الطفل والحيوان: علاقة خاصة

بقلم: زياد العيساوي
لمسة بمسحة

1 ـ الحكاية بعد أن يعتاد الطفل رؤية وجه أمه الصبوح، وهوَّ لا يزال في المهد رضيعاً، ويألف سماع هدهدتها الساحرة، وهي تداعبه وتغانجه، فينتشي بها فرحاً وطرباً، ويبدأ بعد مُضي بضعة أشهر من ولادته، يُميز بين أفراد أسرته شكلاً وصوتاً، إلى أن تتقدم به رحلة الأيام يوماً فيوماً نحو أول عام من عمره ويصله، فيتمكن بعد ذلك من القيام على قدميه، وهو يتأرجح بين الوقوف تارةً والسقوط تارةً أُخرى.
وساعتئذٍ لا تسعه الفرحة فيقيم البيت ولا يقعده، وتحت مراقبة مشددة عليه من أسرته، يطفق يُمشط أركان البيت وزواياه من أقصاه إلى أقصاه، ومن غرفة إلى أخرى، ملتمساً خُطاه الأولى المرتعشة، ومكتشفاً بنفسه كل شيء يحيط به وتقع عليه عيناه، فيقع أرضاً من شدة التعب والإجهاد، وقد أخذ منه الإرهاق كل مأخذ، فيأخذ قراراً لا رجعة فيه بألا يقف على قدميه ثانيةً، وأن يعود إلى طريقته الأولى في الحركة، أي على أطرافه الأربعة كما كان يمشي قبلاً، فهذه الطريقة أسلم له من الحركة على طرفيه السفليين أثناء تنقله وتجواله، فيما يبدو له.
وفجأةً يرى على مقربة منه إحدى التحف المنزلية الجامدة التي لا حراك لها، فيأخذها بين كلتا يديه، ويأخذ في تفحصها وتفرسها ملياً بأم عينيه، ويحاول جاهداً تحريكها مرة إلى أعلى وأخرى إلى أسفل، ثم ثالثة ورابعة، يميناً فيساراً.
وبعد أن يعيد هذه الحركات مجتمعة مراراً وتكراراً، وهوَّ يتحدث إلى هذه التحفة الباهظة الثمن بكلمات هي في أصلها حروف لكلمات مُتقطعة غير موصولة لا يربطها رابط ولا يضبطها أي ضابط، ويفصل بين كل واحد منها وآخر يليه فاصلٌ زمني يُعد بالثواني المعدودة على أصابع اليدين، وليست اليد الواحدة، فلا أحد قط يعرف القصد من تلفظه بها سواه فقط.
غير أن هذه التحفه البليدة الإحساس لا تُحرك ساكناً، ولا تُبدي أية استجابة صوتية لما يقوله لها، ولا يجد منها أي رد فعل ملموس، نظير ومقابل تحريكه إياها، فيملها بعد حين ولا يُلقي لها بالاً ثم يلقي بذاك الشيء الممل بلا رأفة وبكل ما أتاه الله من قوة في ساعده الصغير عُرض الحائط، فيرتطم به ويتحطم.
إذ ذاك تجحظ عيناه ويطلق زفرة مرَّة يُتبعها بشهقة حرَّى من هول الدهشة، ثم ترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة وعريضة عُرض الحائط الذي قد جعله مرمى لقذفته.
وما هي إلا بُرهات محسوبة تُحسب بزمن استغراق وصول القطع المتناثرة للتحفة المنكسرة إلى الأرض، مضافاً إليه زمن وصول صوت ارتطامها بالأرض إلى أمه بالتالي، حتى تأتي إليه غاضبة منه لتلطمه على خده وتقرعه على أنامله الناعمة، كنعومة أظفاره.
وترى أنه يجب عليها أن تُقيد حركته، كي يتسنى لها أداء المهام البيتوتية الملقاة على عاتقها، وعلى أكمل وجه، وبينما هي تشد وثاقه لأي جامد في البيت ناحية الخلف، يشد انتباهه ويسترعي اهتمامه شيء آخر يتحرك أمامه، وهوَّ يجهش بالبكاء صارخاً، فينفطر قلب أمه له، ويعتصر بين ضلوعها لأجله، وترى أن عليها إطلاق صراحه بعد أن كانت قد اتخذت قراراً لا عدول عنه بشأن كبح جماح حركته.
