أبعاد الاتحاد المتوسطي في سياسة ساركوزي

بقلم: د. خليل حسين

حاول الرئيس الفرنسي في زيارته الأولى للمغرب العربي وبلغة دبلوماسية حذقة التلطيف من خلفيات مشروع الاتحاد المتوسطي، باعتباره يشكل مشروعا في غير اتجاه ويستهدف أكثر من قضية حساسة لبعض دول المتوسط العربية وغير العربية، فماذا في هذا المشروع وما هي أبعاده وخلفياته؟ وهل سيكتب له النجاح في ظل ريبة وحذر بعض أطرافه؟
تدعو المبادرة إلى قيام اتحاد أو تجمع يربط بين 16 دولة فى جنوب أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا المشاطئة للمتوسط والتي تشكل تلك الدول فيما بينها تجمعا اقتصاديا وسياسيا يدخل في مهامه قضايا الأمن والطاقة والهجرة والتجارة. فضلا عن إنشاء بنك الاستثمار المتوسطي على غرار نموذج بنك الاستثمار الأوروبي كرافعة لدفع التنمية في دول جنوب وشرق المتوسط. بالإضافة إلى ذلك فقد عرض ساركوزى تقديم الخبرة الفرنسية في التعاون النووي السلمي لدول المتوسط في مقابل الحصول على احتياطيات الغاز فى دول شمال أفريقيا .أما الإطار المؤسسي للرابطة المتوسطية، فقد اقترح أن يشمل تشكيل مجلس رئاسي يتم تناوب رئاسته وعقد اجتماعاته على مستوى قمم دورية، ما يعتبر الميزة الرئيسة التي تميز الإطار المقترح عن أطر التعاون المتوسطية الموجودة حاليا.
إن اختزال المشروع الجديد في أبعاده الاقتصادية- الفنية يغفل أبعادا جديدة أضافها وصول نيكولا ساركوزي للسياسة الخارجية الفرنسية وللتعاون الأوروبي المتوسطي، بحيث إن الأهداف الفرنسية من اتحاد المتوسط تتجاوز فكرة تفعيل الأهداف المعلنة في الأطر السابقة والتي أمضت دول الاتحاد الأوروبي شوطا هاما في تحقيقها، وكانت فرنسا محركا أساسيا في تطويرها وتفعيلها، ما ينفي الحاجة إلى إعادة توليفها مرة أخرى. فعلى الأرجح إن طرح مبادرة جديدة للمتوسط يشير إلى مستجدات تأمل من خلالها فرنسا حجز دور متمايز لها في الشرق الاوسط
في الواقع عمدت فرنسا وبشكل دائم إلى تطوير سياسة أوروبية متوسطية فاعلة، ومن المبادرات اللافتة في هذا الإطار صيغة 5+5 التي طرحتها عام 1990 وهي مبادرة التعاون الإقليمي بين دول غرب المتوسط، حيث تركز الاهتمام الفرنسي بمستعمراتها السابقة في المغرب العربي. وقد شارك في تلك المبادرة خمس دول أوروبية هي فرنسا، وإيطاليا، ومالطا، والبرتغال، وأسبانيا، وعلى الجانب الآخر شاركت كل من ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا. وقد عقد في إطار هذه الصيغة عدد محدود من الاجتماعات. وفى عام 1995، لعبت فرنسا إضافة إلى إيطاليا وأسبانيا دورا هاما في تدشين عملية الشراكة الأوروبية المتوسطية أو ما عرف بعملية برشلونة التي ما زالت الإطار الرئيس للتعاون الأوروبي المتوسطي في شراكة موسعة ذات أبعاد سياسية، اقتصادية وثقافية، وهدفت فيما هدفت إلى احتواء الصراع العربي الإسرائيلي، إقامة منطقة للتجارة الحرة بين دولها بحلول عام 2010، وتحقيق التنمية الشاملة في جنوب المتوسط بما يسيطر على تدفقات الهجرة إلى الشمال.
ويبدو واضحا ان المجال المتوسطي يعج بمبادرات وأطر التعاون التي ما زال بعضها في بدايته كمبادرة الجوار الجديد بعد توسيع الاتحاد الأوروبي بما يطرح التساؤل حول المبررات لطرح ساركوزي لهذه المبادرة التي تنضم إلى مجموعة المبادرات والأطر الموجودة ، وعلاقتها بالأطر السابقة.وعليه يمكن تسجيل بعض الملاحظات منها:
- تعكس المبادرة امتدادا لسياسات ومواقف ساركوزي الدولية والإقليمية، فمن ناحية يعارض ساركوزى انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ومن ثم فإن الاتحاد المتوسطي الذي يطرحه قد يكون بديلا عن انضمام تركيا إلى الاتحاد في شكل مبادلة تلعب فيها تركيا دورا محوريا في الإطار الجديد تتمتع من خلاله بعلاقة مميزة مع الاتحاد الأوروبي، في مقابل التخلي عن المطالبة بعضوية الاتحاد، وهو ما يفسّر الرفض التركي السريع لتلك المبادرة.
