مرجان يحذرنا: الشعر في خطر

كتب ـ أحمد فضل شبلول
دعوة للفنان عادل إمام

في فيلمه السابق "السفارة في العمارة" تهكم الفنان عادل إمام وسخر من قصيدة "لا تصالح" للشاعر أمل دنقل، وردد بعض سطورها في مشهد (تحشيشي) من مشاهد الفيلم بطريقة لا تتلاءم مع أهمية الشاعر وتاريخه الشعري، وأهمية القصيدة وموقعها من الشعر السياسي العربي في السنوات الأخيرة والتي جاء في مطلعها: لا تصالحْ !
.. ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك،
ثم أثبت جوهرتين مكانهما ..
هل ترى ..؟
هل أشياء لا تشترى ..
وقد حول عادل إمام أو المهندس شريف الجوهرتين إلى حجرين من أحجار (الجوزة) في جلسته التحشيشية بمشهد الفيلم مع أصدقائه القدامى.
وقرأت أن هناك من قام برفع دعوى قضائية على الفنان عادل إمام لأساءته البالغة لقصيدة تعد من عيون الشعر العربي المعاصر فنيا وسياسيا، مما يجعل جمهور المشاهدين، وهو جمهور عريض قياسا إلى جمهور الشعر بطبيعة الحال، يسخرون من شعر أمل دنقل إذا قرأوه وفهموه على طريقة شريف مهندس البترول العائد من الخليج، والذي يجسد شخصيته الفنان عادل إمام.
ويبدو أن عادل إمام لم يكتف بهذه الإساءة لرمز من رموز الشعر المصري الحديث، فقرر الإساءة إلى الشعر نفسه، في فيلمه الجديد "مرجان أحمد مرجان" الذي يجسد فيه شخصية رجل أعمال في استطاعته أن يشتري كل شيء في البلد، وأن يرشي كل واحد من الممكن أن يقول له: لا.
وبما أنه رجل أعمال غير متعلم وغير مثقف، ومن أجل عيون أستاذة الجامعة الدكتورة جيهان مراد التي تجسد شخصيتها باقتدار الفنانة ميرفت أمين في إطلالتها الجديدة على السينما المصرية، وفي دور من أجمل أدوارها السينمائية بعد "زوجة رجل مهم"، فقد قرر مرجان أحمد مرجان أن يصبح شاعرا عله يحظى بقلبها.
ولكن لأنه لا يفهم شيئا في الشعر والثقافة والأدب، فقد دله تابعه على مقهى يجتمع فيه الشعراء والأدباء، وانتقى شاعرا يكتب شعر العامية والأغاني الهابطة (جسد دوره الفنان ضياء الميرغني) فاشترى قصائده بمبلغ تافه، ووافق الشاعر على البيع بعد أن اختار عنوان "لن أبيع نفسي" لديوانه المباع لمرجان أحمد مرجان.
كان الممكن لعادل إمام، أو مرجان، أن يختار قصائد أفضل من قصائد الحلزونة وما شابهها، ويحقق بذلك كسبا لقضية الشعر وتذوقه في الفيلم، ولكنه اختار ثانية طريقة التهكم على الشعر والشعراء، باختياره نصوص رديئة من ناحية، واختيار شاعر يبيع شعره ويبيع نفسه من أجل خمسمائة جنيه، وبذلك يطبق مرجان مبادئه في أن كل شيء للبيع.
بطبيعة الحال انتزعت كلمات قصائد الحلزونة في ديوان "لن أبيع نفسي" ضحكات وقفشات جمهور السينما التي سمعتها بنفسي أثناء مشاهدتي للفيلم في الغردقة.
ولم يكتف عادل إمام أو مرجان أو يوسف معاطي (مؤلف الفيلم أو كاتبه) بذلك، وإنما للمزيد من السخرية، ولفضح بعض أساليب الحصول على الجوائز، حصل هذا الديوان على جائزة المجلس الأعلى للأدب والشعر، وكان تصوير حصول مرجان على الجائزة في إحدى قاعات المجلس الأعلى للثقافة بالفعل.
ولم أدر ما مغزى إهداء كل جائزة يحصل عليها مرجان إلى (السيد الرئيس راعي الشعر، وراعي الرياضة، وراعي الفنون) إلا إذا كان في هذا إشارة إلى بعض المنتفعين والوصوليين.