وبمجرد أن تحلَّ أخر عُقدة من وثاقه الذي كانت قد أحكمت بُنيان ربطه، سُرعان ما يمسح المسكين بيده على خده، ليُزيل ويغسل بالماء المالح الذي يفيض وينهمر من عينيه اللتين أجهشهما البكاء، أثار ما قد علق بخده من شوائب جرّاء الصفعة التي تلقاها عليه بيد أمه الملطخة إبان ذلك بأعمال التنظيف المنوطة بها، ثم ينهض من فوره على قدميه، بعد أن تراجع عن قراره وأرجعه سبباً وسراً كامنين وراء عقاب أمه له، لكأنه أحسَّ بأن قراره الأول كان نذير شؤم عليه (هكذا).
على أية حال، فبعد أن قام الطفل بمسح خده، يمّمَّ وجهه شطر هدفه المتحرك، وشرع في الحال يركض نحوه ليعرف ما ذاك الشيء الذي تراءى له يتحرك؟
وقبل أن يدركه بفاصل طولي لا يتعدى ذراع طفل، مما تقيسون، بدأ توازنه يختل وجعل يترنح حتى سقط، فعاد لحظتئذٍ ليتذكر العقاب الذي تعرض إليه من أمه، واتخذ قراراً لا زحزحة عنه هذه المرة، يتمثل في عدم السير على أربعة، وإنما على رجليه دائماً وأبداً.
ولست أعتقد مجرد الاعتقاد، أن أحدكم قد استغرب قراره الثاني، فهكذا هم الأطفال لا يلتزمون البتة بأيِّ قرارٍ كانوا قد اتخذوه واعتمدوه في أية مناسبة فائتة، وهكذا هي قراراتهم تأتي دوماً وليدة اللحظة، وبما يُمليه عليهم الأمر الواقع، وما تحتمه الضرورة القصوى، وليس ثمة ما يُثـنيهم عن عزائمهم متى ما أرادوا وعقدوا العزم، بل يجعلون الواحد منا ينساق طائعاً وراء رغباتهم ورهناً لأمزجتهم، بدليل أن هذا الطفل سيعود إلى ما امتنع عنه سابقاً.
هذا ما سوف تلاحظونه عليه بأنفسكم لاحقاً، لذا لا يندهش أي منكم إن رآه يتزحزح عن قراره الأخير، ونحن نسرد لكم ما تبقى من هذه الحكاية، في الجزء الثاني والتالي.
***
ها هو الطفل الآن، صار على بُعد مرمى حجر من هدفه، ينظر إليه ليعرف ماهيته، وإذا به (هر) قد أتى به أحد أشقائه تواً، فتقدم إليه بخطوة مرتعشة خانه فيها التقدير، ومن حيث لا يحتسب، داسَ على طرفه فأرعبه رد فعل الهر وراعه مشهده، وهو يقف مرتفعاً على مخالبه، وقد انتصب ذيله، كأنه يُحاكي انتفاخ صولة الأسد، وشرع يموء بصوت حدته عالية ألماً وغضباً.
فلم يتمالك الطفل ذاته وخرت قواه ولم تحمله قدماه تحت وطأة الخوف والفزع، فوقع مرة أخرى، وتقوقع في محله، وبعد بُرهة تناهى إلى مسامعه وقع خُطى أمه الحثيثة آتية باتجاهه، ويلعب سوء التقدير دوره مرةً ثانيةً، حينما يقفز الطفل واقفاً مغمض العينين، وهوَّ يرتعد وجلاً استعداداً لصفعة مرتقبة منها على خده الثاني، لزعمه بأنه إثر وقوعه أضحى في وضعية تأهله لنيل قسط من العقاب الشديد القسوة كالذي ناله منها في المرة السابقة.
غير أن العقاب سيكون من نصيب الهر، فقد هوت عليه الأم بإحدى أدوات التنظيف التي كانت تُمسك بها مصادفةً أثناء لملمتها لبقايا التحفة المتناثرة، وبلا هوادة دفاعاً عن طفلها، فأدار الهر ذيله لها ولاذ بالفرار مطلقاً أطرافه الأربعة للريح، بعدوٍ سريع واختار له الحيز الذي تحت المنضدة مستقراً وطاب له مقاماً.
ذُهل الطفل لهذا الموقف، ولهذه الأحداث العنيفة والمتناهية السرعة، التي رأى بنفسه كل تفاصيلها وبكل دقة، فكانت بواعث على استيائه، ثُم تشكلت على محياة بوادر الدهشة، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى علامات الجهل، ثم تلاشت بدورها تلقائياً كي تفسح مجالاً لارتسام تعابير تساؤلات الجاهلين على وجهه.
بدأ الطفل هذه التعابير، بوضع إبهامه في إحدى فتحتي أنفه بحيث جعل ثلاثة أرباع طوله تبدو خارجه، أما الربع الرابع والمتبقي منه، فقد انحشر بداخله، وهو يرصد أمه بعين وبالأخرى يُراقب الهر حتى أصابه شيء من الحول في عينيه، وحتى كادتا أن تتلامسا، لولا الفاصل الطبيعي الذي جعله البارئ جلَّ في عُلاه بينهما، نتيجة النظر المزدوج إليهما في آنٍ واحد.
أنهى الطفل كل هذه التعابير التصويرية بتعبير صوتي دالاً به عن جهله ورفضه ومبدياً انزعاجه مما حدث، حينما أطلق العنان لصرخةٍ مدوية فاقت حد التصور والتعبير، بل أنها تجاوزت في علوها مواء الهر المتوجع واهتزت لها أرجاء البيت المتصدع، وسيكون لهذه الصرخة وقع وشأن آخر، وهذا ما سوف يتضح لكم في مناسبة لاحقة من هذه الحكاية، ومن خلال الجزء الثالث منها على وجه التحديد، والذي سيعقب هذه الفقرة مباشرةً.
***
إذن هيا بنا لنستكمل ما تبقى لنا منها، ولنبدأ معاً من آخر نقطة توقفنا عندها. استمر الطفل في صرخته حتى أسودَّ لون وجهه، فاقتربت منه أمه وحاولت بكل رفق أن تُهدئ من روعه، وبشق الأنفس استطاعت ذلك، واتخذت قراراً لا تردد فيه، بأن ترد إلى سابق أمرها، أي إلى مشاغلها المنزلية بعد أن نذرت على نفسها أن تدعه وشأنه ليفعل ما بدا له، إن أوقف هذه الصرخة الأوبرالية.
اغتنم الطفل هذه الفرصة، وتوجه على الفور إلى الهر، ولعلكم تذكرون جيداً، أن آخر وضعية كان يقف الطفل على هيئتها هي الوقوف على اثـنتـين، أي على رجليه، فصار نحوه بعد أن أدار هو الآخر ظهره إلى أمه، كما فعل الهر تماماً بخطوة إلى الأمام واثنتين إلى الوراء، أي أن محصلة حركته الناتجة عن خطواته المترددة، كانت أقل من الصفر وسالبة الاتجاه باعتبار نقطة الصفر هي النقطة التي كان يقف عندها أساساً.
وشيئاً فشيئاً، أخذت تزداد على نحوٍ بطيء، وهي تقترب من الصفر، إلى أن شعر بشيء من الأمان، فخطا أولى خطواته التي تجاوزت نقطة الصفر بمسافة قليلة في الاتجاه الموجب على خط الأعداد الذي كان يقف عليه والهر كذلك، وحافظ على هذا النظام في الحركة المنتظمة حتى وصل إلى مراده بتأنٍ ليس بعده إلا السلامة.
وكان له ما سعى إليه، فها هو ذلك الهر قابع تحت المنضدة يرتجي الرحمة، فما عليه إلا أن يرمي بنفسه أرضاً كي يمسك به، وبالفعل لم يتوانَ في اتخاذ قراره الثالث الذي لا ندم عليه منه، ولا غرابه فيه منكم، فبالنسبة له ليس هناك من يُراقبه ويحسب عليه حركاته.
أما أنتم فقد هيأتكم لتوقع وتقبل مثل هذا الأمر منه، عندما أخبرتكم آنفاً، وفي الجزء الثاني على وجه التحديد، بأنه سوف لن يلتزم بقراره الذي سبقه (الثاني) وبأنه سوف يلغيه بإصدار واعتماد قرار آخر، وهذا ما حدث الآن.
على العموم، ارتمى الطفل على أطرافه كلها (الأربعة) منفذاً قراره، ومدَّ ذراعه إلى الهر بحذرٍ شديد، الذي كان قد خرج لتوه من وقع الصدمة، ولم يخُنه التقدير، فقد كانت كل حركاته السابقة سليمة وبشكل مـدروس، فها هي أطراف أصابعه تُلامس ذيل الهر وبات قاب قوسين أو أدنى منه، ورأى أن عليه أن يدنو منه، ذلك بأن يدفع ببدنه نحوه، بإزاحة قصيرة جداً لا تتجاوز عقلة إصبع، مما تقدرون.
وهذا ما حدث إذ أنه تمكن من التحكم بذنبه، وعلى حين غرة من الهر، قام الطفل بجره إليه بعد أن أمسك به، بقبضة يده الصغيرة، حتى كاد أن يفصل ذيله عن باقي جسده مسبباً له بعض الألم، فردَّ عليه الهر بمثل قدر الوجع الذي أشعره به، حينما دار بحركة التفافيه خاطفة مقابلاً إياه وجهاً لوجه. ووقتئذٍ زمجر في وجه كالأسد، بعد أن أفلت ذيله من براثن قبضته.
وكرد فعلٍ لهذه الحركة الخاطفة والمباغتة، انقلب الطفل واقعاً على ظهره، ولكنه سُرعان ما استجمع قواه ونهض من استلقائه واعياً الدرس الذي لقنه له الهر، وعرف بُعيد ذلك أن في إعادة ما فعله منذ قليل مكمن الخطورة وعواقب وخيمة عليه، فتدارك الموقف وعاد مجدداً إلى الهر طالباً ودَّه وهو يجس نبضه، في حين كان قلبه يخفق خوفاً من تكرار ما سبق، وجاء ليمدَّ يده إليه ويلعب حسن الحظ دوره، عندما مسَّت ظهر الهر، فلم يُقم بأي رد فعل قاسٍ عليه في هذه المرة، ولم يُبدِ أي امتعاض، ولا أية استجابة صوتية عنيفة، بل تقبل الأمر بكل استحسان ولم يكُن منه إلا أن مسح بوجهه على يد الطفل، على نحوٍ يدعو للطمأنينة والارتياح من جانبهما، ويدعو على الاستغراب والدهشة من جانبنا.
عموماً أدرك الطفل أن لا سبيل أمامه لكسب ثـقة الهر إلا بملاطفته، لذا أعاد مسحته على ظهره، وبالمثل قام الهر بما فعله سابقاً إزاء هذه البادرة الطيبة، وبادله بمسحة أخرى من وجهه على اليد، لكأنه أراد أن يشكر الطفل على حسن معاملته له.
وتكررت اللمسات والمسحات بينهما، لمسة بمسحة، حتى استأنس كل منهما للآخر، ما جعل الهر هو من يتقدم نحو الطفل، بعد أن بادر الأخير بذلك قبلاً وقد عانى ما عاناه من صعاب بين كر وفر، وقاسى ما قساه حتى كان له الأمر، الذي تمناه بنشوء الصداقة والألفة فيما بينهما، ما جعله يشعر بغبطة وسرور، لا مثيل لهما.
لكن سعادة الطفل لم تدُم طويلاً، حينما رأته أمه مصادفةً يحاول أن يحمل الهر بين ذراعيه ويقف به، لكنه كان في كل مرة يسقط به، فجاءت إليه مسرعة كي تأخذه من أحضانه وتفكُّ هذه اللحمة بينهما، وما إن فصلته عنه ورمت به بعيداً عنه حتى أطلقها صرخةً ترددت أصداؤها وارتجت لها جدران البيت المتهالكة، فكانت كالقشة التي قسمت ظهر البعير، فقد سقط قفص العصافير المعلق في ذلك الجدار الذي كان قد تحملَ صدمة تلك التحفة به، ثم اهتز لتك الصرخة، التي أخبرتكم بأنه سيكون لها شأن آخر، ولكنه لم يحتمل صرخته الثانية التي أجهزت على قفص العصافير.