- لا يمكن فصل هذه المبادرة عن الرغبة في لعب دور متنامي في منطقة الشرق الأوسط، من خلال الاشتباك البناء مع كافة الأطراف والقضايا العالقة في المنطقة. وما يؤكد ذلك الحركة الدبلوماسية النشطة التي تلت مباشرة وصول ساركوزي إلى قصر الاليزيه ومبادراته للعب دور لافت في العديد من قضايا المنطقة، كالمبادرات التي طرحها في سياق الأزمة الداخلية اللبنانية من خلال مؤتمر سان كلو ، والانخراط النشط في مفاوضات الصحراء بالتنسيق مع واشنطن فضلا عن دعوة الدول الكبرى للاجتماع في باريس لمناقشة قضية دارفور بمشاركة دول أفريقية ومنظمات دولية.
- أن مبادرة اتحاد المتوسط، محاولة لاستثمار إرث العلاقات الفرنسية - العربية، مع تعديل صورة ما سُميَّ بسياسات فرنسا المتعاطفة مع العرب. ويدخل في هذا الإطار العامل الأميركي أو رغبة ساركوزى في تعميق الصلات الفرنسية- الأميركية، عن طريق لعب دور أكبر في منطقة الشرق الأوسط - المتوسط تتواءم مع السياسات الأميركية، بالإضافة إلى صداقة ساركوزي لإسرائيل والتي رحب مسؤولوها بالإطار المقترح باعتباره مبادرة هامة.
- تسعى المبادرة إلى إعادة وضع فرنسا في الإطار المتوسطي الجديد والذي لا يشمل دولا أوروبية وازنة في الاتحاد الأوروبي وفي عملية برشلونة ومبادرة الجوار الجديد وخاصة بريطانيا وألمانيا، باعتبار أن الاتحاد الجديد سيضم الدول المشاطئة للمتوسط فقط وهي الدول التي اهتمت دوما بالدائرة المتوسطية في سياساتها الخارجية، وبذلك يكون لفرنسا الدور الأكبر فى الإطار المقترح.
- إن شخص ساركوزي وتوجهاته المعروفة بالصداقة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل يغير من الأساس المعنوي للرابطة المقترحة، حيث تقوم على فكرة استثمار الصداقة الفرنسية مع الأطراف العربية، وفي نفس الوقت تعميق الثقة والصداقة الفرنسية - الإسرائيلية، ما يختلف عن السياسات الفرنسية والأوروبية التقليدية التي اتهمتها إسرائيل دوما بالتحيّز للجانب العربي. ويتصور ساركوزى أنه من خلال هذا التوازن الجديد يمكن لاتحاد المتوسط تخطي العقبات التي واجهت عملية برشلونة والتعامل بفعالية أكبر مع الصراع العربي- الإسرائيلي خاصة أنه يحظى بثقة جميع الأطراف.
- إن أبرز ما يسعى اتحاد المتوسط إلى تفعيل الاندماج الإسرائيلي في الأطر التعاونية المتوسطية المقترحة وهو ما فشلت صيغة برشلونة في تحقيقه منذ تعثر عملية السلام.
- إن اتحاد المتوسط قد يستفيد من المباركة الأميركية لدور فرنسي متوافق مع السياسة الأميركية في المنطقة، ما يضيف إلى الدور الفرنسي المستقل تقليديا زخما خاصا بإضافة القوة الأميركية لتاريخ المصداقية الفرنسية والأوروبية في المنطقة.
بيد أن تشابك المبادرة الجديدة مع الأطر القائمة لم تحظ باهتمام كاف من الرئيس الفرنسي حتى الآن. فمع اختلاف نطاق العضوية وتداخل الأهداف ومنها هدف إنشاء منطقة للتجارة الحرة، فليس من الواضح بعد، هل يتم إحلال تجمع المتوسط محل برشلونة التي تهدف إلى إقامة منطقة تجارة حرة بين دولها بحلول عام 2010؟ وكذلك هل تقتصر الآليات المؤسسية الإضافية المقترحة، خاصة القمة الدورية والمجلس الرئاسي على دول تجمع المتوسط المقترحة وتستبعد دول برشلونة؟ أم أن اتحاد المتوسط يهدف في حالة تبنيه أوروبيا إلى الفصل بين السياسات الأوروبية تجاه المتوسط وتلك الموجهة لدول شرق أوروبا والبلقان في إطار مبادرة الجوار الجديد والتي تعتبر وريثة عملية برشلونة؟
إن مبادرة اتحاد المتوسط تحتاج إلى الكثير من الجهد الفكري والدبلوماسي لفك التشابك بينها وبين الأطر المتوسطية القائمة، كما تحتاج إلى توضيح عوامل وآليات إسهامها في تجاوز العقبات التي واجهت التعاون المتوسطي - وفي أساسها الصراع العربي - الإسرائيلي الأمر الذي لم يشر إليه طرح ساركوزي بخلاف الإشارات الضمنية إلى التأثير الإيجابي للصداقة مع كافة الأطراف، وبعض الآليات المؤسسية الجديدة. د. خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية