لغيرهم دون ثمنه الحقيقي وكيف يباع القطاع العام دون موافقة مالكيه؟!
* وقف التدهور الحاد فيما يتعلق بالتعليم واعتباره قضية أمن قومي له الأولوية في الرعاية والاهتمام فلا يعقل أن يقوم الأمن بمحاربة اتحادات الطلاب ونوادي أعضاء هيئات التدريس والتدخل حتى في تعيين المعيدين.
* حتمية المصالحة بين السلطة القائمة وبين الشعب ممثلا في أحزابه وجماعاته وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين ومنظمات المجتمع المدني فالصورة القائمة الآن تستنزف البلاد من حيث الاقتصاد ومن حيث تشويه سمعة البلاد ومن حيث حدوث حراك سياسي – عمالي في حده الظاهر- إن تصاعدت وتيرته فقد لا تحمد عقباه مستقبلا... وسحب يد الأمن من كافة أنشطة ومؤسسات الدولة فلا مجالس نيابية حقيقية ولا إعلام هادف ولا أزهر فاعل ولا نقابات عاملة ولا جامعات تحسن تثقيف طلابها بفعل غباء الأمن وبطشه ولنا في سيناء ما نستأنس به ها هنا.
* السعي نحو بناء مشروع وطني تسير فيه البلاد بخطى واضحة الملامح، ويحمى مصر من تآكل دورها الإقليمي ويعود بمصر إلى العروبة والنهضة العلمية والتكنولوجية فقد سبقتنا دول كنا لا نأبه لها.
* الإفراج عن جميع المعتقلين لا سيما من صدر بحقهم قرارات الإفراج، ومقاومة الفساد بعدم رعايته وبمقاضاة المفسدين والقصاص منهم.
(2) الامتداد الخارجي الموزون
من خلال مفردات كثيرة نذكر منها...
* استغلال حالة الضعف التي عليها أميركا الآن للعب دور مؤثر وفعال فيما يخص الأوضاع في المنطقة... ومن خلال الابتعاد – ولو قليلا- عن السير في فلك السياسة الأميركية.
* الحصول على دعم الدول العربية الكامل لمصر فيما يخص اقتصادها فنهضة مصر نهضة لعرب وقوة مصر قوة لهم.
* الضغط باتجاه إزالة القواعد الأميركية من البلاد العربية عبر استخدام أوراق ضغط اقتصادية وسياسية وأخرى دبلوماسية...لا سيما في ظل حاجة أميركا إلها كمحاور إقليمية.
* يرى الدكتور مصطفى اللباد ضرورة استغلال العلاقات المصرية - السعودية الجيدة من أجل بدء مرحلة تنسيق عربي حقيقية تخفف من خطورة الضغوط الأميركية على دول المنطقة.
* فك الحصار عن الشعب الفلسطيني، وفك الضغط عن سوريا بقرارات عربية تتولى دفة تسيير الأمور فيها مصر عبر دبلوماسيتها بالتعاون مع العربية السعودية وسوريا وبعض البلدان الأخرى.
* تبني خارطة عمل للعراق بعد انسحاب قوات الاحتلال الأميركي ذات فلسفة عربية تضمن استقلال العراق ووحدة أراضيه.
استحالة استثمار هذه الفرص
الحق أن هناك عدة مفردات تشي باستحالة استثمار هذه الفرص من قبل النظام الحالي منها:
حالة انعدام ثقة بين الشعب والنظام الحالي وذلك من طول ممارسة القمع، ومنها غياب دور وزارة الخارجية واعتماد ذلك الدور إلى رئيس جهاز المخابرات حتى بات منصب وزير الخارجية وكأنه شاغر، ومنها انتقال دائرة اتخاذ القرارات الإستراتيجية والقومية من الرئاسة والجهات السيادية إلى لجنة فرعية بالحزب الوطني تسمى لجنة السياسات ذلك أن الذي يتولى شأنها- بالتعيين لا بالكفاءة - هو نجل الرئيس مبارك حتى لم يعد هناك من يصدق أن مبارك الأب هو الذي يحكم مصر، ومنها شعور النظام الحاكم بأنه ملفوظ ومكروه، وكراهية الناس في بلادي لنجل الرئيس أشد، مما يعوق فرصة استغلال فرص النهوض لمصر لا سيما وقد لجأ النظام لتنظيم سرى يدعى لجنة السياسات ليتدبر أمر التوريث عبر تنازلات خارجية ورشاوى داخلية قدر ما يستطيع ومن ثم فقد عقد النظام الحالي العزم أن يستغل كافة إمكاناته لتوطيد بقائه فهو بدلا من أن يستغل فرص النهوض السانحة قدر ما يستطيع لصالح الموقف العربي والقضايا التي تعاني منها الحالة العربية سوف يقدم تنازلات خاصة به وبمصالحه، أو بعائلته وبمسائل متعلقة بتيسير وراثة الحكم في بلده مقابل حاجة الولايات المتحدة المفاجئة له بعد أن منيت بالفشل في العراق وبازدياد النفوذ الإيراني وبمعارضة سوريا وبمعضلة حماس في غزة.
وتبقى كلمة
المستقبل في ظل النظام الحالي غامض لا ينبئ بالتفاؤل، وفى اعتقادي أن النظام يعيش في أزمة أخذت تداعياتها تنهش فيما تبقى من هيبة واحترام لمكانة مصر لا سيما وأن ثمن التوريث سوف يدفعه فقراء الناس في بلادي من قوتهم ومن مستقبل أولادهم عبر التنازلات الخطيرة التي ما يزال يمارسها ذلك النظام لا سيما – وكما عبر أحدهم من قبل – فإنه في لحظات ضعف الدولة يتوحش دور القوى الدولية والإقليمية المهيمنة على تفاعلات الإقليم في اختيار الرئيس المقبل.
إن فرص النهوض ما تزال متاحة لكنها تبحث عن صاحب همة صادقة وعزم نافذ وإخلاص أكيد وحاكم يتبنى مشروعا وطنيا يلتف حوله الناس أما هؤلاء الحكام فلا يُرجى منهم خير والأمل معقود على الأجيال القادمة لعل وعسى رغم صعوبة التركة وثقل الحمل. سيد يوسف