أسرع الهر نحو العصفور الوحيد الذي كان محتجزاً بداخله، فأنقضَّ عليه، وقطمه بأنيابه، وهاهو صرير الباب يعلن عن قدوم الأب، وفي الوقت نفسه، وفي غفلة من الجميع، فرَّ الهر بالعصفور مخترقاً الفاصل بين رجلي الأب، كما يخترق سهم ناري دائرة الهدف، ثم ضربت الريح الباب وراءهما معلنةً عن نهاية هذه الحكاية (انتهت). 2 ـ التعليق لقد تناولنا في هذه الحكاية المجزَّأة إلى ثلاثة أجزاء، عدة أمور تخص الطفل، منذ ولادته حتى يصل إلى العام الأول من عمره، منها مراحل تطور حركته وكيفية تأقلمه مع من يراهم ويحيطون به.
فبعد أن يألف الطفل أفراد أسرته، يتولد لديه إحساس بكل الكائنات الموجودة داخل البيت، الحي منها والجامد كذلك، وربما لاحظتم بأنفسكم، أننا قد جعلنا كل جزء من هذه الحكاية يرتكز ويتمحور على إحدى حركاته، منذ أن بدأ يحبو، إلى أن استطاع القيام على قدميه بين وقوف وسقوط.
ولست أسعى هنا، وفي تعليقي على هذه الحكاية إلى التركيز على مراحل الحركة عند الطفل، وإنما سينصب تركيزي على ما عنونت به موضوعنا هذا وهو "علاقة الطفل بالحيوانات"، فما أود التطرق إليه هو أن أؤكد على أهمية وموضوعية الأمر الثاني، كي أصل بكم إلى تفسير لأمر آخر مهم جداً، ستجدونه في سطور هذا التعليق لاحقاً.
لعلَّ أهم ما يشد عناية الطفل هو الحيوانات المنزلية، وأقصد بلفظ (المنزلية) الأليفة منها بطبيعة الحال كالقطط والعصافير، لأنه يلاحظ وجه الاختلاف بين طبيعته الجسمانية وطبيعتها، من حيث الخلق والتصرفات والحركة بعد أن لاحظ وجه الشبه بينه وبين أفراد أسرته من الجوانب نفسها، وبعد أن أيقن بأنه ليس ثمة أي وجه للشبه بينه وبين الجوامد الموجودة في البيت، ما جعل اهتمامه ينصرف عنها إلا فيما ندر.
وأعني بهذا الاستثناء، أن الطفل لا يُعير هذه الجوامد أي اهتمام ولا يكترث لوجودها إلا في حالة واحدة، عندما تكون دُمى مجسمة على هيئة حيوانات، فنراه ينشغل بها في أوقات اللهو.
وما يؤكد ويؤصل هذه الحقيقة، أن أول ما ينطق به الطفل من أسماء بعد أن يتمكن من حفظ أسماء أسرته وينطق بها، هي أسماء الحيوانات في شكل حروف مختصرة نعرفها جميعاً ولا يوجد داعٍ للتذكير بها، بدليل أنه بمجرد أن يُقدم على أية مشاكسة نُرعبه بحرفين نعني بهما حيواناً يخافه، وإذا أردنا مكافأته على هدوئه، نذكر له حرفين أو ثلاثة لحيوان آخر يستأنس له، كوعدٍ منا ليراه ويستمتع بمشاهدته أو بامتلاكه.
من هنا وعلى خلفية هذه الأمور، سنجد تفسيراً لما نراه في مسلسلات الرسوم المتحركة، ففي أغلبها إن لم يُكن كلها، نجدها تتناول قصص الحيوانات، بل أنه وفي البعض منها تُستبدل شخصيات أبطالها بالحيوانات عوضاً عن البشر، لعلم كاتبيها ومخرجيها بمدى تعلق الطفل بالحيوانات.
ويبدو هذا الأمر ماثلاً للعيان، عندما نشاهد في مشاهدها، أن البيئة التي تجري عليها أحداث هذه المسلسلات هي بيئة البشر، من شوراع ومدن ومنازل، غير أن الشخصيات رُسمت على هيئة حيوانات تلبس ما يلبسه البشر وتأكل ما يأكلونه، بل أنها تذهب حتى إلى المدارس، وتقف على قدميها وليس على أربعة.
أوَليس هذا بأمرٍ غريب؟ إلا إذا كان لجذب انتباه الأطفال إلى هذه المسلسلات، كي يتمكن الكتّاب والمخرجون من إيصال أدبيات أعمالهم إلى عقول الأطفال، تأسيساً على هذه العلاقة الحميمية بين الطفل والحيوان. زياد العيساوي ـ ليبيا Ziad_z_73@yahoo.com