ومما يزيد من خطورة الأمر، والمضي في استهجان الشعر والشعراء، بل والنقاد أيضا أن تعقد ندوة نقدية لمناقشة الديوان الفائز في الكلية التي يدرس بها مرجان لينال شهادتها، فقيلت قصائد المدح النقدي فيه، بعد أن قام مرجان برشوة أستاذ الأدب والنقد في الكلية بساعة من الذهب، فكل شيء من الممكن أن يشترى حتى نقاد الأدب والشعراء.
ينكشف أمر الشاعر المزيف مرجان أحمد مرجان أمام ابنه (شريف سلامة) وابنته (بسمة) وزملائهما عندما تدعوه الدكتورة جيهان لإلقاء قصيدة من قصائد الديوان أمام الطلبة.
وهذه نقطة أراها إيجابية لكشف المزيفين والمتورطين في السرقة والرشوة، بفضحهم أمام الطلبة والجماهير.
هناك نقاط أخرى لم أشأ أن أتعرض لها، وكشَفها أو فضحها الفيلم، على طريقة عادل إمام الذي يمس الجرح ويفتحه أمام المشاهدين، ولكنني أركز حديثي هنا على موقف الفنان من الشعر والشعراء الذي برز في أكثر من فيلم ومسرحية من أعمال عادل إمام الكثيرة والمتعددة.
وهو موقف يذكرني، بشخصية شاعر ظهرت في فيلم "الكرنك" قصة كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، جسدها أحد الفنانين الشباب وقتها هو الفنان فاروق يوسف على ما أتذكر. ففي الوقت الذي كانت تغلي فيه البلد يظهر شاعر من الشعراء الذين ينتمون لموجة التحديث فيقول كلاما غير مفهوم، فتسخر منه شلة المقهى التي تمثل قطاعا عريضا من الجماهير.
في فيلم "مرجان أحمد مرجان" نفس نظرة السخرية من الشعر والشعراء، غير أنني لا أتوقع أن يرفع أحد دعوى قضائية على عادل إمام أو يوسف معاطي أو منتج الفيلم "شركة جود نيوز" لعماد الدين أديب، لأن ما ورد من كلمات تافهة وهابطة على لسان الفنان ضياء الميرغني أولا، ثم على لسان الفنان عادل إمام بعد أن اشتراها، ليست ملكا لأحد، على عكس قصيدة أمل دنقل، ويبدو أنها من تأليف أيمن بهجت قمر، كاتب أغنيات الفيلم.
ثم شتان بين قصيدة "لا تصالح" وكلمات "الحلزونة" التافهة أو الهابطة أو الرخيصة مثلها في ذلك مثل الأغاني المنتشرة في سوق الغناء حاليا، ولا أحد يفكر في رفع دعوى على أحد بسبب هبوط ذوقها، وإن رُفعتْ دعوى فستكون على الذوق المصري الذي يقبل انتشارها في كل مكان.
ولكن في نفس الوقت لعل ما أشار إليه الفنان عادل إمام من خلال اختيار تلك الكلمات يحمل رسالة واضحة وصريحة إلى الشعراء بعامة، تقول "إن الشعر في خطر." وهي رسالة توضع إلى بقية رسائل الفيلم التي تقول معظمها إن الأخلاق في خطر، إن العلاقات الإنسانية في خطر، إن المبادئ في خطر (وأشير إلى إحدى جلسات مجلس الشعب التي تحدث فيها العضو مرجان أحمد مرجان).
وإذا استطعنا تجميع تلك الرسائل إلى جوار بعضها البعض سنجد الرسالة الكبرى التي يحملها الفيلم تقول "إننا في خطر."، "مصر في خطر." وشر البلية ما يضحك، ونحن ضحكنا في فيلم "مرجان أحمد مرجان".
أخيرا إذا كان الفنان عادل إمام يفكر في خدمة الشعر العربي حقيقة، لا السخرية منه، فإنني أدعوه إلى تجسيد حياة أحد شعرائنا على الشاشة الفضية ممن تتصف حياتهم بالتقلبات الدرامية مثل أمير الشعراء أحمد شوقي، أو شاعر النيل حافظ إبراهيم، أو شاعر البؤس عبدالحميد الديب، أو رب السيف والقلم محمود سامي البارودي، أو من المعاصرين من أمثال أمل دنقل وصلاح عبدالصبور.
ولعلي أتذكر في هذا المقام فيلم "عنترة بن شداد" للفنان الراحل فريد شوقي، ولكن من المؤكد إذا تناول عادل إمام شخصية شاعر آخر سيكون لفيلمه ولفنه أداء مختلف وطعم مغاير، لا لشيء إلا لأنه عادل إمام. أحمد فضل شبلول ـ الغردقة