الصباح التالي

قصة: مصطفى نصر
خنقتها بفمي

عندما أفقت أحسست بآلام في ساقي، وطبيب شاب ينحني فوق رأسي. أردت أن أقوم، لكن الطبيب ابتسم وقال "لا تخف."
نظرت حولي في دهشة، ما الذى جاء بي إلى هنا؟!
كان الطبيب يعالج الجرح الصغير فوق حاجبي:
ـ أحمد ربنا، لقد نجوت بأعجوبة.
ـ ماذا حدث لي؟
ـ حادثة بسيارتك وجرح صغير فوق الحاجب، وساقك ..
ـ كسرت؟
ـ سنعرف هذا بعد "الأشعة".
لقد تذكرت ما حدث، كنت أسرع، السيارة تطير فوق الأرض؛ وأنا لاهٍ عن كل شيء سوى ابتسام – زوجتي -.
أشعل السيجارة وأنا أمسك مقود السيارة، أبعد كل ما فعلته من أجلها تتنكر لي؟!
أيام الخطوبة في الإسكندرية، وأحلامنا معا، ثم الزواج والسفر إلى القاهرة، كل ذلك يضيع مع إني لم أقصر معها فى شيء.
تعيش في القاهرة دون أمها وأخواتها، وأنا مشغول بعملي معظم النهار. لا تجد ما يشغلها، ملت، المجلات التي أشتريها لها؛ ملقاة في كل ركن من الشقة، وخيوط التريكو، البعض منها مشغول، والآخر كما هو فوق الكومدينو بلفته.
بكت وأصرت أن تسافر إلى أمها. قلت مبتسما:
ـ سافري، وسأحضر إليك بعد أن أنهي أعمالي.
أنهيت أعمالي بسرعة وسافرت إليها، كانت تتحدث مع أخواتها المتزوجات وغير المتزوجات؛ عن مسلسلات التليفزيون وعن آخر خيوط الموضة في الشعر والملابس.
كانت سعيدة وسطهن، كأنها لم تتزوج ولم تفارق البيت. تتحرك في البنطلون في خفة، جسدها كما هو، لم يتغير فيه شيء، خاصة أنها لم تنجب. حاولت أن أجاملهن واشترك في الحديث، لكن طريقتهن في الرد كانت تعني الكثير. لم أكتشف هذا إلا بعد أن صارحتني ابتسام بأنها لن تعود معي، فقد ملت القاهرة وحره ، وعملي الذي لا ينتهي.
أردت أن تتدخل أخت منهن لصالحي، خاصة من المتزوجات، لكنهن أكدن قولها، حتى أمها ابتسمت وقالت:
ـ دعها مع أخواتها، وعندما تريدها؛ تعال إليها، أو أنقل عملك هنا في الإسكندرية.
دفعت باب السيارة في عنف، وأقسمت ألا أقضي في الإسكندرية ليلة واحدة. أشعلت سجائر كثيرة وانطلقت بسيارتي، قبل أن أصل إلى الطريق الزراعي؛ رأيت سيارة نصف نقل آتية نحوي ونفيرها عال. بعدها لم أحس بشيء إلا والطبيب يعالج الجرح في وجهي.
قلت للطبيب الذي كان يستعد لمغادرة الحجرة:
ـ ما اسم هذه المستشفى؟
ـ كرموز.
ـ إنني سكندري أصلا وأعرف أحياءها جيدا.
ـ جاءوا بك إلى هنا؛ لأنها أقرب مستشفى لمكان الحادث.
ـ أريد أن أخرج، إنني غني، وأستطيع الإقامة في مستشفى أفضل.
قال الطبيب مبتسما:
ـ الموضوع لا يستحق هذا، ستبقى معنا حتى الصباح، وستخرج بعد أن تطمئن على ساقك.
بعد لحظات قصار دخل التومرجي يدفع (توريللي) فوقه رجل مريض، وحوله عدد من الرجال والنسوة، وضعه التومرجي فوق السرير المواجه لسريري وخرج. بكت النسوة، إحداهن صغيرة، كانت تبكى في صمت والرجال يحدثونها.
جاء طبيب مسن، صرخ فيهم قائلا:
ـ اخرجوا جميعا لنستطيع العمل في هدوء.
قال رجل مسن في حزن شديد:

ـ ستبقى زوجته معه لرعايته.
قال الطبيب:
ـ أخرجوا بسرعة ودعوها.
وضع الرجل المسن لفافة فوق الكومدينو:
ـ ذلك طعامه وطعامك، ليته يأكل شيئا عندما يفيق.
أشاحت بيدها في أسى.
شعرت بالضيق، طبيب شاب يعلق زجاجة الجلوكوز في أعلى السرير، وآخر يبحث عن وريد ظاهر ليدخل السن فيه، والطبيب المسن يفحص الأنابيب الدقيقة التي يسير فيها الجلوكوز.
أردت أن أخرج من الحجرة لأشعل سيجارة؛ فلم أجد علبة السجائر معي. جلست المرأة فوق السرير المقابل الخالي. لم تنظر ناحيتي وكأنها لم ترني. كانت تتابع الأطباء الذين يبحثون في جسد زوجها في اهتمام وخوف. عضلات وجهها تتحرك في عصبية مع كل حركة فوق الجسد المريض. كانت أكثر امتلاء من ابتسام زوجتي، لكن وجهها أكثر جمالا.
ينظر الأطباء إلى المريض في ضيق، طال الوقت وهم يفحصونه ويفحصون الأنابيب التي يتعثر عملها أحيانا، ويتحدثون.
أحسست بحاجتي إلى النوم؛ ربما من تأثير المخدر، أو من أثر التصادم. مددت جسدي فوق الفراش ونمت.
أفقت بعد ساعات، كانت الحجرة مضاءة، والمرأة تجلس فوق البلاط أمام جسد زوجها الذي لا يتحرك. انسدل غطاء رأسها، فظهر شعرها المائل للاصفرار وحبيبات العرق تحته؛ فوق جبهتها، وانحسر الثوب عن ساقها البيضاء، نظرت إليَّ، ثم أسرعت بشد الثوب على جسدها في فزع.
ابتسمت لها، لكنها أبعدت وجهها عني في ضيق. عادت ثانية لجسد الزوج الممدد.
وقفتْ على الأرض العارية المتسخة؛ ومازلت ألبس الجورب منذ أن حدث التصادم. تابعتني من جلستها، ثم أرخت جفنيها وتنهدت في أسى.
اقتربت منها:
ـ زوجك؟
(كنت أعلم أنه زوجها، منذ أن قال الرجل المسن للطبيب عن ذلك، لكننى أردت أن أجد طريقة للحديث معها.) أومأت برأسها، ثم أبعدت رقبتها عني.
عدت إلى سريري. ماذا لو اتصلت بابتسام، أخبرها بالحادثة. ربما يرق قلبها وتأتي إليَّ. لا. لن أستطيع، فقد صدمت في تصرفها، تتخلى عني بعد كل ما قدمته لها، ومن أجل أشياء صغيرة.
ماذا لو أتصلت بأختي، نظرت في ساعتي، كانت تقترب من الواحدة صباحا. لا، سيقلقها الخبر. والموضوع لا يستحق هذا، فالجرح صغير للغاية، وساقي تتحرك، لا شيء بها سوى ألم خفيف. لو كانت مكسورة ما استطعت أن أحركها.
قامت المرأة فجأة من مكانها، تابعت جسد زوجها في فزع. نظرت إليَّ. لكنها لم تستطع أن تطلب مني المساعدة. أسرعت إليها:
ـ ماذا حدث؟
كان الرجل يغمغم ويخرج زبدا من فمه، قالت وهي تبكي بصوت مرتفع:
ـ أريد الطبيب بسرعة.
أسرعت إلى الطرقة الطويلة، عدت بالطبيب والممرضة، فحصا الرجل ثم أمر الطبيب بإعطائه حقنة. وقال للزوجة: اطمئني.
بعد أن خرجت الممرضة التي أعطته الحقنة، قلت:
ـ ليتك تنامين، فأنت مجهدة.
لم تقطب وجهها كما كانت تفعل، لم تبتسم لكن حالة وجهها كانت أقل من الابتسام بقليل. جلست فوق البلاط العاري ثانية، وجلست أنا فوق السرير المقابل:
ـ لماذا لا تجلسين فوق السرير؟
ابتسمت، لكنها لم تقم من مكانها:
ـ ماذا حدث له؟
ـ اشتد المرض عليه في الصباح.
مدت ساقيها وشبكتهما معا:
ـ الطبيب يقول "إنه نزيف داخلي."
ـ ارتاحي فوق أي سرير، هل أخرج لتتصرفي على راحتك؟
قالت في حماس:
ـ لا، لا، إنني لا أستطيع النوم، كيف أنام وزوجي هكذا؟
ـ لعلك لم تتناولي الطعام منذ أتيت؟
ـ لم أتناوله منذ أن ساءت حالته في الصباح.
كانت لفة الطعام التي تركها الرجل المسن في الصباح، كما هي فوق الكومدينو. أشرت إليها قائلا:
ـ تناولي الطعام، فقد تصابين بمرض من قلة الأكل.
زفرت:
ـ إنني متعبة منذ أن تزوجته.
أمسكت اللفافة، فتحتها وقدمت لها سندوتشا:
ـ امسكي هذا مني.
مدت يدها في تردد:
ـ يقولون إن سيارة صدمت سيارتك.
ضحكت:
ـ لا أعرف للآن مصير سيارتي.
ـ لم تتناول طعاما منذ أن أتيت، خذ هذا السندوتش.
كنت جائعا حقا، لكن دافعي للطعام كان لأشاركها. كان وجهها أكثر جمالا وهي تبتسم. أمسكت اللفافة، تابعتها وهي تلوك. كانت تنظر إليَّ وإلى جسد الرجل المريض من وقت لآخر.
لم يعد وجهها مجهدا:
ـ أحضر لك ماء؟
ابتسمت، حملتُ دورق المياه الفارغ من فوق الكومدينو، وذهبت لدورة المياه، كانت حجرات المرضى مظلمة، وحجرة الطبيب مغلقة.
عدت بالماء، أعطيته لها، مددت يدي، خلعت غطاء رأسها، أبعدت رقبتها في عصبية، غمغمت. وضعت خمارها جانبا، ولمست الشعر الناعم، تحركت وهي جالسة، أرادت أن تبتعد وهي مازالت تنظر بحرص وخوف إلى جسد زوجها. داعبت رقبتها العارية، ثم صدرها.
المرأة في حيرة، تريد أن تصرخ ولا تستطيع. ما الذي يمنعها من أن تسبني، أو توقظ المرضى والممرضات والأطباء؟ ولو لم يكن زوجها فاقدا وعيه؛ لقام من مكانه من سماع صوت تغمغمها.
جلست بجوارها بين السريرين، التصقت بجسدها، دفعتني، اندفع جسدي كله بسرير زوجها، اهتز السرير، اهتزت زجاجة الجلوكوز والأنابيب الدقيقة. لم تعد تستطيع حتى أن تغمغم؛ فقد خنقتها بفمي، شدت شعر رأسي، وساقي التي تؤلمني، وملابسي الملطخة بالدم.
عندما قمت من بين السريرين؛ كانت مجهدة لدرجة أنها لم تجلس كما كانت. ظلت نائمة لوقت طويل تنظر إليَّ في دهشة، ثم اعتدلت وأرادت أن تسبني، أو تعاتبني، لكنها لم تستطع. قامت. نظرت إلى وجه زوجها الذي كان أكثر اصفرارا.
أرادت أن أجيئ لأراه معها لأرى إن كانت حالته ساءت أم لا، لكنها لا تعرف اسمي، وما حدث، لاشك، قد جعلها تشعر بالحياء مني. هزت جسد الرجل في فزع، ثم صاحت بي:
ـ تعال، أنظر إليه.
أسرعت، هززته معها، ، ثم أسرعت إلى حجرة الأطباء، دفعتها، فانفتح الباب، كانت الممرضة نائمة فوق مكتبها، والطبيب نائم فوق فراشه في آخر الحجرة، صحت في عجلة:
أرجوك، الرجل في حالة سيئة.
أسرعا خلفي. كانت منحنية فوق جسد زوجها، تبكي في صمت. دفعها الطبيب، ثم فحص جسد الرجل وقال:
ـ مات
نظرت إليَّ وأنا مشدوه فوق سريري البعيد، ثم صرخت، أحسست أنها تريد أن تقول لي شيئا.
خرج الطبيب والممرضة خلفه. أسرعت إليها، كانت تتحرك في جنون، شددت جسدها إليَّ، ودفنت وجهها في صدري وبكت. عندما أحست أن المرضى سيأتون من الحجرات الأخرى، أبعدتها عني. أنكفأت فوق الفراش وبكت.
في الصباح؛ جاء الرجل المسن وبعض النسوة، كانت قد تعبت من البكاء والصراخ، فجلست على الأرض بين السريرين واضعة رأسها فوق يدها.
صرخت النسوة، وبكى الرجل المسن وهى تتابعني من وقت لآخر.
حملوا الجثة فوق التروللي الذي دفعه التومرجي خارج الحجرة؛ بينما دخل الطبيب الشاب قائلا لي:
ـ أبشر، ساقك سليمة، يمكنك أن تخرج.
خرج الرجل المسن، وخلفه النسوة وراء التروللي، وسارت هي في خطوات وئيدة، قبل أن تخرج من الحجرة؛ نظرت إليَّ ، لمحتها وأنا منهمك بجمع أشيائي. مصطفى نصر ـ الإسكندرية